photoفي وقت تطبعه الأزمة الاقتصادية والبطالة في شمال إفريقيا أصبحت الثروات الطبيعية في الصحراء الغربية تعتبر وبحق كنوز ثمينة. ميزان القوى الجديد الناتج عن التطورات السياسية الأخيرة في المنطقة قد يقود إلى إعادة التفاوض بخصوص هذا النزاع.

29.08.2014

بقلم :   سوزان كايسر Susanne Kaiser

ترجمة : حمادي البشير

تجاوز الأمر حد الإشاعة بقليل  خلال زيارة محمد السادس إلى تونس نهاية شهر ماي الماضي حين ثار خلاف دبلوماسي بين ملك المغرب والرئيس التونسي منصف المرزوقي، ويبدو أنه إندلع بسبب إنتقاد تونس للممارسات المغربية الغير ديمقراطية في الصحراء الغربية ورداءة علاقاتها بجارتها الجزائر. هكذا نشرت الجريدة الالكترونية التونسية businessnews.com.tn  الواقعة نقلا عن “مصادر دبلوماسية” غير معلنة والذي تلاه مباشرة نفي من القصر الرئاسي.

قد تكون إشاعة ولكنها تُضاف إلى المؤشرات الأخيرة التي تدل على أن الحراك قد يعود إلى النزاع على الصحراء الغربية الذي عمر أربعين عاما والذي طبعه الجمود السياسي في الخمس وعشرين سنة الأخيرة، وبخلاف الصراع في الشرق الأوسط يبقى مشكل الصحراء الغربية واحدا من الأزمات المنسية في وقتنا الحالي.

ورغم أن الصراع يتضمن قصصا متشابهة من التشرد وتقسيم العائلات، القمع والتهميش، مستوطنين جدد وأجيال عاشت أعمارها في مخيمات اللجوء، وهناك تقارير عن التمييز، تعذيب السجناء، خروقات لحقوق الإنسان، الإرهاب وجدار يقطع قلب الإقليم ويحيل حرية الحركة إلى الإستحالة. كما تتردد أنباء عن قادة يبدو أنهم لا مصلحة لهم في حل النزاع ومنتظم دولي عاجز ويبدو مفلسا ولا حول له سوى المشاهدة دون الإقدام على التدخل. ولكن هناك فرق أساسي بين الصحراء الغربية والشرق الأوسط وهو أن: أرض الصحراء الغربية غنية بالمعادن وسواحلها غنية بالأسماك مما يجعلها أرضا مرغوبة. إنها قصة تقليدية عن لعنة الثروات الطبيعية.

لقد دار النزاع بشكل أساسي بين المغرب وحركة جبهة البوليساريو ممثلة لـ “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” (SADR)، وفي الواقع هناك أطراف أخرى متورطة وكل واحد منها يهتم بمصالحه الخفية: الجزائر، موريتانيا، إسبانيا، فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. إن المؤشر الأوضح على مدى الإنسداد في الوضعية هو صلاحية بعثة الأمم المتحدة MINURSO (بعثة الأمم المتحدة للإستفتاء في الصحراء الغربية) والتي تتجدد دون كلل عاما بعد عام منذ 1991 رغم عدم تحقيقها لأي نتائج سياسية.

الثروات في مواجهة الهوية وتقرير المصير

في عمق النزاع تختبئ الإيرادات الناتجة من ثروات قيمة مثل الفوسفات، السمك والنفط الخام والتي حازها المغرب لنفسه والتي أصبحت تعتبر كنوزا في زمن الأزمات الاقتصادية وتزايد البطالة كما يلعب الموقع الجيوستراتيجي للمنطقة دورا هو الآخر. أما بالنسبة للصحراويين فأمور أكثر من ذلك على المحك: الهوية، الرابط المشترك، حرية التنقل والحق في تقرير المصير في دولتهم الخاصة بهم.

بالنسبة للمغرب فإن تكاليف الإحتلال المالية واللوجستية تستحق العناء بسبب ما تدره من دخل من إحتياطي السمك الغني، بيع تراخيص الصيد للإتحاد الأوروبي، الاستيلاء على بعض مخزون الفوسفات الأكبر في العالم وتصدير كميات معتبرة من الطماطم والملح والتي تسهم بمبالغ نقدية ضخمة في صناديق البلد وتخلق فرص العمل وتمثل جزء كبير من الناتج المحلي.

فضلا عن ذلك يُعتقد أن مخزون معتبر من النفط والغاز يوجد على طول الساحل البالغ 2.200 كلم، وقد إشترت شركات طاقة أوروبية نراخيص التنقيب سنوات مضت من بينها الشركة الفرنسية توتال. وبإستحضار كل هذا يرغب المغرب بالعيش بصورته السلبية في النزاع فنادرا ما يُمنح الصحراويين نصيبا من الفوائد ولا حتى فرص العمل والتي تُعطى بقصد الى المستوطنين المغاربة.

جدار يقطع الصحراء

من أجل حماية إراداته المجانية المستساغة بدأ المغرب بداية الثمانينات ببناء جدار رملي بعلو 3 أمتار (يُعرف بـ “الحزام”) ويقسم الصحراء ويفصل جزءها الذي يحتله ويديره المغرب عن “المنطقة الحرة” التي تديرها حركة تحرير البوليساريو. ويمتد هذا الحائط من النقطة الحدودية المغربية الجزائرية الموريتانية في الشمال على طول حوالي 2.500 كلم إلى نهاية الحد الجنوبي للصحراء الغربية، وبمحاذاته طولا محصن بالجنود ومحمي بالألغام.

