;hkdlالاحتلال العسكري، الانتفاضات والربيع العربي، 1991-2012

بعد وقف إطلاق النار، قام كل من المغرب والبوليساريو باستعمال مكثف للدبلوماسية ومساعي العلاقات العامة الدولية، رغم أن المغرب، بشكل عام، لم يقم إلا بمجهودات ضئيلة لكسب قلوب وعقول الصحراويين.110 زرغم ان الجوانب الدبلوماسية والقانونية الدولية لنزاع الصحراء الغربية ليست هي محل التركيز الأولوي لهذه الدراسة، إلا أن يجدر التأكيد على أن الفشل في التوصل إلى حل لم ينتج عن نقص الاهتمام الخارجي بالمشكل، زلو أن الفاعلين الرئيسين المحتملين – خصوصا واشنطن وباريس – قد يؤخذ عليهما عدم ممارسة ضغط أكبر على المغرب. فالأمم المتحدة، ممثلة بشكل بجلاء في شخص المبعوث جيمس بيكر، بذلت جهودا معتبرة محاولة تسوية النزاع. في يونيو 2001، دعا مقترح الاتفاق الإطار للأمين العام للأمم المتحدة، المعروف بخطة بيكر، إقامة هيئات تنفيذية وتشريعية منتخبة ومزيدا من السلطة المحلية في الصحراء الغربية، مع إجراء استفتاء على وضع الإقليم في غضون خمسة أعوام. بعدما فشل هذا المقترح في الحصول على الدعم الكافي من قبل الأطراف المعنية (المغرب، البوليساريو، موريتانيا والجزائر)، اقترح بيكر حلا وسطا في يناير 2003، والذي يسمى أحيانا بخطة بيكر الثانية، والذي ضمن في تقرير الأمين العام في ماي 2003. لم يتطلب موافقة الأطراف الأربعة كما في خطة بيكر الأولى وأعطى للناخبين في استفتاء مستقبلي الخيار بين الانضمام إلى المغرب، الحكم الذاتي أو الاستقلال. أعلنت البوليساريو، وبضغط من الجزائر، بشكل مفاجئ انها ستدعم المقترح، لكن المغرب رفضه. وفي يونيو 2004 استقال بيكر ولم يظهر مخطط بيكر في توصيات مجلس الأمن منذئذ.111

اعتراضات المغرب تنبع مبدئيا من رفضه لخيار الاستقلال؛ إذ أن الحكم الذاتي هو أقصى ما ستيذهب إليه. بالإضافة إلى ذلك، كانت الرباط ترغب في التفاوض فقط مع الجزائر، لكن هذه الأخيرة كانت تصر على أنه لا يمكنها أن تحل محل الصحراويين. وشكل موضوع من يحق له التصويت في أي استقتاء عقبة كبيرة أخرى في طريق مفاوضات ناجحة، إذ تفسر الأطراف المختلفة أرقام الإحصاء والدور الذي سيكون للمستوطنين بطرق مختلفة، ولم يشأ أي من الطرفين المخاطرة باستفتاء قد يخسره. لكن مع خطة بيكر الثانية، اعتقدت البوليساريو على ما يبدو أن الاستقلال يستحق المخاطرة، في حين أن الرباط قد تكون خافت من أنها قد فقدت الدعم في أوساط المستوطنين المغاربة، خصوصا ذوي الخليفية العرقية الصحراوية الذين انتقلوا إلى الإقليم في التسعينيات. وبقي إصرار البوليساريو على الاستقلال التام ورفض المغرب النظر في هذا الخيار كذلك عائقا كبيرا. إضافة إلى ذلك، أحست الرباط ضغطا أقل لتقديم تنازلات منذ تفجيرات الدار البيضاء الارهابية في ماي 2003، والتي متنت التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والمغرب في ما بعد 11/9. في خريف ذلك العام، يفاد أن الرئيس جورج بوش طمأن الملك محمد السادس أن الولايات المتحدة لن تسعى إلى فرض حل للمأزق في الصحراء الغربية.112

وإذ اخذت الدبلوماسية مجراها، تحولت الوضعية في مخيمات اللاجئين بالجزائر وفي المناطق المحتلة وغير المحتلة من الصحراء الغربية إلى مجموعة متميزة من التحديات الأمنية تهم ليس فقط اللاعبين المباشرين في المنطقة بل كذلك الولايات المتحدة وقوى خارجية أخرى. فحسب المفوضية السامية لغوث  اللاجئين، هناك أكثر من 116000 صحراويا وتؤوي مخيمات تيندوف 80000 ساكنا. وضعية المخيمات، ورغم أنها أقل سوء من العديد من مخميات المشردين في العالم، إلا أنها ظلت تشكل قلقا كبيرا حتى بعد وقف إطلاق النار. وحسب دراسة في عام 2008 لكل من المفوضية السامية لغوث اللاجئين، برنامج الغذاء العالمي وأطباء العالم، فإن سوء التغذية يصيب 61% من الأطفال و55 من النساء في المخيمات، مما يساهم في ارتفاع نسب موت الأجنة. هناك أيضا مشاكل متعلقة بنوعية وكمية المياه المتوفرة في المخيمات، التي تتعرض لسيول كارثية أثناء فترات الأمطار الغزيرة.113 تفتقر المخيمات كذلك للتجهيزات الطبية اللائقة. وفي الحقيقة، حتى بعد الاختطافات الأخيرة، عبر متعاونون إسبان عن رغبتهم في البقاء والمساعدة على تخفيف الوضعية – محذرين من أن غيابهم سيساهم في التسبب في المزيد من المصاعب الاقتصادية، والتي ستجعل بدورها المخيمات أكثر عرضة للحركات الراديكالية.114

ومع هذا، فالوضعية في المخيمات التي تديرها البوليساريو هي أفضل بكثير من الوضعية في مخيمات اللاجئين الأخرى في إفريقيا وأماكن أخرى، إذا خلقت “مستويات من التنمية البشرية غير معروفة في السياق الإفريقي،” كما كتب أحد المؤرخين والذي ينتقد، بطرق أخرى، البوليساريو.115 وحققت إدراة البوليساريو للمخيمات عدة نجاحات ، وهي التي كانت إلى وقف إطلاق النار في 1991 موجودة إلى حد كبير بأيدي النساء لأن الرجال كانوا في الحرب. فبفضل النظام الشامل للمدارس المزدوجة اللغة (العربية والاسبانية) والمزيد من فرص التعليم التي وفرت للصحراويين على مر السنين في كوبا، وبقدر أقل، الجزائر، ليبيا، سوريا، بلدان المعسكر الشرقي وحتى إسبانيا، ألمانيا الغربية، والنمسا، أصبح المستوى التعليمي للمخيمات عاليا جدا.

  في الحقيقة من أكبر مصادر عدم الرضى لدى المثقفين الصحراويين قلة العمل في الخارج، في مجال الرعاية الصحية قد تكون الامدادات قليلة لكن المعرفة موجودة، في مخيمات تندوف يوجد طبيب لحوالي من 800 إلى 1000 ساكن، و في المناطق المحررة لدى البوليساريو عيادات ومستشفيات عسكرية توفر الرعاية لبدو من موريتانيا، الجزائر ومالي.

