mosaka7g

نواكشوط – الخطر الإرهابي المحدّق الذي وجد في منطقة الساحل الأفريقي تربة خصبة للنشأة والاستقرار، كثّف من مخاوف الدول المجاورة التي لم يعد أمنها الداخلي بمعزل عن الوضع الإقليمي المحيط بها، خاصّة موريتانيا ذات الإمكانيات الضعيفة، وهو ما يفرض عليها، وفق دراسة للباحث محمد السالك ولد إبراهيم، مزيدا من التنبه والحذر والاستعداد الحثيث، لحماية أمنها وأمن مواطنيها.

ظلت الدولة الموريتانية، منذ فجر الاستقلال، تبحث عن ذاتها متأرجحة بين عملية بناء وطني داخلي بالغة التعقيد، من جهة، وسعي دؤوب لإيجاد صيغ ملائمة لمقتضيات التعامل مع هاجس التحدي الدولي والإقليمي الساعي دائما للتدخل في شؤون البلد من جهة أخرى.

ولعل موريتانيا باتت أكثر دول المنطقة تأثرا بتقلبات موازين العلاقات الدولية نظرا لطبيعة موقعها الجغرافي السياسي والاستراتيجي المتميز، تبعا لتحولاتها الجيوسياسية التاريخية، لتتحول في لحظة معينة إلى مجرد “فراغ” تسيره الإدارة الاستعمارية للتحكم في مستعمراتها في الشمال والغرب الأفريقيين، ثم لتكون بعد الاستقلال “همزة وصل” بين غرب مستعمرات أفريقيا الفرنسية وشمالها، قبل أن تصبح البوابة الخطرة لمنطقة الساحل الأفريقي التي تشهد حاليا عنفا كبيرا والعديد من الاضطرابات المختلفة.

من المهادنة إلى المواجهة

بعد تنامي الخطر المحدق لتنظيم القاعدة وأخواته في الساحل الأفريقي، على مدى السنوات الماضية، حسمت موريتانيا خياراتها في المواجهة العسكرية المحدودة من خلال أسلوب الضربات الاستباقية.

غير أن العمليات التي قام بها الجيش الموريتاني ضد القاعدة داخل الأراضي المالية، لم تكن تندرج في إطار سيناريو سياسي-عسكري دولي على طريقة عمليات الـ”كلاديو” يتم تدبيره بعناية وسرية لخلط الأوراق ولتغيير الأولويات تنفيذا لأجندات داخلية أو خارجية لجعل موريتانيا تُقحم في تصفية حسابات ذات طابع إقليمي صرف لا علاقة لها بالحرب على الإرهاب. ومما لا شك فيه أن الجماعة السلفية للدعوة والقتال قد تحولت في سبتمبر 2006 إلى فرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بعد إعلان ولائها لتنظيم القاعدة الأم، وقد نجحت في زرع خلايا نشطة من الجهاديين يتمتعون بقدرات تسليحية ولوجستية نوعية تمكنهم من فتح جبهة جديدة في موريتانيا رغم وجود أعضاء بارزين من تنظيم “أنصار الله المرابطون” في المعتقل، وهو التنظيم الذي يعتقد على نطاق واسع بأنه بات يمثل الفرع الموريتاني للقاعدة. وقد تعززت تلك القدرات التسليحية واللوجستية وتضاعفت بعد انفجار الأوضاع الأمنية في ليبيا وتسرب السلاح والمسلحين منها نحو الشمال المالي.

ورغم أنّ مؤشرات تنامي أنشطة إرهابية” واضحة المعالم في موريتانيا، كان يفترض بأنها باتت مؤكدة منذ عدة سنوات بعد أول إعلان رسمي عن وجود تيار سلفي جهادي في موريتانيا سنة 1994، إلاّ أنّ الحكومات الموريتانية المعاقبة كانت تختار دوما سياسة المهادنة في وجه تلك التهديدات.

وكان الاتجاه السّائد في الخطاب السياسي والإعلامي الرّسمي منصبا على إبراز الأسباب التي ساهمت تاريخيا في الحد من تصاعد التطرف والغلو الديني في موريتانيا بالأمس كما باليوم، وتعداد فضائلها كما لو كانت قيما مطلقة تقع خارج الزمان و المكان. وربّما اعتمدت الحكومة آنذاك على تقديرات مبالغ فيها حول أهمية بعض العوامل الاجتماعية والثقافية في لجم التطرف والإرهاب، كطبيعة التنظيم القبلي للمجتمع ودور الطرق الصوفية، إضافة إلى النزعة العفوية لدى الموريتانيّين لمقاومة الإسلام المستورد.

هكذا، منذ البداية، لم تتجه الأمور نحو إجراء تشخيص موضوعي للمشكلة يفضي إلى اقتراح سيناريوهات ملائمة وخطة عمل جدية في الوقت المناسب وبالإمكانيات المتاحة، لنزع فتيل عوامل الاختلال التي ستساهم في ما بعد في انتشار الإسلام السياسي الراديكالي في موريتانيا ومعالجتها بشكل جذري قبل وقوع الكارثة.

