HAMADI-BACHIRكثيرا مافكرت في بلدي مثل غيري من البشر، وكلما فكرت في بلدي تجتاحني أسئلة كثيرة وكبيرة ومؤلمة. كثيرا ماتساءلت مثل غيري هذا السؤال الذي يثير الكثير من المشاعر بلاريب: ماذا لوعاد الشهداء ورأوا ما نحن فيه؟ والذي يثير العذابات أكثر هو السؤال: ماذا لوعاد الشهداء وشاهدوا ما يجري الآن؟

ماسيرونه هو شعب مقسم أشلاء، جزء تحت أحذية الإحتلال يُسقى مر العذاب ليل نهار، تُسحل النساء ويُغتصب الرجال، ويتم إغتيال الفتية ويُلقن الأطفال أناشيد المحتل. وجزء في فيافي المنفى يتجرع مرارات الدهر وفظاعة الطبيعة، يُذيبه حر الصيف بلاماء ولا كهرباء وتتجمد العروق مع برد الشتاء في الوقت الذي يتفاقم شح المساعدات الإنسانية، وقسم ثالث تنطبق عليه فعلا بلا تعليق كلمة ” الشتات “، بعضه يترجى التراخيص للمرور المُهين من البوابات الأجنبية وبعضه يتوسل في مكاتب الهجرة للحصول على هوية والبعض الثالث يدفع الغرامات والجزية لأجهزة الأمن الأجنبية والشقيقة حتى.

ماذا سيرى الشهداء لوعادوا؟ سيواجهون بمرارة العلقم شعب تنهشه الخلافات، عادت به السياسات الى مستنقع القبيلة، وأصبحت دولة الشعب تُخاطب وتحاور القبيلة، والحراك السلمي يُنظم بإسم القبيلة، والأطفال في حينا يتندرون باسماء قبائلهم ويسخرون من بعضهم البعض بإسم القبيلة، وجارتنا الطيبة لا تستطيع الذهاب إلى الإدارة كذا لأنه لا أحد من قبيلتها يعمل هناك، والبلدية كذا تعاركت مع البلدية كذا بسبب التكوين القبلي، وفلان فاز في إنتخابات كذا في دائرة كذا لأنه من قبيلة كذا، والوزير فلان قام ببطولة نوعية وعزل أغلب عمال الوزارة لأنهم لا ينتمون إلى مسماه، والهيكلة السياسية الوطنية تفتخر وتحتفل بتكوين المجلس الإستشاري “القبلي”، شعب ممزق لايختلف على المصير ولكنه لا يتفق على الطريق الذي يؤدي إليه.

سيرى الشهداء لوعادوا نساءا رائعات يقطرن البطولة، افنين العمر والشباب بصبر ايوب لبناء دولة الحلم لكل الصحراويين، تُمرغ كرامتهن في منفى اللجوء، أو تُسحلن وتُغتصبن وتُستباحن في المدن المحتلة، والجيل الصاعد منهن إستبدل الحناء بالقفازات، والكُحل بالنظارات وحكايا (أسريسر ذهبو) بالمسلسلات.

ماذا لوعاد الشهداء؟ سيواجهون واقعا تعليميا مُرا ومُفجعا يولى الإهتمام فيه لتسريحات شعر البنات أكثر من منهج التاريخ الوطني، ويُلقن أطفالنا فيه تاريخ الجزائر وتغيب جغرافيا الوطن، واقع يتغنى فيه المسؤول بضرورة التعليم ويرسل أبناءه الى الخارج، وينتقي لأبناء العمومة أهم فرص التكوين من النادر المتاح، أطفال أبرياء يفتقدون للتنوير ويفقدون الحس بالوطن لأنهم يُحاسبون أكثر على تسريحات الشعر والوان القماش المربوط بالظفائر أكثر مما يُعاتبون على دروس التاريخ والجغرافيا إن وُجدت. وواقعا صحيا أكثر فظاعة يُعالج فيه ابناء النخبة وعائلاتهم في الخارج ويُترك اللاجئين البسطاء للتعفن بإسم الصمود، وزارات دولة عاجزة عن توفير الماء لحفنة من اللاجئين بل الأدهى تبيعه لهم في واضحة النهار، وزارة الداخلية عاجزة عن تهذيب عقليات أجهزة الأمن التي تتغول على المواطن وتُغرمه فقط لأنها ترتدي زيا عسكريا، ولم تلغي التفنن في جمع الضرائب على حساب إتقان الخدمات : فالمواطن عندنا يشتري الترخيص، ومرغم على حمل دفتر السيارة الذي لا وجود له في أي دولة في العالم، دولة لم تستكمل سيادتها وتهتم بالثقافة أكثر من التعليم والصحة، دولة يقطن تسعين بالمئة من وزراءها في مدينة تندوف ويهرعون إلى منابر المخيم يحرضون اللاجئين المغلوب على أمرهم على الصمود “قمة الحياء والمسؤولية”. وجيش التحرير الشعبي يرضى بالتمرغ في وحل السياسات الداخلية ويرضى لنفسه بحراسة النساء والأطفال وتفتيش أمتعة المدنيين وإشهار الأسلحة بجوار المدارس ودور التربية بدل التمسك بمهمته الاسمى في الذود عن حياض التراب الوطني.