بالإضافة إلى الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية توجد عدة مصادر خارجية تدعم استمرار الحياة في المخيمات، فوزارة الدفاع الاسبانية تدفع معاشات لقدامى المحاربين الصحراويين من الفترة الاستعمارية (قوات الرحل) و (الشرطة الاقليمية)، بالإضافة إلى أن الاسبان وبعض الأوربيين تبرعوا بالكثير من الأموال للقضية الصحراوية. كما أن الصحراويين العاملين بالخارج يرسلون الاموال لعائلاتهم بالمخيمات. من أكبر مصادر الدعم للصحراويين برنامج (عطل في سلام) و الذي يرعى زيارات سنوية لمدة شهرين في الصيف لآلاف الأطفال الصحراويين الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و 12 سنة لعائلات اسبانية، وبدرجة أقل عائلات ايطالية وفرنسية. الاسبان بدورهم في بعض الأحيان يزورون هؤلاء الاطفال وعائلاتهم في المخيمات ومعهم مساعدات مالية.

منذ 1991 نمت سوق اقتصادية في المخيمات، وتحوي الآن عدة مشاريع صغيرة على سبيل مقاهي الانترنت ومقاهي الهاتف  وصالونات الحلاقة والمتاجر الصغيرة التي تقدم الطعام للساكنين والزوار على حد سواء، كما أن المغامرين الصحراويين تعلموا كيفية الربح من خلال جلب البضائع من الخارج. بالرغم من هذا النمو الاقتصادي إلا أن بعض شباب المخيمات أظهروا عدم رضاهم عن هذه الأوضاع والبعض منهم عبروا عن رغبتهم في العودة إلى الحرب مجددا.

لقد انتقد المغرب بشدة قيادة البوليساريو في إدارة المخيمات، بوصفهم أحيانا بمملكة الرعب الوهمية، واستقل هذه الانتقادات جيدا بفضل أخطاء البوليساريو. حتى الباحثين المتعاطفين مع البوليساريو أوضحوا أن النقاد تم التعامل معهم بقسوة خاصة خلال ذروة الحرب مع المغرب، هؤلاء الباحثين كتبوا عن فصل لأشخاص اُعتبروا خطرا على الثورة وصحراويون اُعتبروا قبليين. من جهة خرى منظمة “هيومن رايتس واتش” وممثلين عن الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية كانوا أقل انتقادا للاوضاع خاصة بعد وقف إطلاق النار، حسب تقرير لـ “هيومن رايتس واتش” صدر عام 2008، البوليساريو همشت وبفاعلية أولئك الذين يهددون قيادتها وأهدافها السياسية، ليس بسجنهم و لكن بترك المواطنين ينتقدون إدارتهم اليومية لشؤون المخيمات، رغم الخوف والضغوطات الاجتماعية التي تمنعهم من الإعلان عن نواياهم مسبقا إلا أن سكان المخيمات بالجزائر يمكنهم الإنتقال إلى الاراضي المحتلة من الصحراء الغربية عبر موريتانيا إذا أرادوا ذلك. بعض عمال المنظمات غير الحكومية الاسبانية أشادوا بتوفير البوليساريو للأمن ضد احتمال تسلل بعض المتشددين واخطار الارهاب. اساس قوى الامن الصحراوي، الشرطة الوطنية الصحراوية التي تعمل بالمخيمات والدرك الوطني المتمثلة سلطته في مراقبة الطرق والمسالك بين المخيمات و قرب مؤسسات البوليساريو و جزء الصحراء الغربية الغير محتل من قبل المغرب، الدرك الوطني ببنيته العسكرية و سلطته على طرق النقل مؤكل بمحاربة التهريب و مؤخرا تهديدات تسلل ارهابيين و منظمات اجرامية.

في المخيمات و في اماكن اخرى الحالة الاجتماعية للصحراويين اليوم لها شكل غريب. لقد رعت كوبا دراسة الاف الشباب الصحراويين في الثانويات و الجامعات و المعاهد التقنية و الاكاديميات العسكرية، و بعد عودتهم إلى الصحراء الغربية الكثير منهم عاشوا صدمة وجود ثقافة مختلفة و تساءلو حول توظيف دراستهم في الصحراء و شعروا بانهم مقيدون بالكثير من عادات المجتمع الصحراوي، المرءاة الصحراوية التي درست في كوبا على سبيل المثال وجدت نفسها في صورة نمطية على انها ساقطة، و الناس بداؤوا يسخرون منهم بوصفهم “كوباراويص” مما شكل قبيلة صحراوية جديدة بهويتها الخاصة. العائدون من كوبا ظهروا و بشكل بارز بين الجيل الجديد للنخبة الصحراوية، مما طرح التساؤل حول الهيمنة و طرق البوليساريو التقليدية في القيادة دون التخلي عن قضيته.

منذ وقف اطلاق النار و البوليسارسو يتلقى انتقادات بالفساد و التسلط و قمع المعارضة، و هذا ليس بالمفاجئ لان الكثير من هذه التقارير اتى من العدد المتزايد للمنشقين عن البوليساريو لفائدة المغرب البعض منهم تقلد مناصب عليا في المنظمة منذ 1975. و كما هو متوقع فقد بذل المغرب في اكثر من مناسبة ما بوسعه لتحقيق اكبر المكاسب الممكنة من هذه الحالات في مجال العلاقات العامة. الدوافع الرئيسية لهؤلاء الاشخاص المنبوذين و الموصوفين بالخونة الانتهازيين من قبل البوليساريو هي بدون ادنى شك مادية، فالمغرب قدم حوافز مغرية لهؤلاء الصحراويين الذين استنكروا البوليساريو علانية. لكن في حالات اخرى لم تكن الوضعية واضحة فبعض الصحراويين استخلصوا و لو كرها ان هدف البوليساريو الاستراتيجي الا و هو الاستقلال لم يعد واقعيا، و ان بعض اشكال الحكم الذاتي هو افضل ما يمكن الحصول عليه. و بعضهم ادعوا انهم اصبحوا موجهين بعناد البوليساريو و عدم الرغبة في مراعاة الاراء المعارضة. و البعض قد يرى امل في مبادرات محمد السادس، رغم انها عرجاء وغير كاملة، لبدء معالجة قضية المختفين و انشاء لجنة مصالحة، الا أنه هنا لكسب بوجيه لمراعات هذه اللفتات ببعض السخرية، كما هو الحال بالنسبة لاصلاحاته المستوحات من الربيع العربي.

انشاء محمد السادس لجنة المصالحة سنة 2004 من اجل تسليط الضوء على حالات الاختفاء القسري و الاحتجاز التعسفي في الفترة من استقلال المغرب 1956 و حتى 1999. بعد سنتين من العمل اصدرت اللجنة تقريرا اكدت فيه وجود 742 حالة اختفاء اغلبها متعلق بصحراويين، و حسب التقرير كلهم توفوا اما في الاسر او في مواجهات مع القوات المغربية او بسبب العنف المفرط ضد المتظاهرين، لكن حسب تقارير لـ “امنيستي انترناشيونال” الحكومة لم تعلن عن قائمة اسمائهم، كما انه لا تزال 500 حالة متعلقة بصحراويين في المعالجة. منذ 1975 و حتى اليوم، تم قمع

