radفي اطار قضايا مطروحة التي انفرد موقع الضمير باستحداثها وهو سبق محمود يحسب للموقع نشر في المحور المذكور مقال مطول تحت عنوان دراسة نقدية لمسيرة البوليساريو.

 ولعله من نافلة القول التاكيد على اننا في  حاجة ماسة لقراءة وإعادة قراءة تجربة البوليساريو قصد الاطلاع على هذه المسيرة ومعرفة محطاتها الاساسية وما عرفته من نجاحات و ما اعتراها من كبوات، وبالرجوع الى المقال المذكور الذي هو بيت القصيدة اجد انه من الضروري التعامل معه بقدر كبير من التدقيق والتمحيص من حيث المنهجية ومن حيث المعلومة .

في البداية اشير الى ان البحث برمته لم يستجب لضرورة العنوان الذي انطلق منه، ذلك انه بدلا من اعتماد التحليل التاريخي الجاد والرؤية العلمية الحقيقية للمراحل المفصلية التي مرت بها تجربة البوليساريوبقي يراوح في اجترار الاحداث بشكل مبتور وإنتقائي على طريقة الاسلوب الانشائي، وعليه فقد تم تغييب النقد الهادف الذي تتوخاه اية دراسة جادة تنوي نفض الغبار عن ماهو متاح لاستشراف الرؤية المقبولة مستقبليا وتم التركيز بشكل مراوغ  لكنه مكشوف على شخصيات معينة وكأنها هي المحرك الاساسي و الوحيد للتجربة والتي بدونها او في غيابها ما كان ليحدث ما حدث.

ان الكاتب الذي نقدر فيه روح المبادرة لم يكن موفقا في اختياره المنهجي، بحيث ان الخطوات المعتمدة التي أسس عليها استنتاجاته بعيدة عن التماسك المنطقي والطرح الموضوعي الذين من خلالهم الا يشعر القارئ بالقفز داخل الفراغ، بل ان التناقض في المعلومات المقدمة هو السمة التي عرقلت التسلسل المفترض للحقائق و الوقائع الموجودة مما جعل من المقال بكامله بعيدا ما يكون عن الدراسة النقدية لاية تجربة سياسية او تنظيمية .

كما ان الخلط الغير متجانس في الخطوات المنهجية اربك الخط العام الذي يتمحور حوله المقال.

وحتى لا اعتبر قاسيا في أحكامي، فاني استأنس بفكرتين اساسيتين وردتا في المقال كاطار فقط وليس كمضمون .

ان تقسيم التجربة الى مرحلتين يبدو من الناحية العملية اجراء مقبول، لكن اختلف مع الكاتب من حيث القراءة و الاستنتاج.

ـ المرحلة الاولى (73-76)

  يعتبر الكاتب ان هذه المرحلة كانت اساسية لترسيخ وتعميق مفهوم التنظيم السياسي على المستوى الجماهيري وهو امر لا خلاف حوله، إلا ان الخلاف هو اعتباره ان هذه المرحلة كانت قمة للتلاحم والجدية في العطاء وتقدير واحترام المناضلين والالتفاف التام حول الخيارات السياسية والتنظيمية والتمسك بالنتائج المتمخضة عن لقاء عين بنتيلي 12 اكتوبرمن سنة 75،  الا ان الرجوع الدقيق و المتاني للاحداث يؤكد بما لايدع مجالا للشك ان تلك المرحلة  لم تكن كذلك، بل هناك تجاوزات خطيرة وصدامات وعزل سياسي ادى في مرحلة من المراحل الى اللجوء الى الانقلابات كحل عسكري دون الركون الى الهيئات التنظيمية القائمة، بل وأكثر من ذلك وللامانة التاريخية وفي وقت كان فيه الشعب الصحراوي في اشد الحاجة لتقوية لحمته سياسيا واجتماعيا وتنظيميا، شهدت مرحلة ما قبل ومابعد عين بنتيلي مباشرة اعتقالات بالجملة في الاطر و المناضلين والملتحقين تحت مسميات متخلفة سياسيا واجتماعيا من قبيل “شبكة كليبات الفولة” و ” شبكة تكنة”، في حين انه منذ المؤتمر التاسيسي للبوليساريو وما تلاه  ومن خلال الادبيات و المنشورات رفع شعار القبيلية جريمة وطنية، ان هذا المأزق بين الطرح و الممارسة شكل ازمة لازالت اثارها السلبية قائمة حتى الآن بين صفوف المواطنين والاطر على حد سواء.