يسميه الصحراويين “الجدار” وهذا سبب آخر لمقارنته غالبا بالجدار الإسرائيلي وجدار برلين، ويتسبب الحزام في منع العائلات التي تعيش في المناطق المقسمة من رؤية أقاربهم في الجانب الآخر ـ وهذا ينطبق تقريبا على جميع الصحراويين ـ لأن كل عائلة تقريبا تعرضت للتفرقة أثناء الصراع المسلح مع المغرب والذي دام من 1975 إلى 1991، وتوجد قصص كثيرة محفورة في الذاكرة الجماعية للصحراويين عن أقارب أو أطراف فُقدوا بسبب الالغام.

في “المنطقة الحرة” إستوطن المبعدين عن ديارهم في مخيمات اللجوء قرب تيندوف في الطرف الغربي من الجزائر منذ منتصف السبعينات، وتقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR عدد من يعيشون في المخيمات اليوم بحوالي أقل من 120.000 فقط، بينما تحدد الحكومة الجزائرية الرقم بأكثر من 150.000 وهذا يعني أن أجيالا لم تعرف وطنا سوى هذه المخيمات، وعلى الاقل تذكرهم أسماء مخيماتهم وتجمعاتهم السكنية: العيون/السمارة/اوسرد/الداخلة بالأماكن الموجودة على ساحل الأطلسي التي طُرد منها أباؤهم وأجدادهم.

مخالب الأقوى

إنه على حساب الصحراويين ومعاناتهم تتناطح القوى العظمى في حروبها من أجل المال والمصالح والنفوذ السياسي، فلزمن طويل، مثلا، تم إقناع الولايات المتحدة من طرف المغرب بحجة أن ضم الصحراء الغربية وإقامة جدار رملي يخدم المصالح الأمريكية خاصة في مكافحة الشيوعية (متمردي البوليساريو) أثناء الحرب الباردة والآن أيضا أثناء الحرب على الإرهاب (متمردي البوليساريو).

وهذا هو السبب وراء صعقة المغرب في أبريل 2013 عندما قدمت إدارة أوباما مسودة قرار إلى مجلس الأمن بالأمم المتحدة يمنح للمينورسو صلاحية مراقبة حقوق الإنسان في المنطقة. وبوجود نقارير عن معسكرات للإعتقال والتعذيب في السجون تبدو هذه الخطوة أكثر من ضرورية. لكن المغرب رد بتعليق مناورات مشتركة مما دفع بالولايات المتحدة إلى سحب المقترح وبهذا بقيت المينورسو البعثة الأممية الوحيدة للسلام التي لا تتمتع بصلاحية تتعلق بحقوق الإنسان.

لا إستفتاء في الأفق

كما أنه لم ينظم إستفتاء يسمح لسكان الصحراء الغربية بالتصويت على شكل دولتهم والتي هي مهمة البعثة الأصلية بالإضافة الى إعادة الأشخاص المبعدين إلى ديارهم. لطالما تعثر الاستفتاء بسبب التفاوض حول حدود الإقليم ومسألة من يحق له التصويت: الصحراويين فقط أم المستوطنين المغاربة كذلك والذين هم أغلبية في الإحصاءات.

إن قادة البوليساريو مدعومة من طرف الجزائر في معارضتها للمغرب لا يعتبرون إستثناءا من قاعدة قوة المصالح الشخصية التي تتم مراعاتها في المنطقة، وهم عرضة لإنتقادات وشبهات من طرف زملاء لهم بأنهم مجرد متمردين شاخوا وراكموا الثروات في المنفى ولم تعد لهم مصلحة في حل النزاع.

إن المقاومة تتشكل في الأجيال الصحراوية الشابة بشكل خاص، وبرزت في ذلك (تصرف المترجم) مجموعات شبانية متعددة منها من تتهم الحرس القديم بالتركيز المبالغ فيه على الجزائر وقبول الفساد، الاحتفاظ بالسلطة والجدال والعراك حول المناصب.

المغرب يخشى على محيط نفوذه

لاحت في الأفق بادرة أمل في التغيير في أبريل 2014 قبل تمرير قرار المينورسو الجديد بقليل، فقد أعلنت فرنسا أنها ستمتنع عن التصويت على فقرة حقوق الإنسان، ورغم أن هذا يتماشى مع الموقف الفرنسي التقليدي منذ 1980 فقد ترجم المغرب القرار عداءا سياسيا وسيتبع بعواقب دبلوماسية.

إن نرفزة المغرب تشير إلى أن الرباط يستبق الكارثة، فميزان القوى في المنطقة تغير كنتيجة للأحداث السياسية الراهنة مثل دمقرطة تونس، الإستقرار الهش في الجزائر، تهديد الحرب الأهلية في ليبيا وثوران الأقليات، كل هذا قد يدفع إلى إعادة النظر في التفاوض بخصوص نزاع الصحراء الغربية.

بما أنه يقال أن دولة مستقلة تبدو قد أصبحت بعيدة المنال بسبب أن كل الأطراف الفاعلة في الصراع أصبحت  جاهزة للعيش في ظل الجمود الحالي فلن يكون هناك أي تقدم في هذه القضية. وكما دائما يدفع الصحراويين الثمن.

 

موقع القنطرة الالكتروني موقع ألماني تشرف عليه كل من إذاعة دوتشي فيلي و المركز الفيدرالي للتعليم السياسي ومعهد العلاقات الثقافية مع الخارج ويموله هيئة الخارجية الالمانية، ويهدف إلى ترقية الحوار والتفاهم مع العالم الإسلامي. سبق وأن تناول العديد من المقالات عن القضية الصحراوية. © Qantara.de 2014.

للإطلاع على الموضوع باللغة الأصل أضغط على الرابط التالي:

http://en.qantara.de/content/western-sahara-conflict-the-curse-of-resources