;h الضمير ينشر في اربع حلقات ملخص مفصل بالعربية، للكتاب الصادر عن معهد الدراسات الاستراتجية وصحافة الكلية الحربية الامريكي  حول القضية الصحراوية  المعنون ب”الحرب والتمرد في الصحراء الغربية”، وهو احد المعاهد المقربة من البنتاغون .

الحلقة الاولى :

معهد الدراسات الإستراتيجية

و

صحافة الكلية الحربية للجيش الأميركي

الحرب و التمرد في الصحراء الغربية

بحث هيئة الموظفين         مـــــــــاي 2013

إن الأراء الواردة في هذا التقريرتعبر عن وجهة نظرالمؤلفين و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية   أو موقف الجيش أو وزارة الدفاع أو سياسة حكومة الولايات المتحدة. فالمؤلفون العاملون بمعهد الدراسات الإستراتيجية (SSI)  و أصدارات صحافة الكلية الحربية للجيش الأميركي (USAWC) يتمتعون بالحرية الأكاديمية الكاملة وذلك مقابل عدم كشف المعلومات السرية، أو تعريض أمن العمليات للخطر أو تحريف السياسة الأمريكية الرسمية. و تمكنهم إن هذه الحرية الاكاديمية من تقديم وجهات نظر جديدة و مثيرة للجدل أحيانا وذلك بهدف تعزيز النقاش بشأن القضايا الرئيسية.                                                  إن الاطلاع على هذا التقرير متاح للعامة و توزيعه غير محدود.

  يخضع هذا المنشور للعنوان 17 من قانون الولايات المتحدة، قسم 101 و 105. و هو في متناول العامة  و لا يجوز التمتع بحقوق الطبع والنشر.

  نرحب بالتعليقات المتعلقة بهذا التقرير ويجب أن توجه إلى: المدير, معهد الدراسات الإستراتيجية , صحافة الكلية الحربية للجيش الأميركي و الكلية الحربية للجيش الأميركي,  47 Ashburn Drive, Carlisle, PA 17013-5010..

  إن جميع منشورات معهد الدراسات الإستراتيجية  (SSI) ومطبوعات صحافة الكلية الحربية للجيش الأميركي (USAWC) يمكن تحميلها مجانا من الموقع الخاص بالمعهد. كما يمكن الحصول على نسخ مطبوعة من هذا التقرير مجانا ما لم تنفذ الكميات المتوفرة و ذلك بتقديم طلب من خلال موقع معهد الدراسات الإستراتيجية . و يمكن اقتباس منشورات الــ (SSI) أو إعادة طبع جزء منها أو كلها و لكن بعد الحصول على إذن أو التصريح الممنوح لمعهد الدراسات الإستراتيجية  التابع للجيش الأمريكي و صحافة الكلية الحربية للجيش الأميركي و الكلية الحربية للجيش الأميركي Carlisle Barracks, PA.

و يمكنكم الاتصال بمعهد الدراسات الإستراتيجية  من خلال زيارة موقعنا على الانترنت على العنوان التالي: www.StrategicStudiesInstitute.army.mil

يقوم معهد الدراسات الإستراتيجية  و صحافة الكلية الحربية للجيش الأميركي بإصدار نشرة شهرية عبر البريد الالكتروني و ذلك لإطلاع مجتمع الأمن القومي على البحوث التي يقوم بها محللونا , الاصدارات الحديثة و المقبلة والمؤتمرات القادمة برعاية المعهد. كما تحتوي النشرة على تعليق استراتيجي لأحد محللينا الباحثين. وإذا كنت من المهتمين بتلقي هذه النشرة، يرجى الاشتراك عبر موقع SSI التالي: /www.StrategicStudiesInstitute.army.mil/newsletter

ISBN 1-58487-569-0

تمهيد

يتمتع المغرب بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة باعتباره حليفا رئيسيا من خارج منظمة حلف شمال الأطلسي وهذه العلاقة ما فتئت تتعزز خلال السنوات الأخيرة. ولا يقتصر الأمر على كون المغرب  مستقرا و كونه بلدا عربيا مسلما نهج الليبيرالية و الدمقرطة  ولكنه كان أيضا شريكا هاما  في مكافحة الإرهاب و في السعي الى تحقيق السلام في الشرق الاوسط. و يتلقى المغرب من المساعدات الخارجية الأمريكية أكثر من أي بلد مغاربي آخر. و سيواصل الجيش الأمريكي المشاركة في العديد من الأنشطة, بما في ذلك التدريبات الرئيسية و الأنشطة الأمنية الصغيرة الموجهة و التي تهدف الى بناء قدرات الشركاء و الحفاظ على علاقات جيدة بهم.

و الى حد الآن و بالرغم من عقود اتسمت بالحرب و التورط العسكري  و الدبلوماسي الأمريكي الكبير و تدخل منظمة الأمم المتحدة منذ فترة طويلة, فإنه لا توجد أفق للحل لصراع المغرب مع الوطنيين الصحراويين.

هذه الدراسة، التي أنجزت في سبتمبر 2012،  تتعرض لتاريخ الصراع  ــ الذي تميز  بالتمرد (الثورات)  و الحرب النظامية    والانتفاضة  و بأطول خط عسكري في العالم لا يزال في الاستخدام ــ      ويقدم دروس قيمة للمخططين العسكريين و الى صناع القرار على حد سوى.