وهنا تكون القاعدة قد نجحت فعلا في تحقيق بعض أهدافها الاستراتيجية الهادفة إلى تعبئة المخزون الهائل من الإحباط السياسي والغضب الشعبي والشعور بالحرمان وتنامي الكراهية على نطاق واسع ضد السياسات الغربية وخاصة الأميركية، المتسمة بالراديكالية والعجرفة على امتداد العالم الإسلامي، عبر تجنيد آلاف الشباب الّذين يعيشون ظروفا اجتماعية واقتصادية قاسية ولا يرون أمامهم ضوءا في نهاية النفق غير التسلل عبر قوارب الموت للوصول إلى الشواطئ الأوروبية أو الجهاد في سبيل الله ضدّ المصالح الغربيّة.

سيناريو التدويل في الساحل

موريتانيا ومأزق الحلقة الأضعفإن استقراء موضوعيا للمعطيات المتاحة يؤكد حصول عدة تغيرات جيوسياسية هامة حدثت في المنطقة ولا بد من أخذها بعين الاعتبار عند تقييم الموقف العام من الناحية الاستراتيجية. وتتعلق هذه المعطيات بتطور الفاعلين الاستراتيجيين المعنيين من جهة، وبتغير طبيعة التهديدات الأمنية نفسها وكذلك بتطور مفهوم الأمن والدفاع من جهة أخرى، وتتلخص في:

أولا: عملت القاعدة منذ عدة سنوات وتحت تأثير الضغط عليها في المشرق الإسلامي (أفغانستان، الجزيرة العربية، العراق، اليمن) على نقل ثقلها التعبوي والميداني من منطقة الشرق نحو الغرب الإسلامي للبحث عن ملاذات آمنة في منطقة الساحل الأفريقي. وبالفعل، كانت تلك المنطقة من العالم المسحوقة والمنسية قد تحولت في العشرين سنة الماضية إلى مسرح كبير للإرهاب ولأعمال العنف المختلفة، وكذلك لأنشطة استخباراتية دولية للرصد والعمليات الخاصة في منطقتي المغرب العربي ودول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

ثانيا: استطاعت شبكات التهريب الدولية المذكورة أن تتكيف مع الظروف القاسية للساحل الصحراوي وأصبحت تعتمد على بعضها البعض ضمن استراتيجية شاملة ومعقدة من أجل البقاء، تتجاوز الخصوصية التنظيمية لكل شبكة على حدة. وهكذا تتساند شبكات التهريب الدولية هذه في ما بينها وتوظف قدرات وخبرات بعضها البعض من خلال تقديم وكلائها لخدمات مأجورة تحت الطلب ضمن ما يشبه دورة اقتصادية مغلقة خاصة بها، تتطور بسرعة نحو نوع من “رأسمالية الإرهاب” أو “اقتصاد الإرهاب الريعي”.

ثالثا: تطور مفهوم الأمن نفسه بشكل جذري من المنظور الاستراتيجي. فمع ظهور مفهوم “الأمن البشري” الذي ابتكرته الدبلوماسية الكندية أواخر تسعينات القرن الماضي وتبنته هيئة الأمم المتحدة من خلال تقرير التنمية البشرية لسنة 2004، تغيرت النظرة الكلاسيكية لمفهوم الأمن والدفاع. تلك النظرة التي كانت تحصر وظيفة الأمن فقط في تأمين السلطة الحاكمة والدفاع عن الحوزة الترابية للدولة على حساب أمن البشر أو الأفراد، أي الناس العاديين الذين هم المواطنون في ظل دولة القانون. فقد أصبح تركيز السياسات الأمنية الجديدة على أمن المواطن وتأمين احتياجاته أولا وقبل كل شيء، لتجعل من حفظ كرامته واحترام حقوقه وتحقيق طموحاته في التنمية المستدامة ورعاية مصالحه الحيوية المشروعة نقطة مرجعية لرسم السياسات العمومية في مجال الأمن.

رابعا: تطورت طبيعة التهديدات التي تمثلها القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من مرحلة المشكل الداخلي المقلق لكلّ دولة على حدة إلى قضية إقليمية جيوسياسية بالغة الحساسية. و هذا البعد الإقليمي للقضية تم حتى الآن توظيفه في لعبة التجاذبات الإقليمية للعلاقات والمصالح الدولية السياسية والاقتصادية والأمنية مثل إشكالية العلاقات الثنائية الحذرة والمثقلة بتداعيات الماضي الاستعماري بين الجزائر وفرنسا، وكذلك إشكالية حركات التمرد الطارقية في شمال مالي، خاصة بعد انفصال إقليم آزاواد والإعلان عن استقلاله من طرف واحد.

موريتانيا ومأزق الحلقة الأضعف

ليس خافيا أنّ موريتانيا تعاني من مفارقات هائلة وتباينات حادة في طبيعة المعطيات الجغرافية والديمغرافية مثل كبر حجم المساحة وترامي المسافات في ما بينها، إذ تتجاوز مساحة البلاد أكثر من مليون كلم، بينما تتجاوز الحدود البرية 5000 كلم، ويبلغ طول الساحل البحري على المحيط الأطلسي وحده 754 كلم، وطول الحدود على شاطئ نهر السينغال850 كلم. هذا إلى جانب ضعف شديد في الكثافة السكانية بمعدل 2,5 نسمة/كم ويصل إلى صفر نسمة/كم في كثير من مناطق البلاد، بالإضافة إلى انعدام وضعف الوسائل التكنولوجية واللوجستية مثل الأقمار الصناعية وأنظمة الرصد والتجسس وشبكات قواعد البيانات وأجهزة المراقبة والتنصت الإلكتروني، وقواعد التحكم والسيطرة العملياتية، ومنظومات تحليل المعلومات.

وتشير المصادر الإحصائية المتخصصة إلى وجود نقص حاد في البنى التحتية والمعدات والتجهيزات العسكرية الأمنية والدفاعية تعاني منه القوات المسلحة و قوى الأمن في موريتانيا، يضاف إلى ذلك محدودية الموارد المالية للدولة المخصصة للإنفاق العسكري من أجل رفع الجاهزية التعبوية والقتالية لوحدات الجيش وقوى الأمن.

باختصار، إن القدرات العسكرية على الاستجابة الفورية لتهديدات أمنية جدية وخطيرة ـ مهما كان مصدرهاـ تستهدف وجود الدولة الوطنية الموريتانية في الصميم كالجريمة المنظمة والإرهاب وتهريب المخدرات والاتجار غير المشروع بالممنوعات والهجرة السرية لم تحظ حتى بالاهتمام السياسي النوعي المطلوب.ولم يسبق أن سجل هذا الشكل من المشاريع ضمن أولويات السياسات العمومية بالنسبة إلى الأحكام المتعاقبة على هذه البلاد طيلة الخمسين سنة الماضية.

لم يعد في الإمكان تأخير إصلاح حقيقي يطال جوهر وشكل السياسات العمومية المذكورة، فقد حان الوقت لأن تتغير النظرة الضيقة للأمن وللدفاع في موريتانيا، المحصورة تقليديا في أمن السلطة الحاكمة وأمن الإقليم الترابي على حساب الاهتمام بأمن البشر أو المواطنين العادين في ظل دولة القانون. إن مثل هذا التغيير في الأفق، يقتضى من الآن فصاعدا أن تركز السياسات العمومية أولوياتها على الأمن البشري أي أمن المواطن أولا وقبل كل شيء.

في مثل هذا السياق الحذر، يحتم الموقف الجيوستراتيجي الحساس على الحكومات الموريتانية أن تجتهد بصدق في حسن قراءة خارطة المعطيات والمؤشرات المتعلقة بقضايا الأمن الاستراتيجي والتهديدات الإرهابية للقاعدة وغيرها، قصد بناء السيناريوهات الممكنة لتسيير المواجهة على أسس علمية، ومن ثم يتوجب عليها أن تعيد تقييم خياراتها على أساس المفاضلة الموضوعية في ما بين تلك السناريوهات، بما يخدم المصلحة الوطنية بكل مسؤولية وتجرد. فمصير الدولة التي قد لا تحسن المناورة هو أن يحكم عليها بالخضوع لمناورات دول أخرى عرفت كيف تجيد اتخاذ قراراتها.

وعلى كل حال، إذا لم تكن لدى الحكومة الموريتانية الإمكانيات اللازمة لتحقيق سياساتها في المجال الأمني والعسكري في الوقت الراهن، فلن يعيبها أن تتبنى سياسات تتناسب مع إمكانياتها.

وصادق البرلمان الموريتاني، مؤخّرا، على معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي، لمكافحة الإرهاب الدولي، الموقعة من طرف الحكومة الموريتانية بجدة في نوفمبر 2012 .وقال وزير الاقتصاد والتنمية الموريتاني، سيدي ولد التاه إن المعاهدة تتميز بكونها تقدم تعريفا مختلفا للإرهاب ينطلق من مفهوم الدول الإسلامية لهذه الظاهرة العالمية.

واعتمدت معاهدة المؤتمر من قبل وزراء خارجية دول المنظمة المنعقد في واغادوغو خلال الفترة ما بين 28 يونيو لغاية 1 يوليو 1999. وتُعرف المعاهدة الجريمة الإرهابية على أنها أي جريمة أو شروع أو اشتراك فيها، ترتكب تنفيذا لغرض إرهابي في أي من الدول الأطراف أو ضد رعاياها أو ممتلكاتها أو مصالحها أو المرافق والرعايا الأجانب المتواجدين على إقليمها مما يعاقب عليها قانونها الداخلي.

دراسة صدرت عن المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية (الحرب المستحيلة: موريتانيا ضد القاعدة)

المصدر : موقع الحرية الموريتاني .