وبشدة الصحراويين المعادين للقومية من طرف السلطات المغربية، و يقدر العدد الإجمالي للمختفون في الصحراء الغربية منذ الانسحاب الإسباني من عدة مئات إلى أكثر من 1000. آخر موجة اختفاء كبيرة وقعت في نوفمبر 1987، بالتزامن مع زيارة تقوم بها بعثة تقنية للامم المتحدة، هذه الاعتقالات على طاق واسع من قبل السلطات المغربية اكتسب طابعا دائما، و اقلبها استمرت حتى يونيو 1991، عندما اطلق صراح أكثر من 300 مختفين صحراويين. المعتقلين السابقين تحدثوا عن سجون سرية وظروف قاسية واعتداءات جسدية ونفسية أثناء وجودهم في الحجز. واعتبارا من يونيو 2010 ورد ان هنالك حوالي 46 سجين سياسي صحراوي في مختلف المرافق المغربية، وفيما يسمى بـ “السجن لكحل” بالعيون. من جانبها جبهة البوليساريو استولت على أكثر من 2000 أسير حرب مغربي منذ بداية الحرب في عام 1976، و قد أفرج عن اخر 404 أسير مغربي في عام 2005 بوساطة من السناتور الامريكي ريتشارد لوجار والصليب الأحمر الدولي، وكان الكثير منهم اسرى لدى البوليساريو منذ أواخر الثمانينات، و قد تحدثوا عن ظروف قاسية، وسوء معاملة،وعملا قصري، حيث جرى عرضهم من قبل البوليساريو على الصحفيين والسياح الإسبانية. و قد رفض المغرب في كثير من الحالات قبول هؤلاء السجناء السابقين بعد الإفراج عنهم لأن الرباط تعتبره اعترفا بجبهة البوليساريو. وكانت قد تأجلت عودة هؤلاء السجناء لسنوات، حتى توسط دبلوماسيون من الولايات المتحدة والأرجنتين لاعادتهم لوطنهم.

 إن سِجل حقوق الإنسان في المغرب ليس جيدا بشكل عام حتى خارج الصحراء الغربية. وبالرغم من أن هذا السِّـجل لا يبدو سيئا للغاية مقارنة مع أنظمة أخرى في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، إلا أن المغرب ليس بلدَ الإصلاحات الواسعة في مجال الحريات السياسية منذ تتويج محمد السادس في العام 1999. وكما لاحظت ذلك منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، فقد أظهر النظام في العادة عدم  التسامح مع وجهات النظر المعارضة في ثلاثة مجالات هي: النظام الملكي والإسلام والوحدة الترابية للمملكة. هذه الأخيرة، بطبيعة الحال، تتعلق مباشرة بقضية الصحراء الغربية. فقد صنف تقرير فريدوم هاوس (Freedom House) في 2009 الصحراء الغربية على أنها واحدة من بين المجتمعات الـ  21 الأكثر إضطهادا  في العالم. وفي تقريرها لعام 2010، لاحظت هيومن رايتس ووتش أن أساليب الحكومة المغربية كانت قاسية في الصحراء الغربية بصفة خاصة، حيث يُعتقل الصحراويون ويسجنون بسبب دفاعهم السلمي عن تقرير المصير، في حين تتشدد ضدهم القيود المفروضة على السفر إلى الخارج بدوافع سياسية.

 يشير تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان ـ أبريل 2011 ـ إلى “عمليات قتل تعسفي وغير قانوني” من قبل مسؤولين أمنيين في الحكومة المغربية، كما يشير إلى “تقارير غير مؤكدة عن اختفاءات ذات دوافع سياسية”، وإلى “تقارير موثوقة تفيد بأن قوات الأمن تمارس التعذيب والضرب وسوء المعاملة ضد المعتقلين وخاصة النشطاء الانفصاليين الصحراويين.

من جهة أخرى، شرع النظام الملكي، منذ 1990، في عملية تحول ديمقراطي سياسي تدريجي لا يمكن إنكارها، ومع ذلك لا يزال الطريق طويلا. وفي نفس الوقت، زادت حرية التعبير عن النظام الملكي وغيره من المواضيع في المغرب خلال هذه الفترة، إلا أن الصحف التي هاجمت النظام الملكي اُغلقت في نهاية المطاف، فعاود بعضها الظهور في الآونة الأخيرة كصحف الكترونية عبر الإنترنت. إن استجابة الملك للربيع العربي وكشفه عن إرادة واضحة للنظر في تلك المواضيع المحظورة سابقا، كالوضع المقدس للملكية، يشير إلى أن مزيدا من الإنفتاح سيحدث. ومع ذلك بقى أن نرى ما هي بالضبط التغييرات الملموسة التي سيأتي بها دستور يوليو 2011 الجديد. ويرى النقاد أن هذا الدستور يدعو إلى إصلاحات سطحية وليس لها معنى، في الوقت الذي ترك فيه امتيازات الملك والنظام التقليدي للمحسوبية والزبونية على حاله.

في المجال الاقتصادي، استثمرت الحكومة المغربية استثمارات معتبرة لا يمكن إنكارها في إقليم الصحراء الغربية الذي تسيطر عليه. وبالرغم من أنه أنفق مبالغ ضخمة من المال على تكاليف الأمن والبنية التحتية العسكرية، إلا أن النظام جنى بعض المكاسب الاقتصادية على الأقل مكافأة له على جهوده. فعلى سبيل المثال، صيد الأسماك هو من بين موارد الصحراء الغربية الطبيعية الأكثر درا للأرباح، كما يتضح من مصانع تعليب السردين في العيون التي توظف أكثر من ألف شخص، والمياه الواقعة قبالة سواحل الصحراء الغربية تولد أكثر من 60 % من أنشطة وإيرادات الصيد في المغرب، كما تولد أكثر من 50 ألف منصب عمل. ومع ذلك يشتكي العديد من الصحراويين من أنهم لم يستفيدوا الكثير من هذه الاستثمارات التي يقولون إن المستفيد الأول منها هم المستوطنين المغاربة والذين لهم وساطات سياسية متمكنة، لأن العلاقة بين صناعة صيد الأسماك، والوجوه العسكرية البارزة، وأولئك القريبين من العرش وطيدة جدا. وفي مجال النشاط التجاري هناك تصور قوي بأن الصحراويين، باستثناء “المنشقين” من الدرجة الأولى، لا يستفيدون من التنمية الاقتصادية الحالية. فعلى سبيل المثال، الأمازيغ (البربر) من سوس والأطلس الصغير هم الذين غالبا ما يعملون كتجار، وفي المقاهي والمحلات التجارية، والفنادق في الصحراء الغربية، ولكنهم يبقون منازلهم دائما في مكان آخر حيث يرسلون مدخولاتهم في الغالب. أما نسبة البطالة فتبلغ رسميا 25 % في المنطقة، ولكن في الواقع يمكن أن تكون ضعف ذلك.

إن هذه الوضعية توضح مشكلا آخر أكثر شمولية من شأنه أن يفاقم عواقب قلة محاولات المغرب لكسب القلوب والعقول في الصحراء الغربية، مما جعل قوة وشعور الوطنية الصحراوية الرئيسية تنتقل من مخيمات اللاجئين إلى الأراضي المحتلة خلال عام 1990. وما دامت المكافأة على أساس الوساطة التي يحظى بها الشخص وولاءه السياسي فقط، فإن المحسوبية، والنظام المتعفن، وسوء الادارة لا تشجع كثيرا روح المبادرة أو الإيمان الحقيقي بشرعية الدولة المغربية. وفي الواقع، فإن جذور المواجهات العنيفة الأخيرة في العيون في نوفمبر 2010، التي تم نشر لقطات مثيرة للقلق منها على موقع اليوتيوب، تكمن في الغضب الشعبي على اختلاس قطع أرضية كانت مخصصة للصحراويين الأصليين.

لقد أدت أعمال الشغب، التي وصفتها إحدى الروايات بـ “أعنف 48 ساعة شهدتها الصحراء الغربية منذ بدء وقف إطلاق النار عام 1991” إلى اتهامات واتهامات مضادة، ومحاولات من كلا الجانبين لتمرير صور، بشكل إيجابي، من القتال الدموي لوسائل الإعلام الدولية وعبر شبكة الإنترنت. وحسب التقارير، فقد اعتقلت السلطات المغربية حوالي 200 صحراوي بعد أعمال الشغب، وحوكم الكثير منهم في محكمة عسكرية قرب الرباط. من جهة أخرى، يشير تعيين والي جديد للمنطقة بعد أسابيع من أعمال الشغب إلى أن النظام الملكي قد أخذ الأسباب التي أدت إلى هذه الاحتجاجات على محمل الجد.