ماذا سيرى الشهداء؟ شباب في عمر الزهور، مملوء بالحياة ولكنه لا يعرف كيف يرتدي السراويل، يُتقن ما أملته عليه الظروف وسياسات أهل البلد، يُتقن لهجات الآخرين أكثر من الحسانية، يحفظ أسماء القبائل وتفصيلاتها أكثر مما يحفظ التقسيم الإداري للوطن السليب، يتابع بدقة الليغا الإسبانية ويتفنن في أسماء الأندية واللاعبين أكثر مما يعرف من البطولات والمعارك واسماء الشهداء، شباب في عمر الورد بلا هدف سوى البحث عن تأشيرة تقوده إلى المجهول وتزيد غربته عن الوطن، شباب يافع محروم من فرص العمل وإمكانية الإبداع والعطاء، وإذا حاول التمرد على الوضع والبحث عن التغيير فكتب مقالا أو نظم حشدا يُتهم ببساطة بخدمة العدو والعمالة، بل ويُحرم من العمل في مؤسسات بلده ويُضيق عليه الخناق الضيق أصلا، شباب يرتع في مخاطر لا حصر لها مُهدد بالإدمان والتعاطي لكل ماهو خطير، شباب يُغني الراي ويُتابع موسيقى الراب ويعتز ببطولات مراد علم دار، ويذوب في غراميات ماري تشوي، ويحتاج لحس الإعتزاز بالنفس والفخر بالوطن.

ماذا لوعاد الشهداء؟ ماذا سيواجهون؟ شعبا موحدا على حقه في تقرير المصير، متمسك بالأداة التي من المفترض أن تمكنه منه، ولكنها لم تفعل حتى الآن فهو في دولة لا تتجدد، تسير عكس منطق الطبيعة وترفض التجديد حتى لا نستخدم كلمة “التغيير” لأنها من بنود الأجندة المعادية، أعضاء البرلمان يقدمون هدايا لإمتدادات الحكومة، والحكومة تُشتت البرلمان إلى كتل قبلية، ومنتفعة وخونة، وزراء الدولة وأعضاء الهيئات العليا للمنظمة هم أنفسهم من أربعة عقود والتحرير لم يُستكمل بعد والدولة ناقصة السيادة، معركة التحرير اصبحت سلمية ولكن ميدانها حكر على نصف الشعب والنصف الآخر معفي من المقاومة. المصير وُضع بين أيادي الذئاب في مجلس الأمن واصبحنا ننتظر تغيير كلمة أو جملة في قراراته لنحتفل بها لسنوات.

لماذا نجيب هكذا على ما يمكن أن يراه الشهداء لوعادوا؟ لأن المعركة أصلا معركة عقول وذهنيات، وإذا كانت العقول والذهنيات مدمرة أو مأسورة فالجسم لا يدري إلى اين يتجه. وبالتالي علينا أن نُفكر جميعا في الواقع الذي نحن فيه وأسبابه. والسؤال الكبير هو: هل فعلا فكرنا في هذا الأمر؟ المؤتمر الشعبي العام مع نهاية السنة والمثل يقول (الدوني من التراب ينعت لقصيها) ولا أعتقد أن الأمور عصية على الإستشراف لمن يهمه الصالح العام.