DOUGLAS C. LOVELACE, JR.

المديـــــــــــــــــــر

معهد الدراسات الإستراتيجية

 صحافة الكلية الحربية للجيش الأميركي

 

ملخص

شكل المغرب دائما ,بسبب تواجده على مفترق طرق رئيسي  بين أفريقيا وأوروبا والبحر الأبيض المتوسط ​​والمحيط الأطلسي، و “العالم العربي” والغرب، مكانة خاصة في الدبلوماسية الامريكية وتخطيطها الإستراتيجي. ومنذ هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية زادت أهمية المغرب لدى الولايات المتحدة، وفي ظل تزايد الشكوك حول الربيع العربي والتطرف الإسلامي في إفريقيا  تزايدت القيمة والأهمية الإستراتيجية للتحالف الأمريكي ـ المغربي. وحتى الان لاتزال المطالبته بالصحراء الغربية أحد الدعائم الرئيسة لشرعية النظام الملكي المغربي و التى تبقى  نقطة خلاف حاد. ومنذ الانسحاب الإسباني وما تلاه من احتلال الاقليم من قبل المغرب في عام 1975، ضخت الولايات المتحدة ملايين كثيرة من الدولارات في العتاد والتدريب والاستخبارات لفائدة القوات المسلحة المغربية. ولكن هذه الأخيرة فشلت في إلحاق هزيمة حاسمة بجبهة البوليساريو المنظمة الصحراوية التي تهدف الى إستقلال الصحراء الغربية التام.

وتقدم هذه الدراسة تحليلا تاريخيا للصراع في الصحراء الغربية، مركزة على التطورات ذات الصلة بالجيش الأمريكي والمصالح الإستراتيجية الأمريكية والإقليمية منذ استقلال المغرب في عام 1956. وتشمل نقاط التركيز إبراز الخصائص  البشرية والجغرافية، ودور الولايات المتحدة والجزائر والقوى الخارجية الأخرى في الصراع، والتكتيكات والعمليات والاستراتيجيات العسكرية. كما أن الدراسة تقدم تحليلا للوضع الراهن في المنطقة وتقدم توصيات للسياسة الامريكية والتخطيط العسكري.

الصحراء الغربية التي تحوي موارد طبيعية ثمينة وتحتضن أكبر جدار عسكري في الخدمة في العالم شهدت منذ منتصف التسعينات مقاومة على شاكلة الانتفاضة ضد الاحتلال المغربي. وقد تزايدت الاتصالات والتنسيق بين المتعاطفين مع جبهة البوليساريو المطالبة بالاستقلال في المناطق المحتلة والمحررة ومخيمات اللاجئين بالجزائر مستفيدين بشكل كبير من الإنترنت، لا سيما في صفوف الشباب الصحراوي المتطرف بنسق متزايد، والذي يبدو أنه فقد الثقة في قيادة البوليساريو رغم استمرارها في تبني طرح مناهضة المغرب. وفي هذه الأثناء تتهدد العناصر الإرهابية والإجرامية بالتسلل الى الإقليم والمخيمات بالجزائر.

  لايمكن للمرء أن يفهم الجذور الاجتماعية ـ الثقافية لثورة البوليساريو و انجازاتها العسكرية او السبب الذي جعل الطرفين في نهاية المطاف يتوصلان الى وقف إطلاق النار مالم بفهم جيدا الخصائص الجغرافية والبشرية المتغيرة على الدوام . بالفعل, فإن هذه التغيرات  هي التى خلقت الظروف المواتية  لبزوغ  التمرد (الثورة) ومكنها من التطور بنجاح.  في نفس الوقت, فإن قدرة المغرب على الاستفادة البطئية في الرد و تغير الظروف الجغرافية ساعدت في وقف اطلاق النار سنة 1991 رغم أن التصرفات المغربية جعلت الحل طويل الأجل و اتسمت بالتهرب أحيانا.

الموارد الطبيعية للصحراء الغربية  ومنذ العهد الاسباني, ساهمت في تشكيل الخارطة الديمغرافية وفي جلب المصالح الأجنبية  وفي اثارة التمرد. وقد تثيرمستقبلا اهتمام الولايات المتحدة الامريكية. ولم تكن الثروات المعدنية هي دافع المغرب للتوسع في الصحراء الغربية ولكنه كان سيستفيد من وراء إستغلالها الكامل. وقد بدأت الرغبة في تطوير الإمكانات الاقتصادية التي توفرها جغرافيا الصحراء الغربية في التطور بشكل جدي بعد اكتشاف إحتياطات الفوسفات الكبيرة من قبل الإسبان بعد الحرب العالمية الثانية. كما اسهم الصيد وإمكانية التنقيب عن النفط  في تطوير المنطقة وفي زيادة الاهتمام الاستراتيجي اللاعبين الكبار.

وعلى الرغم من الإشكاليات الصعبة حول الإثنية والتاريخ والتقاليد الثقافية التي تجعل التعميمات بشأن الصحراويين صعبة، إلا أن وضع صورة مكتملة للصراع تمنح فهما جيدا لأصول وتطور الهوية الوطنية الصحراوية  التي كانت سببا في بزوغ  إحدى اصغر,ولكن أقوى ,الحركات التحررية في العالم. إن عدم الإتفاق حول المسألة الأساسية المتمثلة في تحديد “من هو الصحراوي”  عقد من جهود الأمم المتحدة واخرين  الرامية الى إيجاد إحصائيات موثوق بها وتنظيم الإستفتاء.

توضح نظرية ما يسمى “المغرب الكبير” المشهورة  سبب مقاومة الرباط للضغوط الخارجية  ورفضه التنازل عن القضية، رغم ان التكاليف العسكرية والمالية الناجمة عن  احتلال الاقليم  كانت قد سببت في  إضطرابات إجتماعية كبيرة.  ففي أكتوبر عام 1957، اعتمدت الدولة المغربية المستقلة حديثا وبشكل رسمي  فلسفة ” المغرب الكبير” وراهنت السلالة العلوية في جزء من شرعيتها على الإحتفاظ “بالأقاليم الجنوبية”  المعروفة بالصحراء الغربية. وبإعتباره أحد مكونات الهوية الوطنية المغربية نال الإعتقاد بأن الصحراء الغربية جزء لا يتجزأ من المغرب دعما محلي واسع النطاق، وذلك بالرغم من أن التكاليف البشرية والمالية للحرب ضد جبهة البوليساريو كان لها أيضا بعض التأثير السلبي على شعبية النظام.

وتاريخيا اعتمدت السيطرة الإسبانية على الإقليم على نظام فعال نسبيا أساسه الاحتلال العسكري والإدارة، ولكن السلطات العسكرية الإسبانية فشلت في فهم كيف أدت التغيرات الجغرافية والإجتماعية إلى ظهور المقاومة الوطنية خصوصا في صفوف الشباب. وقد أدت الإستجابة العسكرية الإسبانية على تزايد النزعة الوطنية الصحراوية والإضطرابات وسط الشباب إلى تفاقم الصراع المتنامي.

وبعيد انسحاب القوات الاسبانية من الإقليم عام 1975، شن المغرب حملة عسكرية وحشية ضد جبهة البوليساريو وفرت أعداد كبيرة من الناس إلى مخيمات اللاجئين حيث تراجعت الهوية القبلية التقليدية وزاد الوعي الوطني الصحراوي. وفي تلك الغضون فاقت انتصارات البوليساريو العسكرية على المغرب وحليفتها موريتانيا جميع التوقعات. ومن أسباب بقاء البوليساريو هو قدرتها على الحصول الدعم والحماية من الخارج (أساسا الجزائر)، والأخطاء المغربية، والضعف الموريتاني. كما كان التفكير الإستراتيجي الذي تمتعت به قيادة البوليساريو العسكرية حاسما إلى جانب تمتع جنودهم بالمهارات التكتيكية العالية والروح المعنوية المرتفعة وقدرتهم على إستخدام الجغرافيا لصالحهم. ولم تتمتع القوات العسكرية الموريتانية سوى بعدد قليل من الناس والعتاد نسبيا، منسحبة من الحرب سنة 1979 بعد أن عانت من هجمات البوليساريو المتكررة بما فيها تلك التي وقعت في العمق الموريتاني. وعلى الرغم من أن القوات العسكرية المغربية قد إستمرت في الحرب إلا أنها ابانت في عدة مناسبات عن نقاط ضعف عملياتية وعدم فعالية صد تكتيكات حرب العصابات المنتهجة من قبل جبهة البوليساريو.

وبعد أن بدأت الإخفاقات التكتيكية للقوات العسكرية المغربية  تكتسب أهمية إستراتيجية، ضاعفت الولايات المتحدة من مساهمتها في الحرب ضد البوليساريو. وبعد سقوط شاه إيران وعمليات البوليساريو المدمرة داخل المغرب، أرادت الولايات المتحدة التأكد من عدم فقدانها لحليف إستراتيجي أخر في إفريقيا والشرق الأوسط. بداية من 1981 بدأت المغرب في بناء الجدار الدفاعي العسكري  هو الأكبر في العالم يسمى “الحزام” وهو مشروع مكلف للغاية سمح للمغرب بالسيطرة على حوالي 80% من الصحراء الغربية. ويعد قرار بناء الحزام إعتراف من القادة المغاربة أن هزيمة البوليساريو كليا لم تعد ممكنة، ولذلك اعتمدت الرباط استراتيجية الدفاع الثابت. وبعد عشر سنوات من ذلك ساهم الجدار في تسهيل عملية وقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة والتي تمت بعد أن أنهك الجانبان كليا وتأكدا من عدم إمكانية تحقيق نصر حاسم. وتواصل الصراع على المستوى الدبلوماسي فيما بعد.

وفي المناطق المحتلة، أنفق المغرب الكثير من المال على الأمن والتنمية الاقتصادية و لكنه لم يهتم كثيرا بكسب قلوب و عقول  الصحراويين. كما أنه قام بجلب أعداد هائلة من المغاربة من داخل المغرب و ذلك قصد القضاء على تنبؤات البوليساريو بربح نتائج الاستفتاء الذي كان من المتوقع اجراؤه لتحديد مصير الاقليم. وقام المبعوث الاممي جيمس بيكر بجهود كبيرة في محاولة للتوصل إلى تسوية، ولكن في أعقاب التعنت المغربي وعدم رغبة واشنطن  في الضغط على الرباط، استقال هذا الأخير من منصبه في عام 2003. في غضون ذلك, ازداد الاستياء في مخيمات اللاجئين وفي الأراضي المحتلة، لا سيما في صفوف الشباب الصحراوي,  إذ يعرب الكثير منهم عن نفاد الصبر وخيبة الأمل اتجاه النخب التقليدية للبوليساريو وفشلها في تحقيق مكاسب على الجبهة الدبلوماسية. كما تجلى هذا الاستياء على شكل احتجاجات على غرار الانتفاضة.  وتدل الاعتقالات الأخيرة  و الخطف إلى أن منظمات ارهابية واجرامية،  بعضها لها علاقات مع تنظيم القاعدة، تحاول التسلل الى الصحراء الغربية ومخيمات اللاجئين, على الرغم من أن  قادة البوليساريو قد أظهروا محاولة لمنعهم من الدخول. ومع ذلك, فإن مثل هذه التسللات يمكنها أن تهدد الأمن الأقليمي. ونظرا لأهمية استقرار المغرب و تزايد التهديد الناجم عن النشاط الإرهابي في المنطقة و ما يمثل ذلك بالنسبة  للولايات المتحدة وأوروبا، فإن واشنطن لديها مصلحة قوية في ايجاد حل لمشكلة الصحراء الغربية. ومن الناحية  النظرية, يمكن التوصل الى حل يعطي بعض الشئ الى جميع الأطراف المعنية مباشرة ( المغرب و جبهة البوليساريو و الجزائر),  لكن أوروبا مطالبة بلعب دورأكبر في الدفع بالمفاوضات كما يجب على الولايات المتحدة أن تنظر في سبل الاستفادة من الدول الأوروبية للقيام بذلك.

 في هذه الأثناء، ينبغي على الولايات المتحدة أن تستمر في مراقبة الوضع الأمني في الصحراء الغربية عن كثب و الذي له صلة بالأنشطة الحالية للقيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)  وفي الوقت نفسه، ينبغي على الولايات المتحدة أن تستفيد من الرؤية الحديثة لدى قادة البوليساريو و صحراويين آخرين وصداقتهم النسبية مع الدول الغربية, إذ أنهم أقل عرضة للنداءات الإسلامية المتشددة. ويجب على الجيش الأمريكي استخدم التاريخ العسكري للصحراء الغربية  كمصدر لدروس ملموسة ولا سيما فيما يتعلق بتكتيكات حرب العصابات ودورالاحزمة المحصنة (الجدار الرملي) في مكافحة التمرد و والدفاع الثابت بشكل عام كما يجب على الجيش الأمريكي أيضا معرفة المزيد حول الجيش المغربي والاستعداد لاحتمال المزيد من العمليات المشتركة. و بالإضافة إلى التعرف على النجاحات والإخفاقات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية للبوليساريو, ينبغي على المخططين العسكريين الأمريكيين أيضا أن يأخذوا بعين الاعتبار نقاط القوة والضعف لدى القوات المسلحة المغربية وضبط التوقعات وفقا لذلك.

و مثلما يدل على ذلك تاريخ المنطقة, فإن هناك حلولا سهلة لمشكلة الصحراء الغربية. و من ناحية أخرى، فإن الوضع هناك غير ميؤس منه. و بالاعتماد على قرارات سياسية مطلعة من الناحية التاريخية و استفادة امريكية مناسبة ,  من الممكن جدا التوصل الى حل يقدم شيئا الى جميع الأطراف المعنية.

 

مقدمة 

شكل المغرب دائما ,بسبب تواجده على مفترق طرق رئيسي  بين أفريقيا وأوروبا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، و “العالم العربي” والغرب، مكانة خاصة في الدبلوماسية الامريكية وتخطيطها الإستراتيجي. و منذ اعتداءات الحادي عشر سبتمبر   2001 الارهابية,  زادت  اهمية المغرب اكثر بالنسبة للولايات المتحدة . ففي 2004 منح الرئيس جورج بوش هذا البلد صفة اكبر حليف خارج بلدان الناتو  ( منظمة معاهدة شمال الاطلس). ونتيجة لذلك قدمت له عدة مساعدات مالية وعسكرية ليست عادة في متناول البلدان الغير اعضاء في حلف الناتو. ومؤخرا واجه نظام المغرب مخاطر جديدة لاستقراره من ضمنها التطورات المرتبطة بالربيع العربي ومن الجنوب تهديدات محتملة من منطقة الساحل التى تربط شمال وغرب افريقيا وتربط طرق الهجرة و التجارة الواسعة التاريخية.التهديدات تتمثل في الإرهابيين الاسلاميين,  تجارة المخدرات والاختطاف وانشطة إجرامية اخرى.

في الوقت الراهن فان احد الأسس التى تعول عليها الاسرة العلوية  في استمرار شرعية حكمها للمغرب , هومطالبتها بالصحراء الغربية  التى تم احتلالها من قبل المغرب بعد انسحاب اسبانيا سنة 1975م,و التى تبقى محل خلاف حاد. وعرف الإقليم حربا مفتوحة بين  وطني الصحراء الغربية , المدعومين من طرف كل من الجزائر وليبيا وقوى خارجية اخرى , والجيش المغربي الى غاية وقف اطلاق النار سنة 1991م. ومنذ هذا التاريخ, بقيت الصحراء الغربية مقسمة بين ارض “محتلة ” واخرى ” محررة” يفصل بينها جداروظيفي عسكري هو الاطول من نوعه في العالم ,وهو عبارة عن نسخة مغربية لجدار  برليف  مؤلف من حائط رملي واجهزة انذار متطورة والغام واسلاك شائكة واسلحة. ملايين الدولارات التى ساهمت بها الولايات المتحدة في دعم المغرب في حرب الصحراء بشكل عتاد وتدريب ومعلومات استخبارية واستشارات والتى واكبت عمل اغلب الدبلوماسيين الامريكيين الفاعلين في الصراع من  فرنون فالتر الى جيمس بيكر والى هيلاري كلينتون, تؤكد الأهمية الإستراتيجية للمنطقة. بالفعل الولايات المتحدة الامريكية قدمت مساعدات اقتصادية وعسكرية للمغرب اكثر من اي بلد افريقي اخر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ,باستثناء مصر, فعلى سبيل المثال بين عامي 1950 و  1983 اكثر من 90% من الاسلحة المسلمة للمغرب تمت خلال السبع سنوات الأولى من حرب الصحراء الغربية. مؤخرا المناطق التى يطلق عليها المغاربة “الأقاليم الجنوبية” شهدت احتجاجات على يم الانتفاضة, وتصادمات عنيفة وقمع متواصل من قبل السلطات المغربية وتنامي التذمر في اوساط الاجيال الشابة.  المخيمات الضخمة للاجئين الصحراويين الواقعة بالحدود الجزائرية المتاخمة عرفت عمليات اختطاف ومحاولات اختراق من قبل تنظيم القاعدة.

نزاع الصحراء الغربية يستحق ايضا الإهتمام لأسباب اخرى. الإقليم يحوز على مصادر ثروة طبيعية قيمة تشمل الفوسفات والسمك  وكميات كبيرة محتملة من النفط. المنطقة تبقى كذلك اكبر نقطة للخلافات بين المغرب والجزائر اللتىن يبقى تعاونها ضروريا لمحاربة التهديدات الامنية بالمنطقة في حين انهما بقيتا مفصولتين باطول حدود برية مغلقة  في العالم.

في العلاقات الدولية تبقى قضية الصحراء  تحمل في جوهرها مسألتين هامتين: مبدأ تقرير المصير ومسألة السيادة . يقول  السناتور الأمريكي السابق جورج ماك كوفرن ” الشئ الذي بقى مؤخرا على المحك  مابعد الحرب العالمية الثانية هو نظام القانون الدولي”.

هذه الدراسة تهدف الى تقديم نظرة تاريخية عن الصحراء الغربية واهميتها الإستراتيجية مع التركيز على الجوانب العسكرية.

كما اصبح  جليا فان الإستراتيجية الفعالة واتخاد القرارات العسكرية بخصوص المنطقة يستلزم معرفة  التطورات والظروف  السياسية والجغرافية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية ومعرفة كذلك التكتيكات والقيود العملية التى تفرضها هذه الظروف. هذه الدراسة ايضا تختتم بجملة من التوصيات بشأن سياسات محددة والخطط العسكرية  وهدفها الرئيسي هوتقديم عرض  عن مشكل الصحراء الغربية  من شأنه ان يساعد المخططين العسكريين والسياسيين في تحديد وتنفيذ السياسات بغض النظرعن ماهية اهدافها. وتستند هذه الدراسة على معرفة تاريخية رئيسية وتوقعات منطقية.

معرفة تاريخ الصحراء الغربية يمكنه ان يوفر للجيش الامريكي فرصة لمعرفة كيفة مواجهة التمرد بالصحارى , واستراتجية الدفاع الثابت والتكتيكات والاساليب العملية المتعلقة بذلك.

قبل البدء في المناقشة تجدر الاشارة الى درجة تأثر الكتابات الموجودة  المتعلقة بالمغرب والصحراء الغربية بالاجندات السياسية المتنوعة ورغم ان هذا التأثر بالكاد يكون مخفيا وغير متوقع وفريد في المسألة. فانه يتعين التذكير بأن تحليلات الوضع الراهن سواء من طرف الرسميين الحكوميين او الاكادميين او الهيئات الفكرية السياسية هي محاولات واسعة لدعم او تقويض موقف الحكومة المغربية حيال المسألة.

فعلى سبيل المثال  سنة 2005 في تقرير اعده المركز الاوروبي للأمن والاستخبارات الإستراتيجية الكائن ببلجيكا, تم وصف البوليساريو بالفاظ سيئة للغاية ويعود ذلك الى اعتماد التقريربشكل كبير على شهادات منشقين عن البوليساريو في حين اغفل تقاريرا اكثر دقة اعدها ملاحظون خارجيون .حتى ان مجلة دورية مغربية وصفت التقرير لاحقا

ب ” المحكم فيه عن بعد” من قبل الرباط. وكمثال اخر على تلك التناقضات تقرير لاحدى سفارات الولايات المتحدة ومقال اعتمد على عدة زيارات للصحراء الغربية و ” حزمة من المقابلات” وصفت مشاعر الإنفصاليين بالتافهة واكد كاتب المقال ان “مصداقية البوليساريو متدنية” وان ما يطمح  اليه اغلب الصحراويين هو” حكم ذاتي موسع” عوض استقلال تام. لكن كتب حديثة لخبراء في الميدان تركت القراء بانطباعات مغايرة.وهناك كتاب يؤكد ان الانتفاضة الاخيرة “سمحت لكثير من الصحراويين للتعبير عن قناعتهم الحقيقية الداعمة للاستقلال” واخرون يقولون بوجود دعم عام لمسألة الاستقلال بين اللاجئين الصحراويين. واضح ان هناك تباين في الاراء.

القصد هنا ليس اتهام احد من الكتاب الذين تمت الاشارة اليهم اعلاه بتضليل القراء قصد الترويج لأجندة سياسية. ولكن واضعي السياسات عليهم ان يتذكروا ان  المعلومات الموجودة في هذا الكتاب وكتب اخرى اوفي  المقالات والتقارير عندما يتم استغلالها بشكل انتقائي يمكنها ان تجعل من اوضاع معقدة تبدو اقل تعقيدا مما هي عليه في الواقع. مسح البيانات المتعلقة بالرأي العام وبالفاعلين الكبار الحاليين مثل الجزائر وشركات النفط الامريكية والجماعات الارهابية يتطلب تمحيصا خاصا. حاليا الانترنت ملئ بصفحات الويب الخاصة بالصحراء الغربية والموجهة للاستهلاك الخارجي غالبا بالانجليزية والاسبانية والفرنسية وواضح ان لها ميول ومصالح خاصة.

معالجة فعالة لمشكل الصحراء ينبغي ان ينطوى قبل كل شئ على فهم لحيثياته  وتحتاج الى تمحيص متأني تلك الحسابات التى تنعت الصراع واطرافه  بالابيض او الاسود.

 

لمحة تاريخية

الصحراء الغربية اقليم متميز بهويته الخاصة و التى تبلورت اكثر  طيلة التواجد الاسباني الطويل في المنطقة. منذ قرون ابدت اسبانيا اهتماما لمنطقة شمال غرب افريقيا, وعلى طول شواطئ الاطلسي حقق الاسبان تقدما ضئيلا في مناسبات استكشافية عرضية وقاموا بانشطة اخرى محدودة. ومع ذلك خلال مؤتمر برلين 1884₋1885 م اكدت اسبانيا على حقها في امتلاك  رقعة واسعة تمتد في عمق  الاراضي المتاخمة للشواطئ. وتذرعت بوجود شركة تجارية اسبانية  في الداخلة التى كانت تعرف انذاك ب فيلا سيسنيروس والتى كانت نقطة اسناد بنيت قبل ذلك بسنوات لمساعدة البحارة من الجزر الخالدات.

اقليم الصحراء الغربية( الصحراء الاسبانية سابقا) والذي لم تسيطر اسبانيا  على اغلب اجزائه الا في سنة 1930م تتكون مساحته من 266000 كلم مربع تقع بين ساحل طويل على المحيط الاطلسي ومايعرف اليوم بموريتانيا والجزائر والمغرب, رغم ان هذا الاخير بالطبع لايعترف بوجود حدود مع الصحراء الغربية. جزر الكناري الاسبانية تقع فقط على بعد 100 كلم من الحدود الشمالية للصحراء الغربية مع المغرب. على خلاف الصحراء الكبرى, الصحراء الغربية  ليست كلها مكسوة بالرمال.  في الشمال هناك إقليم الساقية الحمراء  الذي توجد  به اودية عميقة, وفي منطقة قلة زمور تنتشر المرتفعات وتوجد  هناك بعض الكهوف. عبر السنوات  سهلت الطبيعة الجغرافية لشمال الصحراء الغربية عمليات المتمردين  ضد قوات الجيش ووفرت ملاذا لمقاتلي الحركة ولقواعدها الصغيرة المشتة. وفي الشمال كذلك اتاحت جبال الواركزيز فرصة مماثلة للاختباء بها. سواحل الصحراء الغربية صخرية ومنحدرة. هناك مواني بكل من الداخلة ولكويرة وغرب العيون. هناك انخفاض نسبي في عدد الذين يمارسون حرفة الصيد بين مختلف اغلب القبائل الصحراوية. تاريخيا الصيادون الذين يصتادون في سواحل الصحراء كان اغلبهم يأتي من الجزر الخالدات. على الرغم انها لاتساعد في انشطة المحاربين فان الارض المسطحة الشاسعة  الواقعة في  الجنوب ذات الكثافة السكانية  المتبعثرة , قد ثبتت صعوبة احكام السيطرة عليها و مراقبتها من قبل القوات النظامية, سواء بالنسبة لفرنسا اواسبانيا اوموريتانيا او المغرب حتى باستخدامهم للطيران الحربي.

في سنة 1912 وقعت قرنسا واسبانيا اتفاقا حول  حدود مستعمراتهما بشمال غرب افريقيا . تولت بموجبه فرنسا كل من الجزائر وموريتانيا والسواد الآعظم من المحمية الجديدة بالمغرب. حصة اسبانيا من المحمية المغربية كانت صغيرة نسبيا وهي عبارة عن اقليم صغير يقع على السواحل الشمالية وكانت تسمى” المغرب الجنوبي الاسباني ” وتشتمل على منطقة فيلا بنس المعروفة باسم منطقة طرفاية او “كاب جوبي”.

 من الناحية القانونية الحماية بالمغرب ليست استعمارا لأن السلطان ظاهريا بقى في الحكم و فرنسا واسبانيا كانتا تديران المغرب نظريا لحساب السلطان.  الصحراء الاسبانية من جهة اخرى كانت مستعمرة اسبانية بالمفهوم الكامل. حيث وبضغط من فرنسا احتلت اسبانيا سنة 1934 منطقة ايفني  الواقعة شمال اقليم طرفاية بينما سعت فرنسا الى ضم مناطق حيوية تقع جنوب شرق المغرب و غرب الجزائر” تيندوف” ومنطقة “ازويرات” بموريتانيا. وبذلك تتمكن فرنسا من احكام الدائرة على  حركة المحاربين الذين كانوا يسببون  لها متاعب جمة. بعد الحرب العالمية الثانية انشأت اسبانيا كيانا مستقلا  يعرف باسم “غرب افريقيا الاسباني” ويضم ثلاثة مناطق: ايفني والساقية الحمراء و وادي الذهب والاخيرتين كانتا تعرفان اختصارا باسم الصحراء الاسبانية او وادي الذهب. عندما نال المغرب الاستقلال سنة 1956م  ترددت اسبانيا في البدء في التنازل عن اي جزء من غرب افريقيا الاسباني. وجيش التحرير المغربي والذي اسماه لاحقا  الاسبان جيش التحرير الصحراوي بدأ في مهاجمة القواعد الفرنسية المتواجدة في كل من الجزائر وموريتانيا متخذا من الاراضي الاسبانية ملاذا آمنا. الجيش الاسباني تنقصه القوة الكافية ويفتقد الى تعليمات واضحة من مدريد. في البداية سمح لعصابات المتمردين بالتجوال بحرية وبشكل يثير الاستغراب  في الاراضي الاسبانية رغم ان الاسبان كانوا يزودون الفرنسيين بمعلومات عن تحركاتهم.

وعلى كل حال فان قوات جيش التحرير ادركت ان فرنسا اقوى مما يمكنهم التعامل معه فحولوا جهودهم  الى  المنطقة الشمالية الواقعة تحت النفوذ الاسباني فاندلعت لذلك حرب ايفني (1957و1958). قاتل الاسبان بقوة ولكنهم تراجعوا ليتبعوا اسلوبا دفاعيا في مواقع حول ايفني. اعتماد الاسبان لاستراتيجية الدفاع تنبع من تخوف الدكتاتور فرانكو من تكرار تجاربه في شمال افريقيا عقودا قبل ذلك.كما ان المستوطنات الاسبانية في الداخل كانت غير محصنة. في الصحراء الاسبانية  عملية “هوريكان” التى استعملت قوة المظليين بشكل كبير وتمت على الاراضي الفرنسية والاسبانية واستعملت الطائرات والقوات البحرية وتمكنت بذلك من محو المتمردين. بدأت اسبانيا بعد ذلك محاولة بسط سيطرتها ونزع سلاح البدو الذين التحقوا بقوات جيش التحرير. في 1958 في اتفاقية انكرا سيترا تنازلت اسبانيا عن اقليم طرفاية اين ستندلع  بداية الشعور الوطني الصحراوي. وبالفعل فقد وصف كثير من المراقبين الاسبان تسليم هذه المنطقة المعمرة نسبيا والتى لها خصائص حضرية بانها خيانة من اسبانيا للسكان الاصلييين وهم يعزون بداية الشعور الوطني الصحراوي الى هذا الفعل.

 بانتقال الاقليم(للمغرب) اكتشف الصحراويون ان  المغرب اكثر قمعا مما كان عليه الحال مع اسبانيا. القائد المؤسس الأول للحركة الوطنية الصحراوية , محمد سيد ابراهيم بصيرى, انتقل من اقليم طرفاية الى مدينة السمارة في الصحراء الاسبانية لأنه كان بمقدوره التحرك هناك بقدر من الحرية اكثرمن بقائه تحت اجهزة الامن المغربية القمعية. الى جانب نفور الكثير من الناس من المنطقة فان تسليم اقليم طرفاية الى المغرب تبين انه كان ضد اية مصالح اقتصادية محتملة لاسبانيا. فالاقليم كان سيوفر فوائد تجارية محتملة لاسبانيا من قبيل صيد الاسماك ومصادر النفط  واستراتيجيا وقوعه قبالة الجزر الخالدات مباشرة واكثر من ذلك ان الاقليم يرتبط عرقيا وثقافيا اكثرمع الصحراء الاسبانية( واقل روابط مع اغلب المغرب)  مما كان عليه ايفني.

مبررات القبول الاسباني لمطالبة المغرب باقليم طرفاية قد تشمل :اتفاق سري محتمل لاطلاق صراح الاسرى الاسبان في حرب ايفني , ضغط الولايات المتحدة التى طانت تسعى الى تعزيز المملكة المغربية, وتعاون المغرب من اجل تصفية وحدات جيش التحرير التى لازالت متواجدة بالصحراء. منح ملك المغرب ثقته لجيش التحرير, وكثيرمن جنوده رفض الانضمام للجيش الملكي المغربي الذي تم تأسيسه شهر ماي من سنة 1956م.

ومع ذلك كانت دائما لاسبانيا اسبابها الخاصة  التى ترغبها في علاقة جيدة مع المغرب بغض النظر عن الضغوط الخارجية او اية فوائد  اقتصادية محتملة من تمسكها باقليم طرفاية.

الخروج الاسباني من المغرب ما كان ليتم بين عشية وضحاها , وقيادة الاركان والحكومة في مدريد كانوا مهتمين بزرع بذور علاقة جيدة مع جار اسبانيا المستقل حديثا والمواجه لمضيق جبل طارق .  قبل كل شئ  العلاقة بين الجيش الاسباني والنواة الأولى للجيش الملكي المغربي تطورت نسبيا بشكل سلس خلال تلك الفترة كما ان شخصيات عسكرية اسبانية بقيت هناك لسنوات عدة خلال المرحلة الانتقالية.  حتى ان  حزب الاستقلال المغربي انذاك حاول التقليل من مخاوف الاسبان حيال تواجد جيش التحرير بالصحراء الغربية بتأكيده على وثاقة العلاقة بين المغرب واسبانيا. ومن المفارقات ان زعيم حرب الاستقلال استخدم نفس العبارة” علاقة الاخوة الاسبانية المغربية”  التى دأبت دكتاتورية  افرانكو على استخدامها بشكل تقليدي لغرضها الخاص ولو بشكل مغاير جدا.

قصة  محمد بن مزيان بلقاسم ذو الاصل المغربي, صديق وزميل في الجيش لفرانكو والذي وصل الى رتبة ملازم في الجيش الاسباني تبين الموقف الاسباني الغامض والاكثر اثارة للدهشة. عمل كحاكم عام للجزر الخالدات في سنة 1956م . واصبح مارشالا في القوات المسلحة المغربية بعد استقلال المغرب في تلك السنة.

نظرا لقرب الجزر الخالدات واهميتها كنقطة انطلاق لحرب ايفني الوشيكة .اصبح بالقاسم في وضع لايحسد عليه لأن عليه ان يخدم طرفين متورطين في نفس الصراع. كنقيب جيش اسباني بعد استقلال المغرب لم يعد بمقدوره اجراء اتصالات معلنة مع حاكم غرب افريقيا الاسباني ,والاسباب واضحة, او تولي مسؤولية مباشرة في ايفني.

عاجلا اقدم بلقاسم على خطوة مفاجئة بخروجه من الجيش الاسباني وعوته الى بلده الاصلي.في الواقع اثارت مشاركته في ربيع 1958م كممثل للمغرب في عملية تسليم اسبانيا لاقليم طرفاية استغراب اغلب زملائه السابقين في الجيش الاسباني.

بعد حرب ايفني وتسليم اقليم طرفاية اعلنت حكومة مدريد بشكل لا لبس فيه نيتها الحفاظ على جيب ايفني وكامل الصحراءالاسبانية وتعيينهما (مثل ماهو الحال بالنسبة لغينيا الاستوائية) كمقاطعتين اسبانيتين. كانت مدريد تأمل في ان يكون اعترافها  للمغرب بالحق في المناطق الجنوبية من المحمية(اقليم طرفاية) من شأنه مع الوقت ان يحد من النزعات التوسعية لحزب الاستقلال. كما ان تعيين ايفني والصحراء كمقاطعتين اسبانيتين يأتي تماشيا مع السياسة الدبلوماسية المتشددة لاسبانيا والتى لن تصمد في الدفاع عنها في حقبة تصفية الاستعمار. وقد تبع ذلك تزايد ملحوظ للاستعمار الاسباني وللاستثمار والنمو في الصحراء. عقد بعد ذلك تنازلت اسبانيا  للمغرب عن ايفني بموجب اتفاقية فاس في يناير 1969م. بالمقابل ضمنت اسبانيا امتيازات صيد خاصة للعقد الموالي, على الرغم من ان المغرب الغى من جانب واحد هذا الجزء من الاتفاقية  ثلاثة سنوات بعد ذلك. في ذلك الوقت اصبح الوطنيون الصحراويون شيئا فشيئا  قوة لايستهان بها.واسبانيا التى كانت الهدف الأول لغضب الوطنيين لم تتعاطي بشكل كاف مع الوضع الجديد وفي الاخير سعت اسبانيا الى ضمان حقوق اكثر و زيادة تمثيل السكان في الصحراء ومدريد. لكن هذه الجهود جاءت هزيلة ومتأخرة.في سنة 1967م انشئت اسبانيا جماعة جديدة او الجمعية العامة للصحراء والتى كان يفترض ان تمثل مصالح الصحراويين. في الواقع وعلى العموم فان من بين اعضائها العديد من شيوخ القبائل المتعاونين مع السلطات الاسبانية,ونتيجة لذلك فان هذه الهيئة كانت ثقة اغلب الصحراويين بها قليلة.خاصة الوطنيون الشباب. هذه السياسة أنبأت بسياسة المغرب الحالية التى تقوم على تقديم امتيازات مادية ضخمة للمتعاونين معه.والذين ينتاقص عددهم بين متوسط الصحراويين…يتبع في الحلقة القادمة