بالطبع، مثل هذه الشكاوى من المحسوبية، والفساد، والتمييز ضد الصحراويين ليست جديدة. ففي الفترة الأخيرة من العهد الإسباني، أثارت هذه الشكاوى استياء الشباب من السلطات الاستعمارية والمتعاونين معها، وبعد ذلك ساهمت في ما أصبح يُعرف بإنتفاضتي 1999 و 2005. أسباب أخرى لهذه الاحتجاجات الشعبية غير العنيفة عموما كانت ثقافية، كالاعتقاد بأن المغرب يهدف إلى إجتثاث الثقافة واللغة الصحراوية وغير ذلك من الأسباب. هذا فيما  يشكل الجنود نحو ثلث المستوطنين المغاربة في الصحراء الغربية، ناهيك عن أنواع مختلفة من الشرطة، وأمن الدولة، وعملاء المخابرات. وبالإضافة إلى الشكاوى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فقد ساهمت خيبة الأمل على المستوى السياسي والدبلوماسي أيضا في تغذية الانتفاضة.

لقد صبت انتفاضة أواخر 1999 في مصلحة المجتمع الدولي جزئيا، حين جاءت بعد وفاة الحسن الثاني، ففي الأسابيع الأولى من تولي نجله، محمد، السلطة بدا كأنه يَعِـد بإصلاحات ديمقراطية. أما انتفاضة 2005 فجاءت نتيجة للإدراك المتزايد من قبل الصحراويين بأن دبلوماسية البوليساريو لم تتمكن من اقناع القوى الخارجية الثقيلة الوزن (خاصة الولايات المتحدة) بسحب دعمها المعهود للموقف المغربي؛ ولهذا السبب استقال بيكر في يونيو 2004 نتيجة الدعم القليل من واشنطن لجهوده.

وبشكل ملحوظ، يبدو أن المظاهرات الشعبية، في جزء منها على الأقل، حدثت خارجا عن سيطرة قيادة البوليساريو، مما يشير ربما إلى رفض الشباب لمقاربة بعض النخب الصحراوية التقليدية، ضف إلى ذلك أن العديد من المنظمين القياديين للمظاهرات كانوا يقضون فترات طويلة في السجون المغربية.

من الممكن أن يكون  رد المغرب القاسي على انتفاضتي 1999 و 2005 قد ساهم في تفاقم الوضع. فقد أثارت الانتفاضة الأولى، التي بدأت بتنظيم العشرات من الطلبة وقفة، ونصب الخيم، واعتصام بساحةٍ أمام فندق يقيم فيه العديد من موظفي الأمم المتحدة، ردة فعل مغربية من “العنف المفرط” حسب تعبير موظف بوزارة الخارجية الأمريكية. ولكن بعد ذلك، أقال المغرب الحاكم ورئيس الشرطة المحلية، وأعلن عن انتخابات لاختيار مجلس الشؤون الصحراوية، وأطلق سراح بعض السجناء السياسيين.

لقد تناقضت قيادة الحكومة مع  نفسها عندما زجَّت من جديد ببعض النشطاء الصحراويين في السجون بعد التفجيرات الإرهابية في الدار البيضاء، يوم 16 ماي 2003، جنبا إلى جنب مع الإسلاميين الذين يشكلون الهدف الرئيسي للحملة القمعية. أما النقطة السوداء في رد المغرب على الانتفاضة الثانية فكانت في أكتوبر 2005، عندما ضربت قوات الأمن علنا أحد المتظاهرين الصحراويين حتى الموت لتجعل منه أول شهيد للانتفاضة. وكما كان متوقعا، كانت جنازته في يناير 2006 عبارة عن مظاهرة ضخمة ولكنها صامتة. وعندما تم إطلاق سراح الناشطة أمينتو حيدار، خرجت الحشود في مظاهرات مفتوحة مؤيدة للج. الع. الص. الد. ارتدى فيها بعض المتظاهرين الأقنعة، على الطريقة الفلسطينية، في محاولة واضحة للاستفزاز.

هناك عدة نقاط حول الانتفاضتين تستحق إشادة خاصة. أولا، فقد انضم بعض الصحراويين الأصليين الذين يعيشون في أنحاءٍ شتى من المغرب والمغاربة الفقراء المقيمين في الصحراء الغربية للمظاهرات ضد السلطات المغربية وضد الوضع الراهن. وبالرغم من أن الفريقين لا يشكلان بأي حال من الأحوال جبهة موحدة، إلا أن المستوطنين في الصحراء الغربية، والمغاربة ذوي الأصول العرقية الصحراوية في المناطق القريبة مثل طرفاية، ليسوا بالضرورة القاطعة من أنصار النظام المغربي ولا الوضع الراهن. وفي الواقع، فقد وصل بعض المستوطنين درجة من عدم الرضى عن الرباط جعلتهم يتحولون بمرور الوقت لصالح موقف البوليساريو. ثانيا، كان دور التكنولوجيا، ولا سيما في الانتفاضة الثانية، ملفت للنظر، حيث أن الهواتف النقالة والانترنت غيرت جذريا ميدان المعركة. وبالنظر إلى الفصل القسري للكثير من العائلات والأصدقاء بين مخيمات اللاجئين وعلى جانبي الجدار الرملي، فليس من المستغرب أن الصحراويين تعلموا كيف يستفيدون من شبكة الإنترنت. وبأسلوب أوحى بالربيع العربي، سمحت شبكة الإنترنت والهواتف النقالة بتنسيق المظاهرات والتقاط الصور لأغراض سياسية، وتبين من دورها في احتجاجات 2010 أن أهميتها تزداد بمرور الوقت لدرجة أن بعض النشطاء رد أصل الربيع العربي إلى الصحراء الغربية.

بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، تولدت جملة أخرى من المخاوف الأمنية في الصحراء الغربية، حيث أبدت عناصر مثيرة للقلق من الساحل بعض الإشارات بمحاولة التسلل عبر الحدود إلى مخيمات اللاجئين والصحراء الغربية. وتشمل هذه المخاوف تجارة المخدرات (روابط مع أمريكا الجنوبية) والمنظمات الإرهابية الإسلامية.

في عام 2010، اعتقلت مالي ستة من كبار تجار المخدرات يرتبطون بعصابة إجرامية لها علاقة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحدد الماليون الموقوفين على أنهم “قادمون من صفوف البوليساريو”. وفي الآونة الأخيرة، اختطفت مجموعة مسلحة، في أكتوبر 2011، ثلاثة من عمال المساعدات الأوروبية من مخيمات اللاجئين الصحراويين بتندوف، وتبنى فصيل منشق من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي المسؤولية في نهاية المطاف بالرغم من أن ملابسات ومنفذي عملية الإختطاف لا تزال مبهمة إلى حد ما. وجاءت هذه العملية بعد اختطاف ثلاثة إسبان، في نوفمبر 2009، شمال غرب موريتانيا، تبنت القاعدة بالمغرب الإسلامي المسؤولية عنهم، أسفر عن دفع فدية ضخمة من قبل مدريد وإطلاق سراح عمر سيد أحمد ولد حمة، المعروف أيضا بإسم عمر الصحراوي، الذي يقال إنه كان عضوا سابقا في قيادة البوليساريو. وقد سعى المغرب مرارا إلى لفت الانتباه لهذه العلاقة المزعومة بين البوليساريو والإرهاب، ولكن الحالات القليلة المعروفة عن التعاون بين الصحراويين وتنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي تقوم على أساس دوافع مالية بدلا من إيديولوجية على ما يبدو. ولكن مثل هذا التعاون غير الطبيعي يمكن أن يشكل تهديدا حقيقيا ما دام تنظيم القاعدة مستعد لطلب المساعدة حتى من أولئك الذين لا يشاركونه بالضرورة نفس وجهة النظر كالعناصر الإجرامية النشطة في مجال الاختطاف وتجارة المخدرات، كما أن عمل المرتزقة المزعوم من قبل بعض الصحراويين لصالح الدكتاتور الليبي معمر القذافي خلال أيامه الأخيرة، والتي سارع المغرب إلى لفت الانتباه إليها، ربما تنبع في معظمها من دوافع مالية.

