;hkالحلقة الثانية من الكتاب الصادر عن معهد الدراسات الاستراتجية وصحافة الكلية الحربية الامريكي  حول القضية الصحراوية  المعنون ب”الحرب والتمرد في الصحراء الغربية

….لم تكن استجابة إسبانيا غير المناسبة للوضعية أمرا مفاجئا، إذ أن إسبانيا، في ظل دكتاتورية فرانكو، كانت تفتقد العديد من الحريات السياسية، ولذلك من الصعب أن نتصور أنها كانت قد شكلت حكومة تمثيلية في أي مكان آخر. وفي الواقع، فإن قدرة الحكومات الاستبدادية على إرساء مخطط لحكم ذاتي إقليمي حقيقي هي محل التساؤل، كما أشار إلى ذلك منتقدو المقترح المغربي الأخير القاضي بالحكم الذاتي للصحراء الغربية.

بالرغم من أن أيام الصحراء الغربية كمحافظة إسبانية كانت معدودة، فلا يزال العديد من الاسبان يقولون إن حكومة فرنكو تصرفت بشكل مختلف، حيث كان يجب أن تحول دون احتلال المغرب للإقليم عام 1975. وفي الواقع، فقد ساعدت الأخطاء التي ارتكبتها إسبانيا على مختلف المستويات على تمهيد الطريق للمشاكل الحالية، في الوقت الذي كان الفهم الأشمل من قبل القيادة العسكرية العليا للحقائق الثقافية والاجتماعية والسياسية الأساسية للمجتمعات الأصلية ستساعد على حل المشكل. ونورد هنا على وجه التحديد، فشل الإسبان في إيلاء الإهتمام الكافي والفهم العميق لكونفدرالية قبائل ارقيبات الشرق الأكثر عددا وتأثيرا، وكذا السياسات العسكرية الجاهلة التي أهانت ونفرت العديد من الصحراويين عن غير قصد. وعلاوة على ذلك، فقد أدى استمرار إسبانيا في الحكم من خلال النخب القبلية التقليدية وكبار السن إلى إشكالية تنامت على نحو متزايد، خاصة بعد فقدان تلك النخب مصداقيتها بين الجيل الأصغر سنا. ومع ذلك، كانت مطالب الوطنيين الصحراويين الأوائل معتدلة نسبيا. ومما يدل عجز إسبانيا عن فهم وإدارة الوضعية المتطورة، المظاهرة الشعبية القليلة العدد برعاية وكلاء الإستخبارات الإسبان وشيوخ من الجماعة التي أصبحت تـُـعرف في تاريخ الصحراء الغربية بإسم “مذبحة الزملة” في يونيو 1970، عندما فتحت قوات الأمن النار على مظاهرة الصحراويين في العيون. وبالرغم من عدم فقدان أي من الإسبان لحياته، إلا أن السلطات الاسبانية ردت بقسوة على إضطرابات الزملة، و”اختفى”  محمد سيدي إبراهيم بصيري أول ناشط صحراوي يضغط علنا من أجل الاستقلال أثناء وجوده في عهدة الجيش الاسباني، ولم تكن وفاته مأساةً فقط ، ولكن أيضا أدت إلى نتائج عكسية بالنسبة لإسبانيا. ووفقا لمؤرخ صحراوي مرموق كان سابقا ضابطا في مخابرات الجيش الإسباني، فإن بصيري لم يكن “محرضا ثوريا بل مُنظــِّرا سلميا للتحرير العربي”، وبالتالي كان يجب جلبه إلى المخيم الإسباني.

خلال هذه الفترة من التوتر المتزايد في الصحراء الغربية، كانت إسبانيا تفتقر لموقف وطني متماسك على الساحة الدبلوماسية. ففي الوقت الذي كشفت فيه تمثيلية إسبانيا في الأمم المتحدة علنا عن استعدادها لحل وسط، أرسلت وزارة الشؤون الخارجية ومكتب الرئاسة إشارات متضاربة. هذا الأخير (مكتب الرئاسة) ـ برئاسة صديق فرانكو المقرب والوفي الأدميرال لويس كاريرو بلانكو ـ كان من حين لآخر يكشف عن جهل كبير وعن عجز مطلق عن فهم مقتضيات الدبلوماسية الدولية في عصر تصفية الاستعمار. وعلى سبيل المثال، عندما تساءل مندوبان شيوعيان في الأمم المتحدة عن السيادة الاسبانية على جزر الكناري، رد معسكر كاريرو بلانكو المتشدد باتهامات عن وجود “مؤامرة يهودية شيوعية”.

في هذه الأثناء، كان المغرب قد أنشأ وزارة الشؤون الموريتانية والصحراوية في عام 1965، وكلفها بالعمل من أجل تحقيق حلم المغرب الكبير. وبالرغم من أن الوطنيين الصحراويين يرون أن المغرب هوعدوهم الأساسي الآن، إلا أن العديد رأى منطقيا أن المحتلين الإسبان هم خصومهم الرئيسيون قبل عام 1975.

في عام 1971 أسس الولي مصطفى السيد الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (جبهة البوليساريو)، التي دعت صراحة إلى الكفاح المسلح. وظلت البوليساريو في أيامها الأولى غامضة حيال هدفها الاستراتيجي الكبير، ولم يكن الاندماج مع المغرب أو موريتانيا خارجا تماما عن هذه المسألة. وبدعم من ليبيا والجزائر وموريتانيا، بدأت قواتها بمهاجمة المصالح الإسبانية بدءا من الغارات على المواقع العسكرية الصغيرة نسبيا. وعلى الساحة الدولية نجحت البوليساريو في لفت الإنتباه إلى قضيتها في الأمم المتحدة وأماكن أخرى، ولكن قيادتها تباطأت في فهم التهديد الذي يشكله تحقيق هدفها النهائي ـ وهو الاستقلال ـ بالنسبة للمغرب.