ان هذه المرحلة التي شابها الكثير من الغموض كانت العنوان المفصلي لما سياتي من بعد من ملامح التفرد بالقرارات وإزاحة الأطر المقتدرة والتسلق المفاجئ لأعلى الهيئات التنظيمية واغتصاب التنظيم السياسي واختزاله في هيئة واحدة  بل شخصنته .

ـ  المرحلة الثانية(76-88) :

يعتبر كاتب المقال ان هذه المرحلة هي قمة في ترسيخ المبادئ وبناء التنظيم السياسي البناء القويم وتقوية هيئاته الهيكلية في مواجهة التحديات الجمة كنتيجة الية للمرحلة السابقة، لكنه يناقض هذه النتيجة بعد ذلك بحيث يعتبرها فاشلة، اذ لم تحقق ما تحقق في المرحلة الاولى بل وقع النكوص و التراجع و السبب حسب ايحاءات الكاتب هو الموقف المتآمرللبعض في تحميل وزر ذلك للرجل الثاني في التنظيم السياسي.

ان هذه المرحلة كانت نقطة سوداء في تاريخ البوليساريومن حيث ادارة الشان العام على مستوى رقعة اللجوء، ومن الملامح التي اشرت لذلك اعتماد القبضة الامنية الحديدية وانتاج سيناريوهات الرعب ونشر نظرية المؤامرة بين منتسبي واطر التنظيم وداخل القواعد الشعبية، ان الحالة هذه شكلت هاجسا نفسيا على مستوى القاعدة لكنها على مستوى القرارالسياسي ترجمة للخلافات الدائرة بين الاجنحة المتصارعة على مصادرة و امتلاك القرار السياسي حتى ولو كان من نتائج ذلك التضحية بالمواطن وهو ما وقع بالفعل من خلال صناعة شبكات الاندساس الوهمية (الامثلة     متوفرة) ان النتيجة الحتمية لحالة الاحتقان السياسي ولي الاذرع على مستوى القمة وما ترتب عنها من تجاوزات مست الحقوق الاساسية للمواطن وتكميم الافواه وقبر الراي الاخر والتهميش والإقصاء الممنهج، كانت احداث صيف 88 التي اولها البعض على انها مؤامرة خارجية تستهدف النيل من الوحدة الوطنية وتمزيق نسيج المجتمع، ولقد كان من بين المروجين لهذه المقاربة الرجل الثاني الذي جيش لها جوقة من الامناء و المحافظين المكلفين بلعب ادوار مسرحية مقيتة مؤيدة للاحتلال قصد توريط معارضيه، انها لعبة خبيثة ستستغل فيما بعد من طرف الاحتلال المغربي وهو امر لم يدرك الرجل الثاني تداعياته المستقبلية.

ان الكاتب مر مرور الكرام على الاحداث دون ان يكلف نفسه مشقة البحث والغوص فيما وراء الحدث اي الخروج من حالة التوصيف و السرد البسيط الى حالة الاستنطاق و الاستنتاج، كما انه يستشف من مجمل مضمون المقال انه يروم تأسيس فرش قيمي لاشخاص  معينين و من خلفية قبلية واحدة في الوقت الذي غيب الواجهة الحقيقية لشخصيات الخارطة الوطنية للشعب سواء ما تعلق بالتجربة الوطنية للبوليساريو او ما تعلق بتجربة المجاهدين الصحراويين في القرن الماضي ….

ـ خلاصة  :

ان اية قراءة  لمراحل التجربة التنظيمية الشاملة للبوليساريو لا يمكن ان تستقيم او تتوضح مقاصدها الا اذا انطلقت من المرحلة الاولى المؤسسة، ذلك ان مقاربة الاساس في موضوعنا هذا  تتطلب كشرط اساس  الكشف عن الغموض الذي لف ولازال يلف البدايات الاولى للتجربة التي يحاول البعض اشعارنا بكونها لحظة وردية ومتفردة من حيث صياغة الشعار وممارسته على مستوى ارض الواقع.

ان المقال المذكوروالذي نقدر فيه روح الغيرة الحقيقية على التنظيم السياسي ورؤيته الاصلاحية للتجربة في شموليتها، لم يستطع ان يخرج من عباءة الخطاب الرسمي الذي يقدم التبريرات و القفزعلى المشكلات الام التي لا يخفى على القاصي و الداني انها هي جامع الازمات و التجاوزات قبل الحديث عن الترهل السياسي والاخفاقات المصاحبة.

ان التجربة قبل ان تكون احداثا مترامية ومنعزلة هي في الاصل حالة انسانية لا يمكن بأية حال من الاحوال التغاضي عنها، اللهم الا اذا كان الامر ينم عن نوايا مبيتة، وهوما قد وقع بالفعل.

ان خلخلة المخزون ( الغائب و المغيب بشكل مقصود هو من قبيل سياسية “اطلي عل لوبر” إمتثالا للراي الشعبي الحساني ) خطوة مهمة للغوص في مدلولات اليات الخطاب ومستوى القيمة التاريخية لمفردات العمل السياسي  الذي صاحب هذه التجربة، ذلك أنه خطاب مبطن – ولا اقول مشفر- يخفي الجانب المتخلف على المستوى النظري بينما على مستوى تنزيل الشعار يفصح عن نفسه بشكل هزيل وجبان من خلال لجوءه لصناعة نظريات المؤامرة حتى لا تنكشف عوراته الاقصائية القبلية.

اننا اذا ما تم لنا ان نعيد قراءة الذات بشكل سليم وفق منظور شامل يتلمس مواطن الاخفاق قبل النجاح و المأساة قبل الملهاة، عندئذ يصبح بمقدورنا من حيث المبدا النظر في تشكيل صياغة مناخ اجتماعي جديد، يضع في حسبانه اننا جميعا نكاد نكون على بينة من  بعضنا البعض واننا جميعا شركاء في هذا الوطن الجريح، وأضيف مسألة أخرى وهي ان المقال برمته بقي يراوح مكانه داخل فكرة واحدة تكررت منذ البداية و باسلوب يطبعه الاطناب المستمر وكان الامر كله مسالة ارضاء،  لمن وجدوا- في غفلة منهم-انفسهم خارج حقل الفعل الميداني بالمخيمات او خارجها لاي سبب كان بينما الامر في اصدق تجلياته ليس المشاركة المحتشمة او المتسترة لتقاسم فتات موائد الفساد و الصمت عن الكسل الفكري والعجز القائم على اكثر من مستوى، لان ذلك ان حصل لن يكون الا من قبيل “حطب الخادم يغلبها وتم اتزيدو” وتلك هي استراتيجية الطغمة الفاسدة قصد اغراق ما تبقى من الاصوات النبيلة في مستنقع مياهها الآسنة.

ان ترفض الواقع القائم بكل تلاوينه على مقاس الانتقاء او المشاركة المطلقة او الجزئية مع جهابذته هو تحول غير محسوب بدقة، اذ سيرمي في لحظة ما إلى الانهيار الفكري او الانتحار السياسي…

ان رفض الواقع الحالي بعد تشخيصه طبعا مع اقتراح البديل الممكن لن يكون الاباستحداث خطاب جديد يستند الى التغيرات التي طرأت على الحالة الصحراوية منذ مكيدة وقف اطلاق النار، والشروع في ايجاد اليات للقطيعة مع زمرة الفساد و المفسدين ضمن دائرة الثوابت الوطنية السامية.

يتبع  .

* مواطن صحراوي مقيم باسبانيا.

اوت 2013   .