ومع ذلك، ونظرا للظروف في المخيمات وقلة الأمل لدى جيل الشباب في مستقبل أفضل، سيكون من المثير للدهشة أن لا تجد الإيديولوجية الإسلامية الراديكالية ما يحول دونها. وقد عبـَّـر بعض الصحراويين عن إعتقادهم بأنه إذا تمكن الإسلاميون من الإطاحة بمحمد السادس فإن النظام الجديد في الرباط سيجلي المغرب من الصحراء الغربية. قد لا يكون لهذا الرأي الساذج، كما يبدو، الكثير من الأتباع، ولكن إذا تم إعتقاده على نطاق واسع فإنه من الممكن أن يعطي الصحراويين سببا لدعم المتطرفين الإسلاميين بالرغم من أنه احتمال غير وارد. وعلى كل حال، فإن المنظمات الإرهابية، مما لا شك فيه، تحاول أن تجد لها موطئ قدم في الصحراء الغربية قدر الإمكان كما تفعل الآن في شمال مالي.

 هناك، وحَّدت ثلاث منظمات هي؛ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والحركة من أجل الوحدة والجهاد في غرب أفريقيا، وأنصار الدين، جهودها منذ يناير 2012 في محاولة لفرض تطبيقٍ صارمٍ للشريعة الإسلامية التي تتعارض مع طقوس وممارسات المنطقة التي هي في العادة أكثر تسامحا وانفتاحا

سيخرج المغرب من الصحراء الغربية. هذا الرأي يبدو ساذجا لقلة مؤيديه، و لكن إذا صدق على نطاق أوسع فبإمكانه ان يعطي للصحراويين سببا لدعم المتدينين المتطرفين، غير أن هذه الإمكانية تبدو بعيدة. على اية حال، المنظمات الإرهابية ستحاول دون ادني شك أن  تجد لها مؤطأ قدم في الصحراء الغربية إذا كان ذلك ممكنا,  كما  يفعلون حاليا  في شمال مالي يناير 2012 ,المنظمات الثلاثة، القاعدة في المغرب الإسلامي، حركة التوحيد و الجهاد غرب إفريقيا، و أنصار الدين،  وحدوا جهودهم من اجل فرض التطبيق الصارم لاحكام الشريعة  التي تتعارض مع مع عرفت به المنطقة من تسامح و انفتاح.

توصيات

عند تقييم الوضع الحالي في الصحراء الغربية و اتخاذ  قرارات بخصوص أي دور يمكن اويجب ان تقوم به  الولايات المتحدة في النزاع،  من قبل  المخططين العسكريين  وصناع القرار, فانه من المستحسن ان ان يأخذوا  في الحسبان العديد من  الاعتبارات:.

1-                على المستوى القاعدي ، يمكن للجيش الامريكي ان يستفيد بشكل جيد من تجربة حرب الصحراء الغربية كمصدر لمعرفة هامة وملموسة خاصة ما تعلق بدور الجدران المحصنة (الاحزمة الدفاعة ) في قوات مكافحة التمرد , واستراتيجية  الدفاع الثابت  بشكل عام  و تكتيكات حرب العصابات  التى قد تكتسي اهمية لعمليات مستقبلية غير منتظمة. و كما رأينا القوات العسكرية الامريكية المدربة و المجهزة، مثل قوات الجيش الملكي، يمكنها ان تعاني من هزائم كبيرة على المستوى التكتيكي و حتى العملياتي على أيدي أعداء  مقتدرين مثل البوليساريو.  في عصر سرعة انتشار الأخبار الواردة من جبهة القتال، النجاحات  التكتيكية, كتلك التى احرزتها جبهة البوليساريو ضد الجدار المغربي يمكن ان تكون لها أهمية إستراتيجية كبيرة، خاصة .

على خشبة مسرح الرأي العام. علاوة على ذلك،  فان اي حرب مستقبلية  في المنطقة تتورط فيها الولايات المتحدة بشكل اكبر ومباشر  مع وجود تغطية اعلامية مكثفة  فإن تطور التكتيكات الإستراتيجية سيكون له وقعا  عميقا.  حتى ان النظام المتسلط في الرباط و الذي كان  يسيطر على انتشار الأخبار بشكل أوسع مما هو عليه الحال  في  الانظمة الديمقراطية  كان عليه ان يتجاوز صعوبات سياسية ناجمة عن  الهزائم التكتيكية التى مني بها على ايادي البوليساريو.

الجوانب  التكتيكية و العملياتية  لحرب البوليساريو و علاقتها بالإستراتيجية، المغطاة مسبقا، لا تزال بحاجة الى دراسة معمقة من طرف المؤرخين و المحللين العسكريين.

بالرغم من ان القاعدة الإستراتيجية الدفاعية الثابتة للجدار مكنت المغرب من السيطرة على اغلب أراضي الصحراء الغربية، إلا انها لم تهزم العدو بشكل حاسم. ونظرا لان اي تدخل  امريكي عسكري مستقبلي في المنطقة ، كما هو الحال في منطقة الساحل، سيتطلب على الأرجح  تدخل القوات الخاصة أو الوحدات غير تقليدية أخرى، فان  معرفة تكتيكات البوليساريو و أساليبها في الحرب  بشكل عام قد تكون  مفيدة  بالقدر الذي  يمكن ان يكون عليه فهم  التجربة المغربية الموريتانية في مواجهته.

إضافة الى ذلك، فإن معرفة المزيد عن التاريخ العسكري للنزاع، قد يساعد المخططين العسكريين على اكتساب فكرة جيدة بشأن ما الذي يجب ان يتم توقعه عن نزاعات الصحراء المستقبلية، خاصة هذا  النوع في  المنطقة. تجربة حرب الصحراء الغربية  تذكرنا بأن  التضاريس  الصحراوية  لازال بمقدورها تسهيل نجاح العمليات التى يقوم بها رجال العصابات ، و على الجيش الأمريكي الحرص ان تكون بمتناوله معلومات وافية ومحدثة . بشأن التركيبة  الجغرافية والبشرية للمنطقة.

2-                على الجيش الأمريكي معرفة الجيش المغربي و الاستعداد لإمكانية المزيد من العمليات المشتركة المستوحاة من الدروس التاريخية السالفة الذكر ودراسة معمقة للجيش الملكي المغربي الحالي.