في عام 1975، وصل الوضع إلى نقطة حرجة. وفي ماي، واجهت بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء الإسبانية مظاهرات درامية مؤيدة لجبهة البوليساريو ومعارضة للتوحد مع المغرب أو موريتانيا، وفي 15 أكتوبر، أصدرت البعثة تقريرا لصالح تقرير مصير الصحراويين. في اليوم التالي، أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي حكمها ضد مطالب المغرب بالسيادة على الإقليم، إلا أن ملك المغرب الحسن الثاني فسره على خلاف ذلك. وفي نفس يوم المحكمة، أعلن الحسن الثاني عما أصبح يُعرف بـ “المسيرة الخضراء” (الأخضر هو اللون التقليدي للإسلام) التي عبَر من خلالها أكثر من 350 ألف شخص أعزل الحدود من المغرب إلى الصحراء الغربية للمطالبة بها من المستعمر السابق. ومع هذا الإعلان، حصل الملك على دعم محلي هائل من مختلف ألوان الطيف السياسي ومن المتطوعين للمسيرة الذين عجت بهم مكاتب التجنيد التي فـُتحت على الفور في جميع أنحاء المغرب.

في هذه الأثناء، كان الدكتاتور الإسباني فرنكو على فراش الموت وتحت ضغطٍ من الولايات المتحدة وفرنسا من أجل التوصل إلى اتفاق مع المغرب والإنسحاب من إقليم الصحراء الغربية. وفي 30 أكتوبر، تجمع المتطوعون المغاربة للمسيرة الخضراء في طرفاية في انتظار كلمة من الحسن الثاني للتحرك إلى الصحراء الإسبانية (التي أصبحت تـُعـرف فيما بعد بالصحراء الغربية أو الأقاليم الجنوبية بالنسبة للمغرب).

في 6 نوفمبر، عبَر المتطوعون الحدود، وتلقى الجنود الاسبان الأوامر بعدم إطلاق النار على المتظاهرين، بل وساعدوهم على تجنب حقول الألغام الأرضية، ومع ذلك كانت هناك بعض الأعمال القتالية في الشرق بين المغاربة وقوات البوليساريو التي احتلت المواقع التي انسحبت منها إسبانيا مؤخرا. وبعد ثلاثة أيام من موافقة إسبانيا على الدخول في مفاوضات للتنازل عن الصحراء، أعلن الملك الحسن الثاني أن المسيرة ستعود إلى طرفاية. وفي 14 نوفمبر وقــَّع ممثلون عن اسبانيا والمغرب وموريتانيا إتفاقية مدريد التي قسَّمت الإقليم بين البلدين الأفريقيين. في المستشفى، توفي فرانكو في وقت مبكر من صباح يوم 20 نوفمبر بعد خضوعه لعمليتين جراحيتين منذ بدء المسيرة الخضراء، وأعلنت اسبانيا أنها سوف تكمل انسحابها رسميا من الصحراء الغربية في فبراير من عام 1976.

بالرغم من أنه نادرا ما تنعكس في سياسات الحكومة الاسبانية الرسمية، إلا أن قضية البوليساريو تتمتع بقدر ملحوظ من الدعم الشعبي في إسبانيا اليوم. هذا الدعم، الذي يمتد من الناشطين السياسيين اليساريين إلى الضباط العسكريين المحافظين، يترجم إلى فوائد ملموسة إقتصادية ومن نوع آخر لصالح العديد من الصحراويين، كما سنرى لاحقا، وذلك ناجم في أغلبه عن الإدراك الجماعي بالذنب إزاء أحداث عام 1975، وعن الإعتقاد بأنه كان بمقدور إسبانيا أن تغير مسار الأحداث وبشكل حاسم. ووفقا لهذا الخط من التفكير، فإن الفشل المسبق لموظفي الإدارة الاستعمارية الاسبانية في إدارة المد الوطني الصحراوي قبل أن يخرج عن السيطرة، بالإضافة إلى عجز الخط المتصلب في مدريد عن الاعتراف بأن تصفية الاستعمار حتمية لا مفر منها، صبت كلها في مصلحة الحسن الثاني.

 وبعبارة أخرى، كان على الإسبان لعب أوراقهم بشكل مختلف، فقد كان بالإمكان أن تستقل الصحراء الغربية بحيث تـُضمن مصالح اسبانيا كما كان بالإمكان معارضة ضم المغرب وموريتانيا للإقليم. وبدلا من ذلك، أصرَّت شخصيات محورية في مدريد ـ بالأخص الأميرال كاريرو بلانكو ـ على أن إسبانيا لن تتخلى عن الإقليم.

تقول إحدى النظريات غير الواقعية وغير الواردة الشائعة, خاصة بين منظري المؤامرة، إن اغتيال كاريرو بلانكو في أواخر عام 1973، الذي تلاه مرض فرانكو الطويل، حرم إسبانيا من ذلك النوع من القادة الأقوياء الذين من شأنهم أن يمنعوا “خيانة” الصحراويين لصالح المغرب وفرنسا والولايات المتحدة والمصالح الخارجية الأخرى. وفي الواقع، يبدو أن الولايات المتحدة قد ضغطت على اسبانيا في هذه القضية وساهمت، جنبا إلى جنب مع فريق للدراسات الإستراتيجية ترعاه السعودية في لندن، في التخطيط للمسيرة الخضراء. وقد لعب الجنرال فيرنون والترز شخصيا، الذي تعود اتصالاته بالنظام الملكي المغربي إلى عدة عقود، دورا هاما في الأحداث التي لعب فيها وزير الخارجية هنري كيسنجر أيضا دورا هاما بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة التي كان يخشى من احتمال تنامي النفوذ الشيوعي فيها.

حتى الآن، وبغض النظر عن أي تدخل خارجي محتمل من قبل الولايات المتحدة أو فرنسا أو أي شخص آخر، لم يكن المجتمع الإسباني بأي حال من الأحوال على استعداد لدعم حرب ضد المغرب حول الصحراء. وعلاوة على ذلك، لم يكن من المحتمل أن تستخدم الحكومة الإسبانية، بقيادة فرانكو غير المريض أو أي شخص آخر، القوة لوقف المسيرة الخضراء أمام الضغوط القوية من الولايات المتحدة من جهة، ولتجنب الصراع العسكري مع المغرب من جهة أخرى. لقد كان إطلاق الجنود الإسبان النار على الجماهير المغربية العزلاء سيثير غضبا دوليا، ويُعرِّض إسبانيا لانتقام إقتصادي ودبلوماسي من الدول العربية ودول الشرق الأوسط التي طالما شكلت عنصرا أساسيا في العلاقات الدولية الإسبانية منذ الحرب العالمية الثانية.

