;hkdالتمرد ومكافحته: الاساليب والتطورات العسكرية

في اعقاب المسيرة الخضراء واعلان اسبانيا سحب قواتها العسكرية من الصحراء الغربية ، بدا مستقبل البوليساريو قاتما للعديد من المراقبين. حيث اعتقد السفير الامريكي في الرباط ان التضاريس الصحراوية ستسهل نسبيا وعلى نحو سلس وسريع حملة مكافحة التمرد من قبل المغرب. مثل ما ذهب الى ذلك معهد دولي للدراسات الإستراتيجية حيث قدم توقعات مماثلة لما ذهب اليه السفير الامريكي.

 بعد ذلك فان الاسبان ، اللذين ارتكبوا اخطاءا سياسية معتبرة ورغم شح مواردهم نسبيا ، استطتعوا ان يناوروا للحفاظ على بقائهم في الصحراء زهاء قرن من الزمان. وبالتالي فان المغرب ، وفي نظر العديد من المراقبين ، كان ينبغى له ان يكون قادرا على قمع الصحراويين المتمردين وبسهولة.

وغني عن القول ان هذا التمرد اثبت صعوبة وضع حد له مثلما لم يتصور ذلك اي احد ليبقى بذلك الصراع ربع قرن من الزمان دون اجاد حل له حتى الان.

فاسباب صمود البوليساريو تكمن في حوصولها على الدعم والمساندة الخارجيين ، والديبلوماسية الدولية والعلاقات العامة بالإضافة الى بعض الحظ.

ومع ذلك فان التطورات في مجال البحث العسكري البحت تذهب بعيدا لتشرح خطأ التوقعات الاولية التي ترى بان المغرب سينجح في مكافحة التمرد وبشكل سريع.

الفكر الاستراتيجي والتكتيكي لقيادة البوليساريوالعسكرية والمستوى العالي من الروح المعنوية والتجربة لدى جنودها وقدرة الصحراويين على استخدام الجغرافيا لصالحهم بشكل افضل من خصومهم. وعلى الجانب الاخر فان القوات المسلحة الموريتانية  القليلة العدد والعتاد نسبيا تم  التخلص منها في حين تجلى عدم الفاعلية والقصور العملي للتكتيك المغربي لمكافحة التمرد في مناسبات عديدة.

قبل فترة طويلة من حرب البوليساريو فان نجاح الجيش الاسباني في الفتح الاولي والغزو الطويل للصحراء نابع من عدة عوامل تشمل الطبيعة السلمية النسبية والحالة المعزولة لاتصالات السكان الاصليين بالاضافة الى المهارات والخبرة لدى القادة العسكريين الرئيسين الاسبان وقلة التدخل السلبي او الدعم الخارجيين.

في الواقع هذا يناسب فرنسا باعتبارها القوة الرائدة في المنطقة لبسط السيطرة الاستعمارية على قبائل الصحراء الاسبانية. علاوة على ذلك فقد ساعد الطابع البدوي وانخفاض اعداد القبائل  الاصلية في عدم تشكيل تهديد للسلطات.

عندما نشأت المشاكل ولسيما في حرب افني والقادمة من الخارج كما من داخل تراب الدولة المغربية المستقلة حديثا. وعلى ارض المعركة كان منحنى تعلم الاسبان شديد الانحدار وتطلب جهودا معتبرة للتغلب على اوجه القصور في التخطيط العسكري ، الخدمات اللوجستية وعلى مستوى القيادة والسيطرة على مختلف المشاكل.

 جدير بالذكر ان التكتيك الاسباني لمكافحة التمرد كانت له القدرة على تطهير قوات جيش التحريرمن الصحراء. مستفيدا بذلك من التجربة الناجحة للضربات الجوية في حرب افني ، حيث استخدم الجيش الاسباني وبشكل واسع وفعال كتائب المظليين لمهاجمة قوات جيش التحرير ورفع الحصار عن الحاميات المحاصرة في الصحراء. وبالطبع كانت عملية هاريكنس مشروعا مشتركا والذي كانت المشاركة الفرنسية فيه حاسمة.

بمرور الوقت غادر الاسبان وقد تغيرت الصحراء الغربية بشكل كبير حيث شهدت انخفاضا كبيرا في البداوة مقابل نموا في المناطق الحضرية وزيادة في التنمية الاقتصادية وهذا ما يفسر في جزء منه فعالية الاساليب العسكرية الاسبانية في  اطالة عمر الحكم الاسباني.

من الصحيح ايضا انه بعد العام 1975 اكتسب الصحراوييون  القدرة على شن هجمات عسكرية وسياسية كبيرة ومكلفة لم يعهدها الاسبان من قبل. علاوة على ذلك انفجرت القومية الصحراوية بقوة هائلة.

وهكذا ، في حين نجد تناقض النجاح النسبي للشؤون المدنية والتكتيك السياسي الاسباني لمكافحة التمرد في شمال افريقيا مع  نطيره المغربي قد يكون ذا قيمة بينما التناقض بين الاساليب العسكرية البحتة لحملات مكافحة التمرد الاسبانية والمغربية هو اقل فائدة.

جبهة البوليساريوفي مواجهة المغرب وموريتانيا : 1975/79

عبرت القوات الملكية المغربية الصحراء الغربية بعد المسيرة الخضراء 1975 ، الالاف من الرجال الصحراويين المتدربين الذين كانو في الجيش الاسباني انضمو الى الجناح العسكري  لجبهة البوليساريو. وفي بعض الحالات ، وعلاوة على ذلك فان الجنود الاسبان تبرعو باسلحتهم وذخائرهم وارتحلو. ثم سرعان ما شاركت قوات البوليساريو في سلسلة متواصلة تقريبا من هجمات حرب العصابات ضد قوات الجيش الملكي المغربي الذي وظف الالة العسكرية الكبيرة لاحتلال الصحراء في اوائل فبراير1976.