 نظرا لحيوية المغرب في   قضايا  افريكوم  بما في ذلك  تهديدات الارهابيين من منطقة الساحل  والبؤر المحتملة لعدم الاستقرار السياسي .  يصبح من الطبيعى ان  تركز الولايات المتحدة على القوى العسكرية  التى من الممكن ان تتعاون معها  بشكل وثيق في القريب العاجل. كما رأينا، القيود المفروضة من الأعلى عرقلت تاريخيا الفعالية العملية ومهمة اعطاء الآوامر الميدانية و كذا التعاون الأرضي الجوي و التنسيق داخل الجيش المغربي..

في بعض الحالات، كان  هناك بعض التباطؤ  من السلطات العليا  في اعطاء الأوامر  بشأن التعاون مع الولايات المتحدة، للاستفادة من التكنولوجيا التى تقدم  و مناهج التدريب و الأهداف  والتى كان يجب بدون شك  تكييفها مع  ثقافة الجيش المغربي .

  في حال عودة  الحرب مجددا لتشمل الصحراء الغربية و المغرب و الجزائر، وهو امر غير محتمل, فإن المخططين العسكريين الأمريكيين عليهم ان  يأخذوا بعين الاعتبار المهارات و القيود المفروضة على القوات المغربية المسلحة، و يضبطون توقعاتهم وفقا لذلك.و كما حاولت هذه الدراسة إظهاره فان تاريخ هذه المنطقة يشتمل  ايضا على المعرفة الجيدة للثقافة  والعمل بفعالية على مستوى القضاياالمدنية  و تحليل المعلومات الاستخبارية ومعرفة  القيود الجغرافية، و التعود على الاساليب  المتبعة من قبل العصابات في الصحراء الغربية  من خلال  خصوصية وظروف مكوناتها البشرية والجغرافية.

3-                 على مستوى السياسة، أهمية المغرب الإستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة،و تماشيا مع  السياسة الخارجية  الامريكية في المنطقة  يحتمل ان تتعزز بشكل  اكبر  خاصة بحكم قربها من منطقة الساحل التي تشهد تطورات مستمرة و التطورات الحالية  الناجمة عن  الربيع العربي والمشكل الحالي في الصحراء الغربية وعلاقة المغرب به. كلها اشياء حيوية لاستقرار واستمرارر شرعية  الشريك  الاستراتيجي لامريكا في الرباط  و الذي غالبا ما يتفق مباشرة مع أوروبا أكثر من الولايات المتحدة، و ذلك راجع لأسباب سياسية، تاريخية ، و جغرافية.

. في المجال الاقتصادي، الثروات الطبيعية كالفوسفات و الهيدروكربونات قد تزيد من  اهتمام الولايات المتحدة على المدى البعيد، و لكن في الوقت الحاضر، التزود بالغاز و القضايا المتعلقة بالأمن و الإرهاب، تجارة المخدرات، و الهجرة هي القضايا التي توليها أوروبا اهتماما كبيرا.

و بالتالي، يتعين على أوروبا آن تتكفل بجهود الوساطة، و أكثر من ذلك، بعض القوى كفرنسا، تتصرف بشكل سلبي عند ما تقوم الولايات المتحدة باتخاذ قرار من جانب واحد للضغط على المغرب. فالتعاون مع فرنسا هو جزء هام ضمن نشاطات “افريكوم” اليوم.

و مع ذلك، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك دورا حاسما،  ,حتى ولو كان خافيا  ,بإمكانها آن تلعبه في حل نزاع الصحراء الغربية.فقبل كل شئ   يجب على واشنطن النظر في السبل التي تمكنها من التأثير على القوى الأوروبية، خاصة فرنسا و إسبانيا، من اجل القيام بخطوات حاسمة من شأنها آن تحل المشاكل الحالية في المنطقة. يمكن ربط السياسات العسكرية و الاقتصادية و الدعم الأمريكي بجهود أوروبية ملموسة تشجع على تعزيز الاستقرار الذي، من من الناحية  النظرية ، قد يعود بالمنفعة على كل الأطراف المهتمة. و إذا بقي المشكل على حاله، فإن الوضع قد يزداد تدهورا و تغير النظام في المغرب قد يكون كارثة إستراتيجية للولايات المتحدة.  في حين انه من المناسب للبلدان الأوروبية آن تطبق بعض التوصيات بشكل مباشر، ينبغي على الولايات المتحدة اكتشاف سبل لتشجيع الحكومات المعنية من اجل التصرف وفقا لذلك.

4. على الولايات المتحدة أن تستمر في رصد عن كثب الوضع الأمني ​​في الصحراء الغربية وعلاقته المحتملة بالتطورات  في منطقة الساحل، بالتعاون مع مجموعة وكالات المخابرات المغربية,  ولكن أيضا العمل للحد من ممارساتهم القمعية. كما رأينا سبقا, أن فشل القادة العسكريين في فهم متغيرات الظروف الاجتماعية والسياسية ساهم بشكل حاسم في اضعاف  السلطة الاستعمارية في العشرية التى سبقت خروجها اوحتى قبل ذلك بكثير. اليوم، مرة أخرى،جيل  الشباب  الصحراويين  ينمو غير راض بشكل متزايد  عن الوضع الحالي. إن التأثيرات السيئة للساحل, بما في ذلك تجارة المخدرات، عمليات الاختطاف، والقاعدة بالمغرب الإسلامي يمكن ان تشكل تهديدا لمخيمات اللاجئين الضخمة و علي الشباب المضطرب سواء في  المناطق الواقعة تحت سيطرة  المغرب أوفي  المناطق المحررة.   وعلاوة على ذلك، اتخاذ إجراءات فعالة ضد الإرهاب والنشاط الإجرامي في شمال أفريقيا يتطلب تعاونا اقليميا، ولكن مشكل الصحراء الغربية لا يزال  سببا للخلافات بين المغرب والجزائر.و في الواقع، إن حدود هذين  البلدين هي  واحدة من آخر الحدود الكبرى المغلقة في العالم.

مع نفوذ صبر االشبان الصحراوي ربما قد يتبنى بعضه  في نهاية المطاف رؤى  أكثر راديكالية. البعض الآخر قد يكون على استعداد لبيع معرفتهم الجغرافية للمنطقة للإرهابيين وتجار المخدرات, والعناصر الإجرامية, أو غيرها بسعر مناسب. بغض النظر عن عدم وجود صلات أيديولوجية، بعض الصحراويين اظهروا استعدادا  للتعاون مع مجموعات تقوم بنشاطات ضد الولايات المتحدة وحلفائها. طالما عدم الرضا عن الوضع الراهن في الصحراء الغربيةذ ومشكل اللاجئين لا يزال قائما، ستبقى إمكانية التعاون مع العناصر المضادة لأمريكا.  امرا محتملا .المشاكل الاقتصادية التي تؤثر على اسبانيا وغيرها من المصادر التقليدية من المساعدات الإنسانية والمالية، جنبا إلى جنب مع ارتفاع التهديدات الأمنية، قد تزيد أيضا المصاعب في المخيمات والأراضي غير المحتلة. إضافة إلى إمكانية اضطرابات في المستقبل، كارتفاع أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء العالم.

علي الرغم من التهديد الإرهابي الواسع النطاق في المنطقة ، فإنه  مع ذلك ليس من الحتمي  وقوع  الصحراء الغربية أو المخيمات تحت قبضة  الإرهاب الإسلامي. تماشيا مع اهدافها واساليبها   العقلانية ، حاولت قيادة البوليساريو دائما  تجنب استعداء القوى الغربية، و لا يوجد لديها ما تتقاسمه مع  المتطرفين الإسلاميين.