لدى إنسحاب إسبانيا، احتلت البوليساريو بعض مواقعها وهاجمت منها القوات المغربية والموريتانية. ووفقا لشهود عيان، فقد تصرف الجنود المغاربة بوحشية أثناء عملية الغزو وسرعان ما انتشرت أخبار التقتيل على نطاق واسع والاغتصاب وغيرها من الفظائع مما إضطر المدنيين الصحراويين الذين أصدرت لهم البوليساريو في البداية تعليمات بالبقاء إلى  الفرار الجماعي. وما بين ديسمبر 1975 ويناير 1976 فر نحو 40 ألف شخص إلى مخيمات اللاجئين في الصحراء. ويتكون اللاجئون في غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، ذلك أن معظم الرجال انضموا إلى القوة العسكرية للبوليساريو. وفي وقت لاحق شنت الطائرات المغربية هجمات جوية على مخيمات اللاجئين الصحراويين تسببت في مقتل مئات الأشخاص، وفي بعض الحالات أسقطت عليهم قنابل النابالم والفوسفور الأبيض والقنابل الإنشطارية من أجل إجبارهم على العودة إلى المناطق التي فروا منها والتي هي الآن تحت السيطرة المغربية، لكن وبدلا من ذلك، كانت النتائج عكسية إذ بدد المغاربة أي احتمال بالفوز بقلوب الصحراويين. وبالمقابل، ساعد الغزو والنزوح الصحراويين على  كسر الحواجز القبلية التقليدية، وسهــَّـل تنامي الهوية الوطنية الصحراوية بين اللاجئين الذين يعيشون الآن معا في المخيمات.

في فبراير عام 1976، انهت إسبانيا رسميا تواجدها في الصحراء الغربية، وأسست جبهة البوليساريو الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية (الج. الع. الص. الد.) وواصلت قواتها شن هجماتِ حرب عصاباتٍ فعالة على خطوط الإمداد والأهداف الاقتصادية والعسكرية. وبسبب الضعف الحقيقي الذي سببته لها الحرب، سحبت الحكومة الموريتانية قواتها في عام 1979، بل واعترفت بالجمهورية الصحراوية وسط إستياء كبير من الرباط. ولم يكن من المستغرب أن يطالب المغرب على وجه السرعة بالمنطقة التي كانت تحتلها موريتانيا ويضمها، في حين تواصلت الحرب بين المغرب وجبهة البوليساريو. وبفضل مساعدات عسكرية من الجزائر وليبيا، ومن كوبا وكوريا الشمالية كما ورد في بعض الأحيان، شكلت جبهة البوليساريو تحديا كبيرا للقوات المسلحة المغربية طوال فترة الحرب على الرغم من أن المغاربة استفادوا من كميات كبيرة جدا من المساعدات من الولايات المتحدة ومساعدات إضافية من فرنسا والمملكة العربية السعودية، وبلدان أخرى كثيرة. وبعد تبني استراتيجية عسكرية دفاعية تنبني على أساس الخطوط الدفاعية الهائلة المعروفة بإسم “الجدار” أو “الجدار الرملي” نجح المغرب في احتلال حوالي 80 في المئة من الأراضي المتنازع عليها بحلول عام 1991، ولكن القوات المسلحة الملكية كانت غير قادرة على هزيمة البوليساريو بشكل حاسم حيث أن القيام بذلك يتطلب غزو الجزائر التي لا تزال تستضيف مخيمات اللاجئين الصحراويين. وفي عام 1991، دخل وقف إطلاق النار الذي ترعاه الأمم المتحدة حيز التنفيذ.

مع وقف إطلاق النار، لعبت الأمم المتحدة دورا نشطا في محاولة إحلال السلام، ولكن مقاومة المغرب للاستفتاء وهدف البوليساريو المتمثل في الاستقلال التام أدوا إلى عرقلة الجهود الرامية إلى الحل. في عام 1997، عينت الأمم المتحدة جيمس بيكر مبعوثا خاصا للصحراء الغربية، وأثمرت جهوده عن الاتفاقية الوحيدة الموقعة بين المغرب والبوليساريو ـ اتفاقية هيوستن في سبتمبر 1997ـ . واصل بيكر جهوده من أجل الحل إلى غاية 2003 حتى استقال بسبب الإحباط الذي سببه تعنت المغرب، الذي أصبح يتمتع بدعم كبير من واشنطن بعد الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر.

منذ عام 2005، بدأ الوطنيون الصحراويون يستعملون تكتيكات “الانتفاضة” في الأراضي المغربية المحتلة، فيما بدأ الإستياء المتزايد في مخيمات اللاجئين بتندوف يتضح وخاصة بين جيل الشباب. وكما سنرى لاحقا، هناك أيضا الكثير من الخوف من أن يمتد تأثير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتأثير مصادر عدم الاستقرار المحتملة الأخرى في منطقة الساحل إلى مخيمات اللاجئين والصحراء الغربية.

دور الجغرافيا

التضاريس:

قد لا يفهم المرء الجذور الاجتماعية والثقافية لتمرد البوليساريو، والإنجازات العسكرية، أو السبب الذي جعل كلا الطرفين يستقرون في نهاية المطاف على وقف إطلاق النار، دون فهم جيد للتركيبة المادية والبشرية للصحراء الغربية التي من المؤكد أنه قد طرأت عليها تغيرات. وفي الواقع، أدت هذه التغيرات إلى خلق الظروف المناسبة للتمرد ومكنته من التطور بنجاح. وفي نفس الوقت، اكتسب المغرب شيئا فشيئا القدرة على الرد وعلى تغيير الظروف الجغرافية التي ساعدت على تحقيق وقف إطلاق النار عام 1991، إلا أن الإجراءات التي اتخذها المغرب جعلته أيضا أكثر مراوغة نوعا ما في أي حل طويل الأمد.

كما رأينا، فإن شمال الصحراء الغربية هو مناسب بصفة خاصة لأنشطة حرب العصابات، إذ يقدم تغطية واسعة ومناطق جيدة لبناء قواعد صغيرة بالنسبة لأولئك الذين يعرفون التضاريس جيدا. أما الجزء الجنوبي من الإقليم فقد شكل هو أيضا عائقا لجهود مكافحة التمرد. وبفضل حسن استخدامهم لمعرفة التضاريس، استفاد المتمردون من الكم الهائل من المساحة ومن محدودية موارد أعدائهم نسبيا وعدم إلمامهم بالبيئة. خلال الفترة الاستعمارية، عندما بدأ الاسبان والفرنسيون باستخدام الطيران للمراقبة الجوية لجأ المتمردون للعمل ليلا لتجنب الكشف الجوي. وعندما أصبحت البوليساريو تنشط في المنطقة خلال العقود السابقة، أثبتت العمليات الليلية فعاليتها. وخلال عقد 1980، إعتقد بعض المراقبين أن اكتساب المغرب لتكنولوجيا الأشعة تحت الحمراء سيكون كارثة على البوليساريو. وكان المغرب خلال هذه الفترة، قد قام أيضا بتنصيب أنظمة رادار وستنغهاوس (Westinghouse) وغيرها من معدات الكشف الإلكترونية المقدمة من فرنسا والولايات المتحدة التي تزوده بالمعلومات الإستخباراتية. ومع ذلك ظلت التضاريس في صالح المتمردين بالرغم من أي تفوق تكنولوجي جديد لصالح المغرب. وكما أن القوة الجوية وحدها لم تحرز التفوق بالنسبة للفرنسيين والاسبان، فإن الرادارات وأجهزة الاستشعار الإلكترونية خلال عقد 1980 لم تـُحدث فارقا حاسما في حملات مكافحة التمرد المغربية ضد جبهة البوليساريو؛ ربما بسبب عدم القدرة على شراء تكنولوجيا الأشعة تحت الحمراء الكافية، أو بسبب سوء التدريب، أو لأن الأجهزة لم تكن تتحمل درجات الحرارة العالية أو أنها لم تكن تستطيع اختراق جسيمات الغبار والضباب الكبيرة بفعالية. هذا بالإضافة إلى أن الجيش المغربي لم يكن يمتلك ما يكفي من الرادارات لتغطية جميع مواقع تمركزه النائية. وما إن إتضحت عدم فعالية هذه القيود وتكتيكات البحث والتدمير حتى بادر المغرب إلى تركيز إهتمامه على “المثلث المفيد” في الشمال المتكون من البؤر السكانية للعيون والسمارة ومناجم الفوسفات في بوكراع، ومن ثم وضع استراتيجية الجدار الرملي الدفاعية. هكذا، وفقط بعد اعتماد استراتيجية جديدة تقوم على نظام الجدران المتطورة والمكلفة، بدأ التفوق التكنولوجي والمادي للقوات المغربية في التغلب على المزايا الجغرافية التي طالما تمتعت بها قوات البوليساريو. ومع ذلك، لم يتمكن المغاربة إلا من السيطرة على التمرد لكنهم لم يتمكنوا من دحره نهائيا.

الموارد الطبيعية:

لقد أعطت الموارد الطبيعية في الصحراء الغربية شكلا للجغرافيا البشرية خارجا عن المصالح وعن حركات التمرد بطرق شتى. فعلى الرغم من أنه من غير الصحيح أن نعــزو التوسع المغربي في الصحراء الغربية فقط إلى الموارد المعدنية هناك، إلا أن المغرب سعى بوضوح من أجل الكسب من وراء الإستغلال الكامل لتلك المعادن. بدأت الرغبة في تطوير الإمكانات الاقتصادية التي تقدمها جغرافية الصحراء الغربية تتنامى بشكل جدي بعد اكتشاف حقولٍ شاسعة من الفوسفات من قِـبل الإسبان بعد الحرب العالمية الثانية. الفوسفات هو مورد محدود ضروري بالنسبة للزراعة الصناعية الحديثة، والطلب العالمي عليه في تزايد كما أن سعره في ارتفاع. وفي الواقع، سيكون الفوسفات على الأرجح ضروريا لمزيد من التنمية الزراعية في الهند وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وفي أجزاء أخرى كثيرة من العالم.

لقد علقت مدريد آمالا كبيرة على جني مكاسب اقتصادية من خلال استغلال مناجم الفوسفات في بوكراع التي تم اكتشافها من قِـبل جيولوجي إسباني عام 1947، ولكنها لم تتمكن من استخراج وتصدير الفوسفات إلا في عام 1972 عبر أطول حزام ناقل في العالم يمتد على طول أكثر من 100 كيلومتر إلى ميناء العيون. وكان مسؤولون عسكريون إسبان قد أوصوا ببناء خط سكة حديدية بدلا من الحزام الناقل الذي تم تقسيمه إلى عدة قطاعات يتراوح طولها ما بين 7 و 11 كلم لكل منها، لأنهم يعتقدون أن الحزام سيكون أكثر هشاشة وأكثر عرضة للتخريب. وكما كان متوقعا، فقد نفذت وحدة كوماندوس تابعة للبوليساريو تتألف من سبعة رجال بمساعدة العمال المحليين عملية، في أكتوبر 1974، شلت من خلالها الحزام الناقل. وباستئناف العمليات العسكرية بعد الانسحاب الإسباني أواخر عام 1975، كان بوكراع والحزام الناقل الهدف الأول سواءً بالنسبة لهجمات البوليساريو أو لإستراتيجية المغرب الدفاعية منذ ذلك الحين.

  يصف كبار العارفين بالصحراء الغربية احتياطيات الفوسفات في بكراع بأنها” ذات جودة عالية للغاية “، ملاحظين أنها  قريبة من السطح. لكنهم يكتبون أيضا أن الفوسفات كلف المغرب في البداية أكثر مما كان يستحق، مشيرين إلى النفقات التي تكبدها لحراسة المنجم والشريط الناقل والانخفاض الحاد في أسعار الفوسفات في أواخر السبعينيات. 32  إلا أن بعض المسؤولين في منجم بوكراع، يصفون الفوسفات هناك على أنه من نوعية رديئة ويدعون بأن استخراجه ليس فعالا من حيث التكلفة بالنسبة للمغرب، مما يعني أن مصلحة البلاد في إنتاج الفوسفات في الصحراء الغربية نابعة من رغبة سياسية لإثبات الإلتزام الاقتصادي للمغرب تجاه المنطقة.33

رغم ذلك، حتى ولو كان هذا الإدّعاءِ حقيقيَا، ليس هناك شك في أن المغرب، الذي هو المصدّرُ الأكبر للفوسفاتِ في العالمُ ، يَفْهمُ جيدا أهميةَ المادةِ لوضعية البلادَ الإقتصاديةِ الحاليةَ والمستقبليةَ، والمغرب قَدْ يكسبُ بين 80 و150 مليون دولار سنويا من بوكراع  وحده. والنِقاشات الاخيرة حول “نظرية فوسفاتِ القمة” تبرز الأهمية المستقبلية لهذه الثروة على المسرح العالمي. 34 طبقاً لأحد التحاليل، سَتَنْفذُ الإمدادات الأمريكيةِ من الفوسفاتِ في غضون العقود الـ4 المقبلة، لكن المغرب لديه من الإمدادات ما يكفي على الأقل ل300 سنةِ، والأكثر إثارة هو تنبؤات أخرى حول قدرةِ المغرب على السَيْطَرَة على السوق العالميةَ. بدون الفوسفاتِ، سينخفض إنتاج الأغذية عالميا، مما سييُساهمُ في حدوث مجاعاتِ محتملةِ في البلدانِ الفقيرة. وفي الحقيقة، فالموضوع يمكن أن يغير التقديرات الحاليةِ للمصالح الستراتيجيةِ الأمريكيةِ في المنطقةِ. نظرياً، قَدْ تستفيد الولايات المتّحدة وآخرون من إستقلالِ الصحراء الغربية.، فقوَّةَ موقعِ  المغرب في السوقَ من حيث إنتاجِ الفوسفاتِ، والذي قد يصل إلى 85% من احتياطات الفوسفات العالمية (بما في ذلك الصحراء الغربية)، ستنخفض حينئذ.35

في الوقت الحاضر، مع ذلك، ربما يكتسي صيد الأسماك قبالة ساحل الصحراء الغربية أهمية اقتصادية مباشرة أكبر من إنتاج الفوسفات. فقد جلب الصيد للمغرب الملايين، وربما المليارات، من الدولارات بصورة مباشرة وغير مباشرة، وهذه الأخير من خلال عقود مع الاتحاد الأوروبي (EU) وبلدان أخرى. 36 وقد نازعت البوليساريو بقوة حول حق المغرب في السيطرة على هذه المياه، وتصرفت في بعض الأحيان بقوة مع قوارب الصيد من اسبانيا وغيرها التي دخلتها. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الإجراءات، وموقف الأمم المتحدة من الموضوع، واحتجاجات البوليساريو، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقات مع المغرب حول مياه الصحراء الغربية، علما أن الولايات المتحدة رفضت التفاوض مع المغرب على مياه الإقليم المتنازع عليه.37   بالإضافة إلى ذلك، ورد أن مصالح صيد خارجية تقدم رشاوى للمسؤولين المغاربة من أجل الصيد قبالة ساحل الصحراء، مما أدى إلى صيد مبالغ فيه مدمر. 38

وجلبت الإمكانية المحسوسة لوجود ثروة طبيعية أخرى، وهي المحروقات، الانتباه إلى الصحراء الغربية منذ العهد الإسباني. والمغرب الذي ينفق كثيرا على واردات النفط، لديه مصلحة منطقية في أي وجود للنفط هناك، كما هو الشأن بالنسبة لكبريات الدول المستهلكة في جميع أنحاء العالم. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، قد أبانت عن ميل متزايد إلى النظر إلى غرب أفريقيا بحثا عن النفط، كما يشهد على ذلك استعداد واشنطن للتغاضي عن الكثير من الجوانب المزعجة للنظام في مستعمرة اسبانية سابقة أخرى، هي غينيا الاستوائية. ورغم أن مدريد أبرمت عقودا للمسح والتنقيب عن النفط في الصحراء من قبل الشركات أجنبية، إلا أن تلك الاتفاقيات لم تعد بفوائد اقتصادية عملية، ومنذ الانسحاب الاسباني، أخافت الوضعية الخلافية المستثمرين المحتملين. في هذا الشأن، قامت البوليساريو بعمل فعال في مجال العلاقات العامة، وتمكن نشطاء حقوقيون من إقناع شركةَ نفط أمريكيةَ بالإنسِحاب مِنْ إتفاقيةِ مبرمة مَع المغرب. 39 والساحل الأطلسي يوجد أيضاً ضمن الاهتمامات الجيوسياسية للجزائر من خلال إنشاء ميناء صديق هناك، وبذلك محاصرة المغرب. ورغم أن إنشاء الميناء ليس هو سبب تصرفات مختلف اللاعبين، إلا أنه ساعد على تعزيز التحالفات الدبلوماسية والعسكرية مع البوليساريو.

الرملَ والملحَ هما الصادران الآخران مِنْ الصحراء الغربيةِ. حسب الأرقام التي أثبتتْها المنظمةِ الموالية للصحراويين وهي لجنةِ حمايةِ المصادرِ الطبيعيةِ للصحراء الغربيةِ (CSPRON) في 2009، فإن 9.4 مليون طن مِنْ الرملِ و2,200 طنِ مِنْ الملحِ يصدّرها المغرب سنوياً مِنْ الصحراء الغربيةِ. 40

الجغرافيا البشرية

كما يقول زونس ورودي، إذا ما حصلت الصحراءالغربية على الاستقلال، فستكون واحدة من أقل البلدان سكانا في العالم. في سنة 2000، أحصت الأمم المتحدة 86000 من سكان الصحراء الغربية الأصليين البالغين سن الإنتخاب. وإذا كان العدد الاجمالي الفعلي هو أكثر من ضعف هذا الرقم، فلا تزال الصحراء الغربية تعرف إحدى أقل كثافات السكان في المعمورة. النصف الآخر الذي يعيش في “الأرض المحتلة” تحت السيطرة المغربية، يشكل الآن أقلية السكان إذ يفوق عدد المستوطنين والجنود المغاربة عدد السكان الأصليين. قرابة نصف السكان الأصليين عاش كلاجئين في الجزائر منذ 1976. وحسب تقرير لهيومن رايتس ووتش صادر في ديسمبر 2008، فإن المخيمات قرب تيندوف تؤوي حوالي 125000 شخصا.

ومع ذلك، فالأرقام وحدها لا تروي القصة. فالتقاليد البدوية تعني أن المفاهيم الغربية المتعارف عليها وحتى المفاهيم الشمال إفريقية للحدود، الملكية، والولاية القضائية الحكومية كان لها تاريخيا تطبيق محدود نوعا ما في الصحراء الغربية. إضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى عدة ميزات خاصة بالسكان الأصليين – الذين “هويتهم” هي تطور حديث وهي محل خلاف ما. فكلمة الصحراويين ككلمة تعني السكان الأصليين للصحراء الإسبانية ظهرت في منتصف القرن العشرين، وبعض الباحثين والعديد من المغاربة يصف الهوية الصحراوية على أنها افتعال مصطنع كليا.42

مسائل العرق، التاريخ، والتقاليد الثقافية المعقدة تجعل من الصعب التعميم بالنسبة للصحراويين. فمنذ فترة الاستعمار، صنف المراقبون الأجانب مجتمع الصحراء الغربية على أنه “قبلي” – تنقسم فيه القبائل إلى فروع، عروش وعائلات، بينها تحالفات وتنافسات معقدة وأحيانا متداخلة. تم تصنيف الصحراويين على أنهم طوائف وقبائل تابعة لمسميات مثل “عرب حسان” (أحفاد العرب والمحاربين)؛ “الشرفة” (أحفاد الرسول)؛ “الزوايا” (أهل القرآن، أو”العلم”)؛ “الزناكة” البربر (“صنهاجة” بالعربية – مرتبطون بالحياة الرعوية والصيد البحري)؛ أو “تكنه” (قبائل متنوعة من شمال الصحراء ومنطقة طرفاية). ومع ذلك فهذا التصنيف يوحي بطبيعة منظمة وثابتة للمسميات، إلا أن ما يسمى بالطوائف والقبائل ومميزات كل منها قد تكون ديناميكية ومتداخلة.43 ومن جهة أخرى، فقد حددت الهويات القبلية والعلاقات البين عرقية بشكل لا ينكر شكل عدة جوانب من تاريخ الصحراء الغربية، وظل تأثيرها الاجتماعي والسياسي، مهما تضاءل، قائما.

تاريخيا، غالبا ما كان نجاح أو فشل السياسات الاستعمارية الاسبانية في المنطقة متوقفا على فهم القادة العسكريين للهويات العرقية المحلية والتقاليد التاريخية. فالاحتلال السلس نسبيا في 1934 لمنطقة إيفني من طرف إسبانيا كان مرده، إلى حد كبير، إلى فهم العقيد أوسفالدو كاباث الاستثنائي للقيادة، المجتمع والثقافة المحليين. منطقة إيفني تقع إلى الشمال من الحدود الشمالية الحالية للصحراء الغربية. ولكن كما كان كاباث يعرف جيدا، فبالرغم من قربهم، إلا أن سكان إيفني كانوا أكثر ميلا إلى الإقامة المستقرة من سكان الصحراء الغربية البدو، مع ما يرافق ذلك من اختلاف في مفاهيم الملكية وسلطة الدولة، وكان يكيف تعاملاته مع القادة المحليين على ذلك الأساس. بالمقابل، لم يكن المدراء العسكريون الإسبان اللاحقون في الصحراء الغربية على قدر فهم كاباث للتنظيمات القبلية والاجتماعية. وبسبب إفتقارهم للمعرفة، خصوصا حول أهم التجمعات في الإقليم – اتحادات الرقيبات – ارتكبوا أخطاء سياسية لعبت أدوارا محسوسة في إضعاف السلطة الإسبانية وفي الظروف الأقل من مثالية المحيطة بانسحاب إسبانيا من الصحراء بعد ذلك بأربع عقود.44

يشترك السكان الأصليون للصحراء الغربية في تشابهات كثيرة مع المجموعات العرقية للعرب والأمازيغ (البربر) في شمال إفريقيا، وبالنسبة للكثيرين من المغاربة، لا تكفي الفروقات بينهم والصحراويين لحرمان الأخيرين من هوية مغربية. على سبيل المثال، رغم أن البداوة ميزت تقليديا العديد من قبائل منطقة الصحراء الإسبانية، إلا أن أجزاء من المغرب كذلك لها تقاليد بدوية قوية. إلا أن الوطنية الصحراوية الحديثة تشدد على الميزات اللغوية، الثقافية، والبدوية والتقاليد التي يعتقد الوطنيون أنها توحد بشكل فريد كل الصحراويين وتميزهم عن غيرهم – خصوصا المغاربة. وفي نفس الوقت، تنكر البوليساريو – وتكبت بقوة – التمايزات والتسلسلات الهرمية القبلية التقليدية داخل الصحراء الغربية.

كما هو عليه الحال في الغالب,   تعكس اللغة مشاعرالهوية الوطنية  وتعززها .الصحراويون  ليس فقط انهم يفضلون اللهجة الحسانية على اللهجة المغربية” الدارجة”  ولكنهم ايضا, عند استخدامهم للغات الاوروبية, يظهرون تفضيلا لاستخدام اللغة الاسبانية عن تلك  الفرنسية التى  يربطونها بالمغرب. وفي الواقع فان الهوية الوطنية الصحراوية الحديثة تتأثر بمكونات يعود اصلها الى الاستعمار الاسباني الطويل والى الروابط الحالية مع كوبا. والغريب ان الاستعمار الاسباني عزز انتشار اللهجة الحسانية: فبعد استعمار اسبانيا لإيفني سنة 1934م  تعززت العلاقة بين قبائل ايت بعمران بجيرانها. ومع الوقت اتسع بشكل ملحوظ استخدام الحسانية من طرف قبائل ايت بعمران الذين يتكلمون  لهجة “تاساسيت” ذات الاصل البربري. وتماشيا مع نفس المنحي فان الجيل الثاني الحالي  من “االمستوطنين”  النازحين من المغرب الى الصحراء الغربية يتحدثون في الغالب بالحسانية.

من الواضح ان اللغة عامل  رئيسي في الهوية الوطنية الصحراوية كما تعكس ذلك اهم  التعريفات للصحراويين ” الأشخاص الذين يتحدثون بالحسانية ويدعون الانتماء الى احد المجموعات الاجتماعية    ( القبائل) التى تقيم بما يعرف اليوم باسم الصحراء الغربية او حولها”  ولكن حتى هذا التعريف يبقى غير دقيق بالشكل الذي كتبه به اصحابه.

 سياسة الحكومة المغربية في جلب المواطنين الى المنطقة  والتى تهدف وبنية مبيتة  الى تغيير الخريطة الديموغرافية التقليدية للاقليم, زادت من الارتباك في  الامر.   المستوطنون المغاربة في الصحراء  الغربية  يوجد من ضمنهم  العديد من الصحراويين القادمين من جنوب المغرب. ورغم انهم يتقاسمون اللغة والنظام الاجتماعي مع اولئك المنحدرين من الصحراء الغربية الا ان ولائهم السياسي  العام وشعورهم بالهوية الوطنية قد يختلف.

وغني عن القول فان غياب اتفاق على مسألة تحديد ” من هم  الصحراويين  ” الحيوية يزيد من  تعقيدات مجهودات الأمم المتحدة  وغيرها الرامية  الى اجراء احصائيات موثوق بها واجراء الاستفتاء. وميول  المغرب لاستغلال الامر لصالحه هو امر لا يساعد. وعلاوة على ذلك فان الدرجات المختلفة للتعاون  بين بعض  الصحراويين  مع السلطات المغربية والذي لم يختف طوال السنين يخلق مزجا  متناقضا في الهويات السياسية والعرقية . متى ماتيسر للبوليساريو تحقيق هدفها المثمثل في الاستقلال التام  فان الخطوة الموالية ” تصفية الحسابات” مع العملاء الصحراويين  الذين اعترفوا  واستفادوا من  سيطرة المغرب  ستكون فظيعة وقد تسبب في حرب اهلية.

المناخ ،السياسات و التحولات في الجغرافيا البشرية

جهود اسبانيا وسياساتها الإنمائية في المنطقة , بالرغم من تواضع المقارنة بينها ومشاريع التحديث بالولايات المتحدة الامريكية إبان حقبة الحرب الباردة, سببت في تزايد ميول الرحالة التقليديين من أهالي الصحراء لإعتماد اساليب جديدة من الحياة أكثر هدوءا واستقرارا.  فمع مطلع الخمسينيات من القرن الماضي تراجع  عدد القاطنين بالبوادي من الصحراويين بسبب قساوة الظروف المناخية  وصعوبة الطبيعة وقلة الامطار وانتشارالجفاف في أغلب الاحيان وهي العوامل أدت الى هلاك العديد من قطعان الماشية( الابل و الاغنام ) التي كانت مصدرا رئيسيا لقوت سكان المنطقة وتحديدا في الفترة ما بين 1952-1969م.  وهذا الشيء  هو الذي يفسر لنا لاحقاٌ وبشكل جلي كيف تغيرت قوات البوليساريو من جيش صحراوي تقليدي يستخدم الجمال في ترحاله الى جيش صحراوي متقن ومكتمل الصفوف يعتمد   بشكل كبير على استخدام  سيارات لاندروفير الحديثة كبديل لوسائل النقل البدوية القديمة .

لغاية الانسحاب الاسباني من الاقليم سنة 1975,كان لزيادة نزوح السكان للتمركز بالمدن والنموء الاقتصادي ,مع  محدوديته, تبعات متعددة الاوجه: فالأيديولجيات الوطنية المناهضة للاسبان اولا, ثم للمغرب بعد ذلك, تنامت وانتشرت بسرعة في الأماكن ذات الكثافة السكانية اكثر مما هو عليه الحال بين القبائل المتفرقة والمتنقلة بالصحاري . كما ان زيادة الوعي باهمية استغلال الثروات الطبيعية حفزالمشاعرضد المستفدين الأجانب من ارباحها في الوقت الذي كان فيه الصحراويون  يصنفون في ادني سلم درجات الفقر.كما يبدو كذلك ان التجمعات السكانية جلبت معها زيادة في طلبات المواد الاستهلاكية وزيادة في التذمر من الأوضاع السائدة . وعلاوة على ذلك وجدت الخطابات المناهضة للاستعمار وتلك الداعية للقومية العربية اذانا صاغية اكثر, خاصة من قبل الاجيال الشابة.

 في ذلك الوقت ,  الثروات الاقتصادية الطبيعية للصحراء لم تزد الرباط الا فضولا, اين اصبحت الصحراء الغربية تشكل جزءا هاما من تصور الوطنيين لمسألتي  ” المغرب الكبير”   و “شرعية السلالة العلوية”

. طيلة الحقبة الاستعمارية الاسبانية كان المغرب مهتما بتحفيز الصحراويين على مقاومة  المستعمر الاسباني  بالرغم من ان الصحراويين كانوا في نهاية المطاف سيقفون ضد الاطماع التوسعية للرباط الساعية الى ضم ارضهم.

الأيديولوجيات  والمنظمات

قوة الايديولوجيات الرئيسية لأطراف النزاع بالصحراء الغربية ساعدت على تفسير السؤال الذي يطرح نفسه دائما وهو لماذا دام  الصراع وقتاٌ طويلا .

ابان استقلال المغرب, علال الفاسي, الآب المؤسس  للوطنية المغربية ورئيس حزب الاستقلال  نشر خارطته  ” المغرب الكبير” والتى اصبح انجازها هدفا علنيا للمملكة المغربية . وقال انه وبالرجوع الى القرن الحادي عشر فان الحدود التاريخية للمغرب  تشمل جزءا كبيرا من شمال غرب افريقيا بما في ذلك اجزاء معتبرة من الجزائر ومالي وكامل الصحراء الغربية وموريتانيا وتمتد جنوبا الى غاية نهر السنغال.

في اكتوبر 1957م  الدولة المغربية الجديدة اعتمدت رسميا  ايديولوجية ” المغرب الكبير”. والاسرة العلوية ارهنت شرعيتها جزئيا بالمحافظة على ضم

 ” الاقاليم الجنوبية” التى تسمى الصحراء الغربية . احد مكونات الثوابت الوطنية المغربية  التى لاقت اجماعا وطنيا واسعا هو مسألة الايمان بمغربية الصحراء.  و الملك الذي كان هدفا لمحاولات قتل عدة ولانتفاضات بسبب التدهور المعيشى وتهديدات اخرى, كان دائما على استعداد لاستغلال هذه المسألة الوطنية خاصة في اوقات الازمات.

 .أيديولوجية جبهة البوليساريو تنتهج اسلوبا مماثلا للقومية يقوم على استخدام الشعور الوطني القوي  المرتكز على مفاهيم مثل السيادة و مناهضة الاستعمار و التشبث بالهوية الوطنية الصحراوية .

كما رأينا فإن الهوية الوطنية الصحراوية الى حد كبير (ان لم يكن كلياٌ ) هي حديثة عهد والاستعمار الاسباني لعب دورا رئيسياُ في تأسيس وتطوير القومية في الصحراء الغربية  دون ان يدرك ذلك .

حتى  ولو أن القومية الصحراوية تبدو و كأنها مصطنعة وتفتقر لجذورتاريخية عميقة , إلا أنها اظهرت فعالية بارزة  في حشدها للقوة الداعمة لثورة البوليساريو  يمكن للمرء فضلا عن ذلك ان يجزم ان كل القوميات هي كيانات” مصطنعة” تخدم المصالح السياسية .على أي حال فإن تصرفات  اسبانيا والمغرب خصوصا في بداية  سنة 1975   ساهمت  بقسط وافر في توحيد الصحراويين معا لمواجهة التهديد المشترك .تعرضهم معا كلاجئين للقصف بالطيران الحربي المغربي ومواجهتهم معا لصعوبات جمة اخرى جعل الفوارق القبلية التقليدية بينهم تتضائل  وتعزز لديهم  مفهوم المجتمع والهوية المشتركة.ومهما يكن فان مكاسب البوليساريو لم تقتصر فقط على  مسألة بناء هوية صحراوية قوية, مصطنعة كانت. فالبعد الوطني للحركة وتنظيمها الحديث ذو البعد الاجتماعي والثقافي يفسران سر نجاحها.

 تأسست البوليساريو بعقيدة تعكس بقوة مدى تأثرها بالحركات التحررية العربية التى تجسدها مصر عبد الناصر وجزائر هواري بومدين وليبيا القذافي. ولذلك فانه لم يكن مفاجئا تصنيف كفاح البوليساريو تحت طائلة الحركات الثورية.

 في حقبة الحرب الباردة منهج مثل هذا لم يكن بالتأكيد سيسهل قضية مناصرته   من قبل الدول الغربية . ومع انها كانت تعول على دعم كل  من الجزائر وليبيا الا ان قيادة البوليساريو ادركت ان عليها التخلي عن نهجها الاشتراكي والقومي العربي الذي بدأت به.

 حسب شهادة أحد زعمائها التاريخيين البوليساريو كانت دائما حركة وطنية وليست حركة ماركسية. كان هناك العديد من الماركسيين ولكن هناك ايضا العديدين ولكن بتوجهات مغايرة.

في  الواقع ومن  الناحية العملية فان الجوانب الاكثر ثورية للحركة تتمركز بشكل اوسع  في  الجوانب الثقافية  اكثر منه في  الجانب الاقتصادي الماركسي. ويتجلى ذلك في:

 رفضها للانتماءات القبلية التقليدية والتصنيفات الطبقية , إعطاء الاولوية للتعليم و إلغاء العبودية و دعم حقوق المرأة . وكان ذو دلالة تمكن البوليساريو من كسب دعم   بعض اهم المناصرين الدبلوماسيين والسياسيين  المحافظين الاسبان مثل رئيس الوزراء السابق خوسي ماريا آزنار الموالي للولايات المتحدة الآمريكية (1996-2004) الذي اولى دبلوماسية عملية و مساعدة أخلاقية للبوليساريو أكثر ممن سبقوه او خلفوه من الاشتركيين .

الناطق الرسمي باسم البوليساريو وصف دولته بالراغبة في السلام لكنها تكافح من اجل الاستقلال وصيانة حرمة الارض وثرواتها الطبيعية.

دعم المحافظين  للبوليساريو يأتي كنتاج لمزيج تقليدي معقد بين الأيديولوجية الاستعمارية الاسبانية والشعور بالذنب حيال”الغدر”بالصحراويين في سنة 1975 ثم العلاقات الجيدة التي كانت تقوم  بين الاسبان ورفاقهم الصحراويين في الجيش.

 

في فبراير 1976 اعلنت جبهة البوليساريو عن قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية كدولة جديدة مستقلة ذات سيادة ويحكمها نظام ديموقراطي واسلامي و اعلن المتحدث باسمها  ورغبة منها في السلام ، انها تناضل من اجل استقلال وسلامة اراضيها ومواردها وثرواتها الطبيعية.

عند تأسيسها اتخذت  جبهة البوليساريو توجها اشتراكيا واعتمدت المنهج الفيتنامي والجزائري في بنائها العسكري.

تنظيميا فان البوليساريو تتكون من ثلاثة اجنحة : الجناح السياسي للعمليات الدعائية والنفسية ، الجناح الديبلوماسي والجناح العسكري والذي كلف في البداية بمهاجمة القوات الاسبانية.

الامين العام يعد الشخصية المحورية للجبهة الذي يساعده مجلس تنفيذي من تسعة اعضاء هاولاء الاعضاء التسعة من ضمن واحد وعشرين عضوا اخرين يشكلون المجلس التنفيذي.

ثلاثة اعضاء من الجاح التنفيذي مسؤولين عن المنظمات الجماهرية بما في ذلك الفئات الاجتماعية الثلاثة : العمال ، الفلاحين والنساء. انتخاب اعضاء المكتب السياسي التسعة عشر عضوا من اللجان الشعبية ليكونوا بذلك المجلس الوطني الشعبي.

وفي قاعدة المنظمة كل عشرة اشخاص يكونون خلية وكل فصيلة او فرقة لها تسلسلها الهرمي السياسي والعسكري الخاص بها.