وفي 5 فبراير 1976 احتل المغاربة تيفاريتي شمال الحدود الموريتانية ليحتلوا القلة في الجنوب الغربي اسبوعا بعد ذلك. وبعد وقت قصير اتجه فيلق من خمسة كتائب باتجاه المحبس في الركن الشمالي الشرقي من الصحراء الغربية بالقرب من الحدود المغربية الجزائرية وقد تلقى  المغاربة تطمينات من الجزائر بعدم الاعتراض على احتلالهم للمحبس.

القوات المسلحة للبوليساريو والمعروفة بجيش التحرير الشعبي الصحراوي ردت وبسرعة على تحركات وهجمات الاحتلال المعربي وبفاعلية مثيرة للدهشة. وفي بداية 1976 استفادت قواتها المسلحة من اتساع تسلحها العميق من الاسلحة والمعدات والى ذلك الوقت كانت تاتيها فقط من الجزائر وليبيا. والان تتلقى اسلحة قيمة من كوريا الشمالية وبلدان اخرى والى غاية العام 1978 فقد اشتملت اسلحتها على اسلحة عديمة الارتداد : مدافع الرشاشات 5،14 مم (ZPU) المضادة للطائرات ، مدافع الهاون 120 مم وقاذفات صواريخ متعددة . قاذفات الصواريخ المحمولة سام 7 وقذائف اربيجي الصاروخية  كما انها  حصلت على دبابات تي 55 وانظمة صواريخ سام 6 وناقلات جند مدرعة وعربات قتاليه برمائية مزنجرة للمشاة سوفيتية الصنع بي ام بي ومركبات الاستطلاع السوفيتية بي تي ار ونصب الاسلحة على مركبات البيكاب كما شاهدنا مؤخرا في ليبيا معززتا بذلك قوتها الهجومية.

رغم توفرالاسلحة ، فان مساعي البوليساريو العسكرية لم تكلل بنجاح كبير. فقوات الجيش الشعبي الصحراوي لم تكن تتقن اساليب تمرد الصحراء وان مارست ذلك ضد الجيش الاسباني.

للتقليل من مساوئ عدم وجود غطاء في الصحراء قامت قوات الجيش الشعبي الصحراوي بانشاء منطقة عازلة كبيرة بينها وبين المواقع المغربية ومن خلال ذلك تستطيع مهاجمة القوات المغربية فجاة والعودة بسرعة.

عندما كانت  قوات الجيش الشعبي الصحراوي تنجح في طرد قوات الجيش الملكي من قواعد قوية فان الميلشيات تقوم باحتلالها مؤقتا ثم تنسحب لمهاجمة قواعد اخرى اقوى. وبهذه الطريقة تتعرض القواعد المغربية لهجمات متواصلة و تزداد بذلك القدرات القتالية للبوليساريوتحسنا وتزداد شراسة القتال  اثناء فصل  الصيف وافضل للصحراويين مقارنة بغالبية الجنود المغاربة.

  وفي سنة 1977 أسقط قوات الجيش الشعبي الصحراوي 18 طائرة ومروحية قتالية واخذ 600 مركبة ووفقا لبعض المقاتلين المصابين فان القوات الملكية المغربية تكبدت 4200 قتيل و 2800 جريح و 96 جندي اخذو اسرى بينما تكبدت القوات الموريتانية 1600 قتيل و900 جريح و16 جندي اسير. تفسير واحد لهذه النسب اذا صح فان الجيش الشعبي الصحراوي عمد الى هذه السياسة كي لا يأخذ اسرى.

حتى الان على الرغم من ان المآثر العسكرية للبوليساريو تشكل مصدر قلق بالنسبة للمغرب إلا انها لم تحقق نصرا استراتيجيا كما انها لم تنجح في تدمير وطرد قوات الجيش الملكي. لا لقلة  قواتها مقارنة بنظيرتها المغربية ولكنها غير قادرة على نوعية العمليات المنسقة لقوتين في مناطق منفصلة. كما سنرى فان عدم القدرة على تنسيق القوات والعمليات على مشهد الصحراء الشاسعة سيستمر ليشكل صعوبات لكل من قوات الجيش الشعبي الصحراوي ولخصومه حتى بعد انسحاب موريتانيا من الحرب.

في هذه الاثناء كان من الصعب بكثيران نستشف الفكر الاستراتيجي للبوليساريو الذي كان وراء استراتيجية الحرب الكلاسيكية التي طال امدها. وعموما فان تمرد البوليساريو و ان لم يكن مطابقا للحرب الثورية طويلة الامد. نكتشف التأثير الواضح لماو وكان نصر جبهة التحرير الوطني على الفرنسيين في الجزائر مصدر الهام له. لكن قادة الجيش الشعبي الصحراوي ادركو في وقت مبكر نسبيا ان العديد من انتصاراتهم التكتيكية لم تؤد الى انتصار حاسم. وبدا ابتذال الماويين المعتاد الذي يركز على خصوصيات اوضاعهم. وعلى وجه الخصوص احاطوا علما بالشراكة غير المتكافئة للدول التي واجهوها و استخدموا الإستراتيجية المناسبة لذلك.

بعد اول استهداف بسيط لقوات العدو اينما وجدت سرعان ما قررت قيادة الجيش الشعبي الصحراوي مهاجمة خصومها بالتفصيل وان كان ذلك على الإستراتيجية بدلا من المستوى التكتيكي. التحول الى مواقف اكثر تحفظا تجاه قوات الجيش الملكي ، بدأت قيادة الجيش الشعبي الصحراوي وطأت هجماتها ضد موريتانيا التي كان واضحا انها اضعف اعدائها. بهذا الشكل سعت قيادة البوليساريو لارغام موريتانيا على الانسحاب من الصراع وبالتالي ترك المغرب في موقف ضعيف.

بالتالي فان اهداف الجيش الشعبي الصحراوي كانت اقتصادية ، سياسية وعسكرية بدلا من محاولة بسيطة لتدمير الجيش الموريتاني ، فالبوليساريو هدفت الى اضعاف الحكومة كثيرا بحيث لا يترك لها خيار سوى السعي للسلام. حتى الان بينما كانت الاهداف الإستراتيجية للبوليساريو السياسية والاقتصادية تعتمد على الوسائل العسكرية بشكل حصري لتحقيقها عند هذه النقطة في الحرب كان دور الدبلوماسية ضعيفا نسبيا.

في يوليو 1976 اتجهت فرقة تابعة للبوليساريو الى ضواحي العاصمة الموريتانية نواكشوط حوالي 400 كم وقصفها. في 1 ماي 1977 شنت قوات البوليساريو هجوما جريئا على مدينة الزويرات التعدينية ، في هذه الحالة تم التصعيد ضد الدفاعات القوية لتشمل حامية من 1000 جندي وجدار من اكثر من 60 كم. بفيلق من 60 مركبة خفيفة و 300 رجل هاجموا الحي الاوربي بالمدينة حيث يسكن 700 فرنسي من تقنيي المناجم وعائلاتهم .

 لم يلحق المهاجمون فقط العديد من الاصابات بالحامية الموريتانية ولكن اخذوا ستة رهائن فرنسيين ايضا. وبسبب المخاوف الامنية الناتجة عن ذلك بدأ العمال الاجانب بمغادرة موريتانيا مما تسبب في انقطاع كبير لتعدين الحديد. هذا الانقطاع ، جنبا الى جنب مع الهجمات على خط السكة الحديدية ازويرات انواذيبو ادى الى أضرار جسيمة في الاقتصاد الموريتاني.

تلاه هجوم اخرللبوليساريو في يوليو على مدينة نواكشوط عبر طريق التفافي طويل جدا على الحدود الجزائرية لتجنب الاتصال مع القوات الموريتانية والجزائرية. قوات الجيش الشعبي الصحراوي المتكونة من 600 رجل واكثرمن 100 مركبة والعديد من الاسلحة والذخائر والامدادات ، وصلت الى نواكشوط لكنها وجدت مقاومة غير متوقعة من الجيش الموريتاني الذي اوقع فيها خسائر مما ادى الى سقوط المزيد من الضحايا في وقت لاحق اثاء الانسحاب من موريتانيا.

كان لعملية نواكشوط عدة نتائج هامة ، قبل كل شي هي تمثل خطوة اخرى تجاه الهدف الاستراتيجي طويل الامد للبوليساريو لتقويض تحالف المغرب موريتانيا وتعجيل تغيير النظام في نواطشوط رغم انه فشل من الناحية العسكرية البحتة.

وكنتيجة للاحتجاجات في موريتانيا بعد الهجوم على نواكشوط حدت الجزائر من استخدام البوليساريو لأراضيها كنقطة انطلاق لهجمات مستقبلية. واصبح المغرب اكثر تورطا في القتال في موريتانيا كما بدأ خوفه على مصير حليفه.

النتيجة الاخرى لعملية نواكشوط هي وفات الولي مصطفى السيد اثناء القتال ، الامين العام  الكارزماتي ، المرموق ورئيس جناحها العسكري. اثارت وفاته نقاشا داخليا في صفوف الجبهة حول نطاق العمليات العسكرية حيث قررت القيادة فيما بعد تعزيز الهجمات العسكرية في الوقت الذي تجري فيه برنامجا وطنيا للتعبئة داخل مخيمات الاجئين.

تعرضت قوات البوليساريو ايضا لعواقب استهداف المصالح الفرنسية وبشكل كبير خارج نواكشوط عندما واجهت وصول المركبات الفرنسية المدرعة ألف لام ميم 10 ومع ذلك فان البوليساريو واصلت الهجمات على الزويرات واخذ الرهائن الفرنسيين وكان الرد الفرنسي بأن اصبحت أكثر انخراطا في النزاع بالاستفادة من قاعدتها العسكرية دكار السينغال .

التدخل الفرنسي تواصل حتى يونيو 1978 عندما كانت الهزيمة الموريتانية واضحة وتقريبا كل  التقنيين الفرنسيين قد اخلي سبيلهم.

كما استمرت هجمات البوليساريو وازدادت المشاكل في موريتانيا وعلى الرغم من ان القوات المسلحة الموريتانية كانت قليلة العدد نسبيا 18000 الف فقط من الرجال اثناء الصراع فحشد هذا العدد من الرجال يعتبر نزيفا كبيرا لهذا البلد فموريتانيا تلقت بعض المساعدات المالية من السعودية ، الكويت وساحل العاج ولكن في العام 1977 فان الحرب كلفت 40 في المئة الميزانية الوطنية الموريتانية  وفي العام 1978 ارتفعت الى 60 في المئة بالاضافة الى ذلك فان الحرب لم تعد تحظى بشعبية في صفوف الجنود ، فبالنسبة للكثير من الجنود السود في الجيش الموريتاني الذين يشكلون اغلبية الجنود كان ذلك في كثير من الاحيان يعتبر استخفافا بهم من قبل الموريتانيين الاخرين.

لقد كانت حربا بين العرب الذين لم يدركوا المصلحة الحقيقة في حين ان العديد من الجنود العرب والجنود من اوصول بربرية لم يفهمو لماذا نحارب عدوا طالما ربطتنا به علاقات وثيقة وطويلة الامد.

وفي سلك الضباط كان هناك استياء من الاعتماد على دعم المغاربة والفرنسيين للدفاع عن البلد والذي ترك الشعور بالاهانة والتحدي لسلطة القادة الموريتانيين.

خلال العام 1977 كانت هناك تغيرات في الحكومة الموريتانية والقيادات العسكرية وفي شهر يوليو 1978 كان هناك انقلاب في نواكشوط ثم حدثت تحولات حكومية كثيرة في الاشهر التي تلت ذلك. والتي تنم عن الكثير، وخلال هذه الاحداث تجنب القادة السياسيين الموريتانيين جبهة البوليساريو بدلا من التاكيد على رغبتهم في اخراج المغاربة من ارضهم وبعد وقف اطلاق النار لمدة عام عادت الاعمال العدائية لفترة وجيزة ثم وقعت جبهة البوليساريو وموريتانيا اتفاقية سلام بينهما في 5 أغسطس 1979.

في النهاية فان نجاح استراتيجية البوليساريو ليس فقط في ان الهجمات العسكرية زعزعت الدولة الموريتانية كثيرا بحيث انسحبت من الحرب ولكن ذلك الانسحاب ترك المغرب اكثر ضعفا.  الاستنزاف الاقتصادي والعسكري كان واضاحا على المغرب فقوات الجيش الملكي تضاعفت من 60000 الف رجل في العام 1975 لمضاعفة هذا العدد في العام 1979 تم نشر معظمهم في الصحراء.

 الجزائرالتي حاربها المغرب وخسر معها حدودا متنازع عليها ,اي ما  يسمى بحرب الرمال 1963.كانت اقل قلقا بسبب ما يحدث لجيرانها .

الان قوات الجيش الملكي المغربية وبدون حليفتها الموريتانية السابقة عليها ان تدافع عن الارض اكثر بكثير كما سيصبح من الواضح قريبا ان قوات جيش التحرير الشعبي الصحراوي في وضع يمكنها من شن هجمات داخل التراب المغربي.

الفشل المغربي الدائم في محاربة التمرد 1979 ـ 1980

بعد توقيع اتفاقية السلام بين البوليساريو موريتانيا  الحسن الثاني الذي أدركت حكومته  حجم الضغط الجزائري الذي كان  وراء المفاوضات ,لم يكتف فقط  بالمطالبة بالاقليم المحتل سابقا من قبل موريتانيا، بل أعلن أن بلاده لن تتخلى في المستقبل بأي حال من الأحوال عن حقها في ضم  الصحراء بالكامل. و عبر في ذات الوقت عن عدم وجود نية لدى المغرب في دخول حرب مع الجزائر. الا أن الصراع مع جبهة البوليساريو قد بدأ بالفعل يضربالاقتصاد المغربي بشكل كبير. وفي عام 1979 افيد بأن النفقات العسكرية بلغت %40 من الميزانية العامة للدولة بالرغم من وجود تقديرات أخرى أقل من ذلك. كما ساهمت القروض السخية الممنوحة من المملكة العربية السعودية في التخفيف من العبء المالي.  وأثبتت  القوات العسكرية الملكية  في تلك الظروف عدم قدرتها على القضاء على التمرد، وفي المقابل وصلت جبهة البوليساريو لأعلى مستويات الفعالية.

بحلول عام 1978 أصبح جيش التحرير الشعبي الصحراوي أقرب الى شكل الجيوش التقليدية، وبعد سنة من ذلك قد يكون  تعداد مقاتليه  قد وصل  الى  20.000 مقاتلا  مجهزين بمختلف الأسلحة والأليات الحديثة. وبات باستطاعتهم القيام بعمليات واسعة النطاق وفي العمق , يشارك فيها آلاف الرجال ومئات الأليات. و قد وظف مقاتلو جيش التحرير الشعبي  الصحراوي معرفتهم للتضاريس إلى جانب دبابات  (بي أم بي)  السوفياتية المدرعة والخفيفة وسيارات  لاندروفر لتحقيق التنقل والمفاجئة.

بالاضافة الى مهاجمته  للمواقع المغربية وقواعده العسكرية، استهدف جيش التحرير الشعبي الصحراوي قوافل الامداد في مناسبات عدة، وقطع امدادات الطاقة، كما هاجم مناجم الفوسفات في بوكراع متسببا في تعطيل استخراج الفوسفات لمدة 6 أشهر.

وفي المقابل عانت القوات العسكرية الملكية من نواقص هامة., فخلافا للصحراويين , واجه الجنود القادمون من الريف وجبال الأطلس وغيرها من المدن والمداشر المغربية صعوبة في التأقلم مع المناخ، الذي قد يشهد في اليوم نفسه حرارة شديدة نهارا وبرودة قارسة  ليلا. ونتيجة لضعف الخطوط اللوجيستية بين طنطان وطرفاية والعيون فالعديد من المواقع  المغربية لا تصلها الإمدادات بشكل منتظم.  وقد أظهر قادة القوات  العسكرية الملكية شحا في المبادرات وكانت بعض الأوامر الصادرة من مستوى متوسط غير قادرة على القيام بعمليات على الاطلاق. وكانت الأوامر العسكرية تأتي من مقر قيادة الحسن الثاني الذي فضل الابقاء على سيطرة محكمة على الجيش بعد أن نجا من محاولتين لإغتياله عامي 1971 و 1972. ونادرا ما إستخدم الجيش المغربي تكتيكات محاربة التمرد مفضلا الوضعية الدفاعية في خنادق حول المراكز السكانية والمواقع المتقدمة، متجنبا البحث عن فرق جيش التحرير الشعبي الصحراوي التي تجوب الصحاري. وتفسر مثل هذه النواقص أداء القوات العسكرية الملكية أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات على الرغم من تفوقه في العتاد بشكل  لا جدال فيه.

ولإدراكها الجيد  لنقاط الضعف العسكرية لدى المغرب خططت جبهة البوليساريو لإصدار نسخة صحراوية لهجوم تيت ( نوع معروف على مر الزمن وقد لا يكون مستوحى مباشرة من الفيتنام). وقد جاء هجوم هواري بومدين (إسم الرئيس الجزائري المتوفى حديثا انذاك)  ليكون هجوما منظما وشاملا على مواقع الجيش الملكي والأهداف الاقتصادية في الصحراء وداخل المغرب ( أي ليس فقط “أقاليمه الجنوبية”)، واستهدف  الهجوم الى إلحاق اضرار كبيرة عسكرية واقتصادية وتقويض مصداقية قوات الحكومة المغربية، وبالتالي ثني إرادة البلد  في البقاء في الصحراء الغربية، كما أنه كان  إشارة واضحة بأن الجزائر لن تتراجع في دعمها للبوليساريو.

وكان الهجوم قد بدأ يوم 01 يناير 1979 ونجح في غضون أيام في تعطيل حزام  بوكراع عن العمل. ومع منتصف الشهر تزايدت الهجمات شمال العيون، ومن ثم وفي 28 يناير ضربت قوات البوليساريو داخل المغرب في طانطان عاصمة طرفاية. وتوجد بالمدينة الواقعة على الخط اللوجستي بين أكادير والعيون قاعدة جوية وحامية من عدة آلاف من الجنود المغاربة، وقد تمكن المهاجمون من احتلال المدينة لمدة 4 ساعات، قاموا خلالها باطلاق سراح 118 معتقلا صحراويا؛ والقاء القبض على عدة اسرى مغاربة، ودمروا المنشآت العسكرية ومستودعات البنزين، ومحطة الطاقة الكهربائية.

وكما خططت جبهة البوليساريو، كان لهذه الهجمات تداعيات خطيرة في المغرب حيث  أدرك الرأي العام بعد الهجوم على طانطان أن الحرب لم تكن تسير على ما يرام كما زعمت الحكومة. وفي الواقع أنه وبعد إحتلال البوليساريو الوجيز والفعال للمدينة , ودعت الأحزاب المغربية الى عقد جلسة برلمانية لمناقشة قضية الصحراء. ومع حلول شهر مارس إعترف الملك بأن الوضع لايسير  على ما يرام  وأعلن عن تشكيل مجلس وطني يعنى بالأمن ضم بشكل مفاجئ  مجموعة كبيرة من مختلف اطياف المشهد السياسي ، كما اعاد تنظيم الجيش الملكي بإستبدال قائد القطاعات الجنوبية فيه.

وبعد أقل من أسبوعين، شنت قوات البوليساريوهجمات شرسة على المراكز السكانية الرئيسية في شمال الصحراء الغربية، ومع نهاية الشهر سيطروا على تيفاريتي. وفي نفس الاثناء ضايقوا وبشكل فعال خطوط الإمداد بين طانطان وطرفاية والعيون الى درجة أن الإمداد تعين منذ ذلك الحين توفيره عبر البحر. وبعد النجاحات التكتيكية المختلفة سجلت كتيبة من البوليساريو في 24 من أغسطس إنتصارا كبيرا على الفرقة الثالثة للمدرعات المغربية بالقرب من لبيرات. ولم يبد المغاربة الذين فوجئوا على حين غرة أية مقاومة نسبيا وتخلى العديد منهم عن مواقعه ومعداته، وتكبدوا اكثر  من 1000 إصابة و تم أسر 100 منهم عرضتهم جبهة البوليساريو إلى جانب العتاد المستولى عليه أمام الصحافة العالمية. وفقدت  الفرقة  في المواجهة 37 دبابة تي 54 واتهم 77 جنديا مغربيا بالجبن والتخاذل. ومع كل ذلك، فقد فشلت البوليساريو في تحقيق هدفها على المستوى الاستراتيجي والمتمثل في دفع القوات الملكية خارج محمياتها في وادي الذهب.

وفي اوائل أكتوبر قامت قوة تتألف من أكثر من 5000 رجل بمهاجمة السمارة المدينة الصحراوية المقدسة التي تدافع عنها حامية مغربية تتألف من 6000 رجل. وتمكن المهاجمون من اختراق الجدار الدفاعي  وحرروا حوالي 700 معتقل صحراوي قبل أن تهاجمم القوات الجوية المغربية بطائرات ميراج أف1 مجبرة قوات البوليساريو على الانسحاب. وفي طريق عودتها إلى القواعد الموجودة في الجزائر هاجمت قوات البوليساريو المحبس واحتلتها لفترة وجيزة ودمرت المنشأت العسكرية المغربية هناك. وفي أعقاب هذه النجاحات، قررت قيادة البوليساريو تكثيف هجماتها، بما في ذلك العمليات داخل الأراضي المغربية شمال وادي درعة وشرق طرفاية. وبإختصار تفاقمت محنة المغرب، واعتقد قادتها العسكريين أنهم لن يكونوا قادرين على هزيمة البوليساريو نهائيا إلا بملاحقة قواتها داخل الجزائر وهو الشئ الذي لم يكن ممكنا. مما  جعل المغاربة  يطرون الى تغيير خططهم الإستراتيجية  مرارا.

ولإدراكهم بعدم قدرة القوات الملكية على السيطرة على مساحات كبيرة من اراضي  الخصم، فضل المغاربة الانسحاب من المواقع والتحصينات الصغيرة التي لم تسقط بعد في يد العدو. وحصروا تواجد قواتهم في مناطق القلتة وبئرانزران ضمن مايسمى بالمثلث النافع بوكراع ـ السمارة ـ العيون، وبالتالي التركيز على منطقة مهمة استراتيجيا لكثافتها السكانية نسبيا وقيمتها الاقتصادية. وفي ذات الوقت شكل المغاربة كتائب مسلحة جيدا ومدعمة بالأليات (الكتائب المحلقة) ما يعني عمليات سريعة ومتزامنة في المناطق الغير محتلة. وقام المغاربة على الأقل باستخدام بعض تقنيات مقاومة التمرد بحشد وتفريق السكان الموالين للبوليساريو من الزاك من أجل فصل المسلحين عن مصدر الدعم.

 

تجاوب الولايات المتحدة مع الخسائر العسكرية المغربية ومحدودية الإستراتيجية المغربية.

زادت الولايات المتحدة الأمريكية من دعمها عندما ضعف موقف حليفها الاستراتيجي المغرب. وقد بدأ المغرب في تلقي مساعدات أكبر من الخارج بداية من 1978 عندما أصبحت القوات الملكية مهددة خاصة من قبل المسلحين الصحراويين، حيث زودتها فرنسا والولايات المتحدة باغلبية العتاد في حين تكفلت المملكة السعودية بالتمويل بسخاء، كما ساهمت فرنسا في مجال التدريب والاستخبارات مستفيدة من تجربتها السابقة في الصحراء. وبالإضافة الى ذلك، كان من بين الدول التي وفرت الاسلحة للمغرب في حربها مع البوليساريو كل من مصر وإيران تحت حكم الشاه وليبيا والعراق وجنوب افريقيا وبلجيكا وايطاليا واسبانيا والبرازيل.

وقامت إدراة كارتر (1977ـ1980) في البداية بوضع بعض القيود على مبيعات الاسلحة الأمريكية للرباط ولكن سرعان ما رفعت هاته القيود بعد هجمات البوليساريو داخل المغرب وسقوط شاه إيران عام 1979، حيث بات البيت الأبيض في حاجة ماسة إلى تعزيز حلفائه المتبقين في الشرق الأوسط وافريقيا. وكان الدعم الامريكي للمغرب قويا خلال رئاسة رونالد ريغان (1981ـ1989) بشكل خاص. وفي الحقيقة أن إدارة ريغان أوضحت بطرق عدة أنها ترى قيمة إستراتيجية في مساعدتها للمغرب في حربه ضد جبهة البوليساريو. وأصبح جوزيف ريد صديق الحسن الثاني الوحيد الذي يعين سفير غير دائم للولايات المتحدة في الشرق الاوسط. وبعد أن قامت قوات البوليساريو بمدرعاتها الثقيلة وأسلحتها المتطورة بهجوم مدمر في قلتة زمور وأسقطت عددا من الطائرات المغربية في أكتوبر 1981، سلم السيد وليام كيسي مدير وكالة الاستخبارات المركزية شخصيا للسيد ريغان طلب من الحسن الثاني للحصول على الدعم. تلى ذلك عدة لقاءات مع المسؤولين الامريكيين على المستوى الدبلوماسي والعسكري والاستخباراتي من بينها إجتماع في ديسمبر جمع الملك بوزير الدفاع كاسبار وينبرغر وأخر مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ تشارلز بيرسي. وفي فبراير التقى وزير الخارجية أليكسندر هيغ بالملك المغربي الذي التقى بريغان في شهر مايو الذي تلاه. كما جرت في سبتمبر 1983 زيارتين إلى المغرب من قبل نائب الرئيس جورج دبليو بوش ومن ثم ممثل الولايات المتحدة بالأمم المتحدة جين كيركباتريك، وقد ابرزتا الاهمية الدائمة للمغرب في السياسة الامريكية.

وبين عامي 1976 و1984 أنفقت الولايات المتحدة ما معدله 1 مليون دولار سنويا لتدريب الضباط في القوات العسكرية المغربية بما في ذلك الطيارين والمتخصصين في تكتيكات مقاومة التمرد. ومع حلول عام 1982 كان أكثر من 100 مستشار عسكري امريكي متواجدين بالمغرب وتلقى العديد من المغاربة تدريبات في القواعد العسكرية الأمريكية وقام سلاح الجو الأمريكي بتدريب الطيارين المغاربة على التدابير المضادة للصواريخ والتهرب وغيرها من التقنيات ذات الصلة. وبالإضافة إلى ذلك تلقى المغاربة المساعدة في تحديد مواقع سام 6 لدى البوليساريو، إلا أن القوات العسكرية الملكية يبدو أنها لم تستخدم هذه المعلومات الاستخباراتية بفعالية، كما أرسلت مجموعة من المستشارين الأمريكيين لتدريب وحدة بحجم كتيبة لتنفيذ عمليات خاصة ضد مواقع سام 6 لدى البوليساريو.

وبالرغم من ذلك وعلى الأقل إلى بداية الثمانينات وقفت الإخفاقات التكتيكية والعملياتية إلى جانب الإستراتيجيات الخاطئة حائلا دون انتصار المغرب. ومن المرجح أن المتشارين الامريكيين والفرنسيين وأخرين أجانب لعبوا دورا في صناعة قرار المغرب المتمثل في التركيز على المثلث النافع أو توظيف قوات مقاومة التمرد المركزة، التشكيلة التي تزامنت مع تزايد المساعدات العسكرية الأمريكية. وأدى الإعتراف بالمثلث النافع كمركز الثقل الاستراتيجي الى إعتباره نقطة الأنطلاق نحو تطوير استراتيجية جديدة للدفاع الثابت، ولكن وقبل كل شيء اثبتت الكتائب المحلقة عدم فعاليتها على حد كبير. وفي حقيقة الامر فشلت القوات الملكية المغربية في تطهير المناطق المستهدفة من نشاط المسلحين، أو السيطرة على قوات البوليساريو، أو حتى الإضرار بها بشكل ملحوظ، وبالتالي بقيت المبادرة بيد البوليساريو.

وعلى المستويات العملياتية والتكتيكية اشتملت أوجه القصور على إنعدام المرونة على مستوى القيادات تحت الملك،الذي أصبح معيارا بعد الإنقلابات الفاشلة أوائل السبعينات. وعندما يريد قائد ميداني طلب الدعم الجوي وهو في حالة تعرض لهجوم عليه ان يمر عبر الرباط، ويمنح الإبطاء الناتج عن ذلك الوقت لقوات البوليساريو لتنفيذ الغارات ثم الإنسحاب قبل أن يتم تنفيذ الموافقة على الطلب. ويقال أن الدرك الملكي الذي يراقب الجيش نيابة عن الملك يقوم بعد الرصاصات قبل وبعد التدريبات. إستراتيجيا لايزال المغاربة يحاولون السيطرة على اراض أكثر، غير انه وبالرغم من أن عدد الجيش المغربي قد زاد بشكل كبير الا أنه ليس بإمكانه الدفاع والإمداد بشكل فعال على النطاق الواسع الذي كان يأمله خبراءه الإستراتيجيين، والتوسع المفرط يجعل مواطن الضعف التكتيكية و المشاكل اللوجيستية واضحة جدا. وهكذا تظل المبادرة بيد جبهة البوليساريو. ونظرا لضرورة تجنب حرب مفتوحة مع الجزائر والظروف التي كانت تقاتل فيها، فإن القوات العسكرية المغربية لم تكن قادرة على الحاق الهزيمة بعدو بهكذا عزيمة كالبوليساريو.

الحزام الدفاعي: ” نجاح في الإستراتيجية الدفاعية؟

بعد فشل هجمات كتائبه عمد المغرب الى استراتيجية واضحة ومحكمة أساسها بناء سلسلة من الحواجز أو المصدات الدفاعية المدعمة جيدا والمعروفة بالعامية بإسم “الحزام الرملي” أو “الحزام” وعند المتعاطفين مع جبهة البوليساريو تسمى “جدار العار”. وقد انتقد بعض المحللين بشدة هذه المقاربة واشاروا الى أن الجدران لم تثبت استحالة اختراقها وأن الإستراتيجية الجديدة للدفاع الثابت كانت مكلفة جدا وقد منحت افضلية المفاجئة والمبادرة والجرأة لجيش التحرير الشعبي الصحراوي. وفي الواقع أن بناء الحواجر يعتبر اعترافا واضحا من المغرب أنه مضطر لقبول “حرب إستنزاف طويلة في افضل الحالات، وفي أسوء الأحول حالة من الجمود الكلي”. ومن ناحية أخرى نجح المغرب من خلال الحواجز أساسا في إبقاء المقاتلين خارج الاراضي المحتلة وحماية المصالح الرئيسية، كما سمحت له بإنشاء الإدارة المدنية  في أجزاء هامة من الصحراء الغربية. ومع إتمامه 1500 كلم من الجدار، يكون المغرب قد سيطر على 80% من الصحراء الغربية، مما يجعل المشروع “أكبر جدار عسكري في الخدمة في العالم”. كما ساهم الجدار في تدفق الاف المستوطنين المغاربة إلى الصحراء الإسبانية سابقا.

وتم بناء الجدران التي بدات في 1981 على مراحل إكتمل اخرها في ابريل 1987، وكان الهدف من أولى الحواجز هو حماية منطقة المثلث النافع والحامية المغربية قرب الجزائر من الهجمات عبر الحدود. مما يعني أن المغرب تخلى في البداية عن السيطرة على أجزاء كبيرة من الإقليم خاصة في الجنوب (لم يكن من ضمنها المراكز السكانية في الداخلة والعرقوب في الخليج الإسباني سابقا المسمى وادي الذهب حيث حافظت القوات الملكية المغربية على حاميات هامة). وفي عام 1983 بدأ العمل في مرحلة أخرى من بناء الحزام وظف فيها نحو 30000 من الجنود المغاربة. وهنا يظهر أن موقع الجدار الجديد كان بدافع سياسي إلى حد كبير: فبتقسيمه للصحراء على الزاوية الحدودية تماما مع موريتانيا قد يكون المغرب سعى لإجبار البوليساريو على دخول التراب الموريتاني عند هجماتها في الجنوب، وبالتالي توريط موريتانيا في الصراع. واستمر بناء الحزام باتجاه الجنوب عازلا في نهاية المطاف اراضي البوليساريو عن ساحل المحيط الاطلسي.

وشيدت الجدران بالطريقة ذاتها في جميع المراحل والإتجاهات : أولا تقوم جرافة بحفر خندق. والتربة و الرمال المستخرجة تستخدم لبناء سد طوله من مترين إلى ثلاثة أمتار. وهي محمية بحقول الألغام والأسلاك الشائكة وأجهزة استشعار الكترونية ومراكز إتصال على طول امتدادها يحرسها من 100.000 الى 170.000 جندي. وينتشر الجنود إما في المواقع  الأمامية أو في القواعد الخلفية المجهزة بالمدفعية التي تنطلق منها قوات التدخل السريع في حال تم مهاجمة الحزام. وعمليا تمتع القادة الإقليميين بمزيد من الاستقلالية اكثر من ذي قبل، بما في ذلك القدرة على الاتصال وتلقي المزيد من الدعم في الوقت المناسب. وعلى الرغم من أن الإختراقات الصغيرة نسبيا لم تكن تشكل صعوبة، غير أن الهجمات الواسعة النقاط كانت أكثر تعقيدا. وبمجرد أن تكتشف القوات الملكية المغربية إختراقا تقوم بإغلاق المنفذ وتقوم بمهاجمة قوات البوليساريو المحاصرة برا وجوا.

ولتلبية الاحتياجات من القوى البشرية كان على المغرب الإذن بعمليات التجنيد الخاصة وانشاء العديد من الوحدات الجديدة. وعلى سبيل المثال لإنشاء الحزام السادس احتاجوا لقوة بشرية من 10.000 إلى 15.000 رجل وإنشاء كتيبة الميكانيكا وكتيبة جوية وست كتائب من المشاة ووحدتين من المدفعية وكتيبة هندسة وكتيبة نقل. وحتى بعد مرور فترة طويلة على إعلان وقف إطلاق النار في عام 1991، لا يزال الحزام أكبر حقل ألغام في العالم. ومنذ عام 2006 تولت بعثة الأمم المتحدة للإستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) التسيق لإزالة الألغام، وهي مهمة تعهد كل من المغرب والبوليساريو بالمساعدة عليها.

وكان لنظام الجدران الدفاعية بمجرد استكماله تاثيرا واضحا على جيش التحرير الشعبي الصحراوي الذي تقلصت مجالات تحركه بشكل ملحوظ تكتيكيا وعملياتيا. وأخد القتال الجاري يأخذ منحى حرب الإستنزاف بشكل متزايد، وعلى سبيل المثال في سبتمبر 1983 قامت قوات من البوليساريو المتكونة من خمس كتائب ميكانيكية وكتيبتين مدرعتين إلى جانب 50 دبابة بمهاجمة الجدار الاول قرب السمارة في جبهة بطول 50 كلم، واكتسبت المعركة التي تلتها الطابع التقليدي.

وفي هذه الأثناء كان للتطورات الجارية على الجبهة الدبلوماسية أثار على ميدان القتال، حيث أثارت معاهدة وجدة أغسطس 1983 بين المغرب وليبيا رد فعل قوي من الجزائر التي انتقدت بشدة طبيعة الإتفاقية “الخارجة عن المألوف” بين النظام الملكي التقليدي في المغرب والنظام الثوري القذافي وسرعان ما أصبحت الجزائر أكبر مصدر لأسلحة البوليساريو. وفي أكتوبر 1984 بدأ جيش التحرير الشعبي الصحراوي “هجوم المغرب العربي” ضد الحزام قيد البناء الواقع إلى الجنوب من الزاك موظفا البي أم بي 1 الروسية المسلحة بصواريخ ساغر المضادة للدبابات. وبعد ذلك وبعد أن تبين أن الهدف الإستراتيجي للمغرب هو ضم أغلب مناطق الصحراء الغربية زاد جيش التحرير الشعبي الصحراوي من عملياته الهجومية. وكما خطط المغاربة وعلى الرغم من أن قوات البوليساريو بدأت تقوم بالعمليات المباشرة والمكلفة والمركزة التي كانت تسعى إلى تجنبها في وقت سابق، غير أن المغاربة عموما فضلوا عدم التخلي عن الحماية التي توفرها الأحزمة الدفاعية.  وفي واقع الأمر أن المغاربة عانوا من خسائر فادحة في المناسبات التي قاموا فيها بذلك. وخلال الثمانينيات إستمر التواجد العسكري الأجنبي على كلا الجانبين، من بينها تواجد  مستشارين تقنيين من بينهم 500 كوبي و25 كوريا شماليا في معسكرات تدريب البوليساريو ومستشارين فرنسيين وإسرائليين مع القوات العسكرية المغربية.

   بالرغم من زيادة القيود على حريته في الحركة ومن استمرار بناء الجدار، أظهر جيش التحرير الشعبي الصحراوي مهارات تكتيكية معتبرة وظل قادرا على خلق مشاكل كبيرة للمغرب. كان عام 1978 عاما سيئا بشكل خاص بالنسبة للقوات الملكية المغربية، حيث تعرضت خلاله ل16 هجوما كبيرا على الأقل من طرف قوات البوليساريو. من بين أكثرها ضررا، ذلك المنفذ في أواخر فبراير قرب المنطقة الحدودية قرب الفرسية، إذ يظهر تكتيكات البوليساريو المميزة المستخدمة ضد دفاعات الجدار. فقد كانت المنطقة المجاورة محمية فقط بحاميتين صغيرتين، قوامهما 80 و50 جنديا مغربيا، على التوالي. اقترب رتل البوليساريو من الجدار تحت جنح الظلام، متفاديا كشف المدافعين. في المرحلة الأولى، هاجم فيلقان ميكانيكيان، تلاهما اقتحام فيلق دبابات. هذا الأسلوب اتبع النمط العام لمثل هذه العمليات: هجومان متزامنان، واحد أولي وواحد ثانوي، ضد موقعين دفاعيين متجاورين داعمين لبعضهما البعض. كان الهدف المبدئي يتمثل في تثبيت والاستيلاء على الموقعين الدفاعيين المغربيين، وبذلك تمكين العناصر الميكانيكية والمدرعة من الاختراق نحو الجهة الاخرى من الجدار. هناك، انتظروا وصول قوات التدخل السريع المغربية، فنصبوا لها، لدى وصولها، كمينا بفعالية كبيرة. وفر فيلق ميكانيكي آخر للبوليساريو الدعم اللوجستيكي ونقل العتاد المغنوم والأسرى إلى الخلف. في هذه الحالة، كان حجم هزيمة القوات الملكية المغربية كبيرا لدرجة أن الملك الحسن الثاني طلب تقريرا من الجنرال المكلف بالأقاليم الجنوبية في ذلك المساء. التقرير أعزى الهزيمة المغربية إلى فشل في الاستعلامات، انعدام الأسلحة المضادة للدبابات وضعف في مفرزة التدخل المدرعة.103

تبعت ذلك هزائم تكتيكية أسؤ للقوات الملكيةالمغربية، كاشفة عن فشل متكرر للقادة في التنبؤ بمواقع الهجومات المقبلة. ومما زاد الأمر سوء بالنسبة للقوات الملكية المغربية، كثيرا ما كان الجنود داخل الحاميات  يفتقرون للروح القتالية العالية. تعلمت البوليساريو أنها تستطيع في بعض الّاحيان الاستغناء عن الهجومات الأمامية المباشرة؛ فالتسلل من خلال مناطق غير محروسة ومن ثمة محاصرة مواقع القوات الملكية المغربية كان كل ما يتطلبه الأمر لكي تستسلم تلك القوات.104 على المستوى العملياتي، شنت البوليساريو هجومات على مناطق مختلفة من الجدار بالتزامن، وبذلك تلهي قوات التدخل السريع.105 أكثر من ذلك، فشلت القوات الجوية المغربية في بعض الأحيان في الظهور أثناء اشتباكات كبيرة مع جيش التحرير الشعبي الصحراوي. فالخوف من دفاعات البوليساريو المضادة للطائرات، بما فيها صواريخ AA SAM 8 (GECKO)، والتكنولوجيا السيئة للتنسيق والاتصال الأرضي-الجوي كل ذلك ربما يفسر هذا الفشل.106 ومن جهة أخرى، كانت الهندسة الحربية المغربية “أبطال الحرب المنسيون” تعمل بجد، وفي أغلب الأحيان تحت النيران، في بناء وصيانة نظام الجدران المتنامي، والذي أدرك الطرفان أنه كان يحدث فرقا تدريجيا لكن لا يمكن إنكاره في المظهر الاستراتيجي العام للحرب.107

واصل جيش التحرير الشعبي الصحراوي القيام ببعض العمليات الكبيرة في كل عام بعد 1989، وهاجم المغرب مواقع البوليساريو في جزئها من الصحراء الغربية في غشت 1991، مخترقا وقف إطلاق النار الذي كان قائما منذ بداية العام السابق. لكن إلى هنا، لم ير أي من الطرفين في الحل من خلال القوة العسكرية إمكانية ناجعة.108 وعليه، فعندما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة عن وقف لإطلاق النار من جانب واحد في سبتمبر، اختار كلا الطرفين احترامه، وتوصال الصراع أساسا في الساحة الدبلوماسية. الكصير من الصحراويين يعبرون عن رأي سلبي عن المينورسو – المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار وتنظيم وإجراء استفتاء – متهمين إياها بأنها لا تقوم إلى بالشيء القليل لوقف الانتهاكات والإفلات من الاشراف والمراقبة المغربية الدقيقة لأنشطتها. ومع ذلك، لا زال وقف إطلاق النار قائما.109