  “الموجة الإسلامية”  التى دخلت المغرب خلال العقدين الأخيرين,   استثنت إلى حد كبير الصحراء الغربية، على الرغم من أن الحركة(الاسلامية)   لديها  اتباع عديدون  في صفوف العسكريين المغاربة المتمركزين  في الإقليم  . كما تبين  أن  حضور الصحراويين كان نادرامن بين الاف القادمين من شمال افريقيا الذين انضموا للقتال مع المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي والذين أمضوا وقتا في معسكرات التدريب الإسلامية الراديكالية في أفغانستان أو باكستان , أوالذين انضموا للمساعي الجهادية الحديثة في العراق.

وهكذا ينبغي للمرء أن يكون حذرا من الادعاءات القائلة  بأن الأهداف السياسية التقليدية للبوليساريو قد يجري تجاوزها من موجة الإسلاميين الإرهابيين في المستقبل.  المواقف  المتجذرة  والمعتدلة  نسبيا التى يروج لها قادة البوليساريو هي ان الدعم الغربي لن يزول بين عشية وضحاها . علاوة على ذلك، البوليساريو,على ما يبدو,قام بتعزيز اجراءات الأمن بما فيه الكفاية لمنع اي تسلل ارهابي والهام ثقة العمال الأجانب , الذين عبروا عن رغبة شديدة في البقاء رغم  عملية الاختطاف الشهيرة. والواقع أن هولاء العمال يرون بأن أفضل الطرق لإبعاد الإرهابيين عن المخيمات هي محاربة المصاعب الاقتصادية والطبية  هنالك.

باعتراف الجميع ، يبدي مسؤولو المنظمات غير الحكومية سذاجة حيال الأخطار التى قد تنبثق من داخل المجتمعات التي يحاولون مساعدتها. وعلى نفس المنوال، يمكن أن يميل محللو الدفاع والأمن إلى  التعميم والمبالغة في التهديدات  دون استعانتهم ,ودون وعي ,  بأراء متعاونين محتملين من داخل  المجتمعات المعنية.

   تركيز المغرب  ,ولو لخدمة مصالحه الخاصة ,علي ضعف المخيمات التي تسيطر عليها البوليساريو و اختراقها من قبل الجماعات الإرهابية والإجرامية،  ، به نسبة من المعقولية، وإن استقلال الصحراء الغربية  قد يسبب في اطالة الوقت اللازم لمواجهة  تهديدات الأمنية الخطيرة. من جهة أخرى, البوليساريو تدعي انها  تحارب الإرهاب  بشكل اشمل واوسع مما يقوم به  المغرب. من هنا وفي حين ان هناك  إمكانية ان تجد الجماعات الإرهابية الإسلامية جذورا لها  في الصحراء الغربية ، وبتعتبار ان هناك الكثير من العناصر التي تعمل ضد أن تنجح  مثل تلك الحركة هناك، يمكن للولايات المتحدة نظريا  أن تستخدم هذه العناصر لصالحها.

في الواقع،  في حالة السيناريو غير المرجح  والقاضي  باستلاء  نظام اسلامي متطرف علي الحكم في الرباط، فإن الصحراء الغربية, يمكن ان تكون واحدة من المناطق القليلة في المنطقة التى يمكن  للأوروبيين والأميركيين ان يجدوا بها موطئ قدم .

  الصحراويون  الذين درسوا بكوبا ، أي ما يعرف ب بكوبا راويس  يشكلون جزءا كبيرا من النخبة غير المغربية في الصحراء الغربية وعلى الأرجح أقل عرضة للتأثيرات الإسلامية. على الرغم من أنه قد يبدو  للولايات المتحدة  انه من الصعب الوصول الى من ترى انهم نتاج تعليم وتكوين ماركسي. فانه لا ينبغي ان يتم استبعاد  كوبا راويس ذوي الفكر المعتدل من ان يكونوا حلفاء محتملين  وهذا من اجل  الحيلولة دون تسلل المنظمات الارهابية الى المجتمع الصحراوي. في الواقع، الارتباط بكوبا من الممكن انه  جعل المجتمع الصحراوي اقل تقابلا لعروض تنظيمات و ايديولجيات تنوع القاعدة  ,كما ساعد في الحفاظ على جعل المنطقة  حصنا جزئيا ضد  المتطرفين الإسلاميين.

  إلى جانب جذور البوليساريو ذات المفارقة المستمدة من ايديولوجية جزائرية ثورية, ذات التأثير السوفيتى وباسلامها المعتدل وميولها الدبلوماسية للغرب, ساهم كوبا راويس  في إعطاء الصحراء الغربية  نسبيا طابع الحداثة .  التحول الديمقراطي، بطبيعة الحال، يمكنه ان يؤدي إلى ارتفاع عدد الأحزاب السياسية ذات التوجهات الدينية القوية، كما رأينا في مصر، وتونس، وأماكن أخرى، وهذا الاحتمال لا يمكن  نفيه صراحة. ومع ذلك،  فان هذا التطور يبدو غير محتمل  في الصحراء الغربية.

. 5. هناك مصالح استراتيجية قوية في برمجة حكم ذاتي للصحراء الغربية كما اكدت على ذلك الولايات المتحدة في وقت سابق ، ولكن  يجب ان تبذل جهودا للتأكد من أنه حكما ذاتيا حقيقيا  ومرفوق بتحسن ملموس في حقوق الإنسان وفي عملية التحول الديمقراطي. لهذه الاعتبارات ،يبقى الاستقلال التام، مع أن له ما يبرره من وجهة نظر القانون الدولي ,  والتاريخ، والخلفيات الأخلاقية، فانه ليس حلا واقعيا . فعلى المستوى البسيط ، من شأنه إضعاف النظام الملكي , اذا  فقد محمد السادس الصحراء الغربية  التى طالما, وبنجاح ليس بالضئيل,اعتمدها لاستمرار شرعية وبقاء السلالة العلوية في الحكم. و صعود الإسلاميين علي حساب النظام الملكي سوف تكون له تداعيات خطيرة علي المنطقة وعلى  أوروبا.  أيضا يجب  ان يتم اخذ  بعين بالاعتبار انشغالات  الجزائر ,التي تمد جنوب أوروبا بالغاز الطبيعي. من الناحية المثالية، ينبغي أن يكون من الممكن صياغة  حل ايضمن مصالح المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو.

أما في مجال حقوق الإنسان، فإن انشاء آلية  للمراقبة, تحت اشراف المينورسو على سبيل المثال, قد يسد الثغرات القائمة في فعالية التواجد الحالي لأمم المتحدة,وستظهر كذلك ان المجتمع الدولي  يأخذ بشكل جدي انشغالات الصحراويين وهو الأمر الذي من شأنه ان يحد من دعوات المتطرفين للبحث عن حلول راديكالية. وكما دعى الى ذلك مفكرو السياسة الاسبان في 2011م. فان التنسيق بين لندن ومدريد  قد يساعد في تجاوز اية معارضة فرنسية للفكرة.والولايات المتحدة يمكن اعتبارها مساندة لهذا المقترح ايضا.

وهكذا و  بعيدا عن تهديد استقرار المملكة العلوية, فان الولايات المتحدة واوروبا سيشجعان بقوة المغرب من اجل ان وضع وتفعيل مخطط  للحكم الذاتي  في الصحراء الغربية ذو مصداقية. وضمان تعاون فرنسا في هذه المساعي قد يكون اولوية. شكوك الصحراويين حول نوايا الرباط يمكن تجاوزها فقط من خلال اصلاحات  وحكم ذاتي حقيقيين, كما ان خفض المحسوبية والرشوة سيمنحان الحكومة المغربية  فرصة لنيل المصداقية لدى الصحراويين.  وعلاوة عاى ذلك فإن وضع الولايات المتحدة مزيدا من الضغط على المغرب سيعطى للولايات المتحدة مصداقية لدى البوليزاريو والجزائر واللتان  قد يكون دعمهما حاسما لأية تسوية نهائية.

من المسلم به انه لازالت هناك عواق معتبرة تحول دون تطبيق ناجح لحكم ذاتي. الهيكلة الدستورية الاسبانية للمناطق ذات الحكم الذاتي, يستدل بها احيانا كنموذج  لما يجب ان يكون عليه المغرب مستقبلا.فقد ساعد  في تحول سلمي  ملحوظ من الديكتاتورية الى الديمقراطية  بعد وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو سنة 1975م . لكن الديمقراطية الغربية كتلك الاسبانية تختلف بشكل معتبر عن دولة المغرب الاستبدادية. وعلاوة على ذلك, في اسبانيا,وفي المناطق ذات المنظمات الأكثر مطالبة بالاستقلال,مثل كاتلونيا وبلاد الباسك توجد اقتصاديات سليمة و حديثة, وهو الشئ الذي لاينطبق على الصحراء الغربية بتاتا. فكما سبقت الاشارة الى ذلك, فان وضعية الحكم الذاتي في الدول غير ديمقراطية له سجل اسود.

في المغرب, ارتفاع مستوى الرشوة, وعدم شفافية الأداء الحكومي والتعيينات يلغى بالشكون حول ما اذا كان الصحراويون سيثقون في امكانية حصولهم على نصيب في اي ترتيبات لحكم ذاتي موعود.

في الواقع التطورات في هذا الصدد تثبت العكس. فالسياسة الإسبانية المتمثلة في شراء ذمم النخب، والتي نوقشت مسبقا، قد فشلت بما للكلمة من معنى، وهناك دلائل تثبت بأن المغرب يسمح للمنشقين رفيعي المستوى من جبهة البوليساريو بالاستفادة على نحو كبير, في حين أن الوضع المالي للغالبية يظل جد  متدني وهو ما قد يعطي كذلك نتائج عكسية. علاوة على ذلك، فإن فترات الانتقال و تغيير النظام تشكل كما هو معلوم خطرا بالنسبة للأقليات، كما اوضحته تجارب يهود الشرق الأوسط  ما بعد الاستعمار,ومسيحي العراق اليوم والعديد من الحالات الأخرى. وتماشيا مع هذا المنوال,  فقد ظهر مؤخرا استياء بين أوساط المعارضة السياسة في المغرب من الصحراويين ومن التنمية الاقتصادية في الصحراء الغربية.

و من جهة أخرى، فإن تعزيز حكم ذاتي حقيقي في الصحراء الغربية قد يتناسب مع الموقف الحالي للولايات المتحدة والذي يدعم التحول الديمقراطي في عهد الربيع العربي خاصة في ليبيا، مصر، و غيرها. وقبل الربيع العربي كانت المملكة المغربية  قد اتخذت بعض الخطوات الواضحة في اتجاه الإصلاح الدستوري و الديمقراطية، و لكن لا يزال أمامها طريق طويل لوضعها حيز التنفيذا.مع ان بعض النقاد  ووصف  العديد من هذه التغييرات على أنها مستحضرات تجميل أكثر ما هي إصلاحات حقيقية. إن أي خطوة حاسمة نحو الديمقراطية في المغرب قد تساعد النظام على تجنب المظاهر الأكثر راديكالية للربيع العربية و تقنع الصحراويين بأن وعود العرش للحكم الذاتي حقيقية. و في نفس الوقت، فإن القادة الوطنيين الصحراويين سيكونون الأكثر ميلا لدعم مقترح حكم ذاتي قادم من الرباط، في حالة ما استيقنوا أن الولايات المتحدة و أوروبا الغربية، خاصة فرنسا، سوف تجبران المغرب على الوفاء بوعودها. على هذا النحو، فإن ذلك سوف يخدم مصالح واشنطن و باريس و غيرهم من أجل الضغط على المغرب لمعالجة قضايا حقوق الإنسان بشكل كامل في الصحراء الغربية وأماكن أخرى. إن أي فشل في القيام بذلك سيؤدي بالولايات المتحدة إلى فقدان مصداقيتها بين أوساط الصحراويين، الجيل الأكبر سنا الذي لطالما كشف عن إيمان معتبر في فعالية مجهوداتها الدبلوماسية لكسب التعاطف الغربي. و مع ذلك فقد تبدد هذا الإيمان إلى حد ما على الأقل كما رأينا.

ينبغي على القادة السياسيين و العسكريين في الولايات المتحدة مواصلة الاعتماد على العلاقات العسكرية والدبلوماسية و الاقتصادية لإسبانيا و فرنسا في المنطقة، و التي ترتكز كذلك على التاريخ و الجغرافيا. هذه الروابط تكمل مهمة أفريكوم و دعمها لبرنامج شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء، التي تضم كل من المغرب، الجزائر، تونس، تشاد، مالي، موريتانيا، النيجر، نيجيريا، السنغال والولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من أنه لا توجد دولة أوروبية عضو في هذه الشراكة، إلا أن برامج التعاون القائمة بين الجيوش الأوروبية والإفريقية قد تحقق مزايا عملياتية.

و علاوة على ذلك، فإنه حتى في ظل مناخ الأزمة الاقتصادية الحالي فإن الدول الأوروبية تزيد من التدخل العسكري في الساحل. فعلى سبيل المثال، فإن إسبانيا و فرنسا أوضحتا أنهما يعتبران التطورات في منطقة الساحل تهديدا كبيرا. وقد بدأت هيئة الأركان العامة الإسبانية تدرس توثيق التعاون مع فرنسا و الولايات المتحدة فيما يخص منطقة الساحل،  التي تنظر لها على أنها مصدر لمتاعب مستقبلية في الصحراء الغربية. و تؤكد عمليات الاختطاف الأخيرة الوعي المتنامي داخل إسبانيا بالحاجة لمزيد من التدخل في المنطقة. على الرغم من أن الجيش الإسباني الذي يعاني من ضائقة مالية يفتقر إلى العتاد، إلا أنه يمكنه أن يساهم في مجال الخبرة و الاستخبارات ذات الصلة. ففرنسا لديها حنكة و استخبارات مماثلة في المنطقة، و لديها تأثير أكبر على الرباط اليوم. بعد سقوط القادة التونسيين و المصريين، سافر محمد السادس رفقة كبار مستشاريه الأمنيين والعسكريين إلى فرنسا أواخر شهر جانفي 2011 للاجتماع مع الحكومة الفرنسية. و من المرجح كذلك أن يقدم الطرف الفرنسي المساهمة الأكبر في العملية القادمة في مالي، التي تأتي ردا على الأنشطة الإرهابية الأخيرة التي وقعت في منطقة الساحل. فرنسا ربما سوف لن تتفاعل بشكل جيد إذا ما اتخذت واشنطن أي تحركات أحادية الجانب، و الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير في الوقت الراهن على  التجربة الفرنسية و استخباراتها في المنطقة.

و في الأخير، ينبغي على البوليساريو أن تكون طرفا في أي مفاوضات ذات صلة، كما أن قضية الصحراء الغربية ككل يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في أي قرارات سياسية متعلقة بالمغرب و الجزائر و موريتانيا، أو حتى تلك المتعلقة منها بالتطورات في منطقة الساحل. فمن الناحية النظرية على الأقل، الاتفاق على شيء يقدمه الطرفين هو شئ بعيد المنال. إن أي فشل في إيجاد حل ملائم للصحراء الغربية يمكن أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة خاصة في المغرب، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة