WESTERN SAHARA U.N.ينشر موقع “الضمير” وبشكل حصري دراسة نقدية لمسيرة جبهة البوليساريو، من إعداد الأستاذ النانة حمدي ميارة، الدراسة مقسمة إلى عدة مباحق ومطالب تأتي على الشكل التالي :

ـ مقدمة  :

ـ المبحث الأول : منطلقات وأهداف الجبهة .

    * المطلب الأول : منطلقات الجبهة .

    * المطالب الثاني : أهداف الجبهة .

ـ المبحث الثاني : دراسة سيكولوجية لقيادة الجبهة .

    * المطلب الأول : تكوينهم الفكري .

    * المطلب الثاني : سلوكهم الإجتماعي .

    * المطلب الثالث : خطابهم السياسي .

ـ المبحث الثالث : الوضع الحالي للجبهة .

المطلب الأول : جماهيرية الجبهة .

المطلب الثاني : طموحات القيادة الحالية .

ـ الخاتمة:  وتضم بدائل للواقع الحالي ، وكيفية الوصول إلى تحقيق طموحات الشعب الصحراوي .

 يذكر أن الموقع لا يتحمل أي مسؤولية وتبقى الدراسة تعبير عن وجهة نظر شخصية، مما يفتح المجال أمام المختصين و القراء و المتابعين للنقاش و الردود و التعاليق.

هيئة تحرير موقع ” الضمير ” …

مقدمة :

إن الهدف من هذه الدراسة المتواضعة هو وضع الإنسان الصحراوي أمام واقع منظمته الطلائعية ، التي طالما تشبثت بها وأعطاها الغالي والنفيس ، كما ألفت نظر القارئ أنني لست قياديا ولا إطارا ، ولم أتقلد أي وظيفة  سامية في جبهة البوليساريو ، وذلك حتى لا يذهب ذو النفوس الضعيفة ، والمحللون الفضوليون إلى إتهامي بالإنتقام و الغضب وتصفية الحسابات .

وإنما أجتهد في محاولة تشخيص الواقع تشخيصا موضوعيا حتى يتمكن الصحراويون الغيورون على وطنهم من إيجاد الدواء المناسب لهذه الوضعية التي تمر بها المنظمة الطلائعية حاليا .

وأسس لنقاش منقطي جاد ونزيه يكون مرجعا تاريخيا للأجيال القادمة ، تتطلع من خلاله على ما تحقق من إنتصارات باهرة ، وتعلم ماوقع من إنتاكاسات محيرة .

إن هذه الدراسة خلاصة 30 سنة ونيف في إطار جبهة البوليساريو ، عرفت خلالها مناضلين هم الأن تحت التراب ، وأخرون تخلوا عن المسيرة وعادوا إلى المغرب ، وثلة أخرى تحفظت على الواقع الذي تمر به منظمتها الطلائعية ، فذهبت تسعى بين ممارسات للتجارة عبر الأسواق المنتشرة في الولايات وبين الدول المجاورة ( الجزائر / وموريتانيا / مالي ) أو مهاجر إلى أوروبا وخاصة إسبانيا .

كما عاصرت قياداتها وعرفتهم عن قرب بدءا بمفجرها الولي مصطفى السيد رحمه الله و إلى أبسط إطار فيها .

وأشهد الله عز وجل و القارئ الكريم أنه ليس لدي أي مأرب شخصي ولاطموح مادي أهدف إلى تحقيقه من خلال هذه الأسطر ، بل كما أشرت سابقا هو إجتهاد فإن أصبت لي أجرين وإن أخطأت لي أجر واحد .

والحكم متروك للقارئ المنصف لا القارئ المتربص أو الفضولي ، وأنا مستعد لأي نقد أو ملاحظة أو حتى مناظرة لمن يريد ذلك ، وأرجوا من المولى عز وجل التوفيق وإبلاغ المراد .

المبحث الأول : منطلقات وأهداف جبهة البوليساريو .

وهنا أستعرض الأهداف التي إنطلقت منها الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من خلال مطلبين :

المطلب الأول : منطلقات جبهة البوليساريو .

وفيه أعالج نقطتين أساسيتين هما :

1 ـ أرض محتلة ، 2 ـ شعب مقسم .

1 ـ أرض محتلة : أحتلت أرض الساقية الحمراء ووادي الذهب ، والتي كانت تسكنها القبائل الصحراوية ، تجعل من كلائها مرتعا لمواشيها من ماءها ميرادا لها ، وتحميها من كل خطر من طرف الإستعمار الإسباني بعد مؤتمر برلين 1885 ، علما بأنها تعرضت قبل ذلك لعدة محاولات إحتلال من قبل البرتغاليين والإنجليز ، لكنها باءت بالفشل ، وكذلك حاول السلاطين المغاربة المتعاقبين إخضاعها لنفوذهم فلم يتسن لهم ذلك وخاض الصحراويين مقاومة شرسة ضد الإستعمار الفرنسي من جهة والإسباني من جهة أخرى ، كما أنهم قارعوا الإستعمار الفرنسي في كل الإراضي المجاورة موريتانيا ، وجنوب الجزائر ، وجنوب المغرب ( واد نون ، أقليم طرفاية ، الذي كان أرضا لهم سلمتها إسبانسا إلى المغرب سنة 1958 مقابل سبتة ومليلة ) .

فوقعت عدة معارك يحفظها الأرشيفين الفرنسي والإسباني مهنا على سبيل الذكر لا الحصر : صنكة برميل ، غزي لقصيب ، أغوينيت ، أم التونسي ، توجنين ، لقليب ، ودان ، وديان الخروب ، تنيموم ، أم أظفيرات …. الخ .

توقفت المعارك بشكل تام وسيطرت فرنسا على جنوب الصحراء و موريتانيا بعد إستشهاد القائد البطل  والهمام الفذ الذي لازال الصحراويين يتذكرون مأثره وبطولاته أبا عن جد الا وهو الشهيد أعلي ولد ميارة سنة 1933 بمنطقة ميجك ( تيرس ) .

لتتواصل بعد ذلك بقيادة جيش التحرير الصحراوي ، الذي كانت نية مقاتليه صادقة وهي الجهاد في سبيل الله ، ولكن تحليلات أخرى تنم عن نية سيئة فأسموه ” جيش التخريب ” والله أعلم ،وليس هذا موضع بحثي ، فكانت معارك الدشيرة ، وأرغيوة ، وأمهيريز ، والداخلة ، وتكل ، وغيرها .

إنتهت بعملية التكالب الإستعماري المعروفة بعملية أكفيون 1958 م ، وتمت السيطرة النهائية على المقاومة وإخضاع الإقليم للإستعمار الإسباني .

لجأ الصحراويون للعمل السياسي كأسلوب لإخراج  المستعمر بالوسائل السلمية فكانت إنتفاضة الزملة التاريخية بقيادة القائد الشاب والصحفي المثقف محمد سيدي إبراهيم بصيري رحمه الله  17 يونيو 1970 وأهدافها معروفة ومطالبها أيضا عند كل صحراوي ، كما كانت مظاهرات طلابية جنوب المغرب منددة بالإحتلال و مطالبة بتحرير الوطن وإعطاء الصحراويين  حقهم صيف 1972 م .

لتنطلق بعد ذلك الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب لتتمم ما إنتهت عنده إنتفاضة الزملة فأمنت بالكفاح المسلح كأنجع أسلوب لتحرير الوطن ( اللغة التي يفهمها الإستعمار بالنظر إلى تجارب الشعوب والأمم السابقة ) .

فإنطلقت ثورة 20 ماي بقيادة القائد الهمام والبطل الشاب والمفكر الصادق والوطني المخلص الولي مصطفى السيد رحمه الله .

بعد مؤتمرها التأسيسي في 10 ماي 1973 م ، فكانت معركة الخنقة التاريخية 20 ماي 1973 م ،

 إيذانا بإنطلاقة الشرارة الأولى للكفاح المسلح بالصحراء الغربية ، تولت تنفيذها مجموعة صحراوية واضعة نصب عينها تحرير الوطن وجمع شمل الصحراوين في وطن واحد حر ومستقل .

وإنطلق الأخرون في الدول المجاورة وعبر الأرياف والبوادي والمهجر يتصلون بالصحراويين لتحسيسهم بهذه الثورة وأهدافها ويحشدون لها الدعم المادي والمعنوي وفي وقت وجيز إستطاعت هذه المجموعة المؤمنة بحتمية النصر تأطير عدد كبير من الصحراويين وبكل مناطق تواجدهم ( شمال موريتانيا ، جنوب المغرب ، جنوب الجزائر المهجر ، أوروبا ) .

وتكونت نواة جيش التحرير الشعبي الصحراوي الذي قام بعدةمعارك ناجحة مثل حاسي معطلا ، وقلب لحمار ، وأرغيوة والتفاريتي … الخ ، وكانت معركة أكجيجيمات التاريخية التي غيرت مجرى الأحداث وأجبرت الإستعمار الإسباني على التفاوض مع جبهة البوليساريو ، وإلتزم بإعطاء الصحراويين حقهم ، لكن لجأ إلى أساليب تثعلبية منها إعداد عناصر موازية للجبهة ، وتكوين حزب حاول  محلية الصحراء ( حكما ذاتيا ) ، كما حاولت الجارة المغرب نفس الشيء فكونت مجموعة

( الرجال الزرق ) و ( جبهة الوحدة والتحرير ) ،  وغيرها من المحاولات التي تكسرت كلها على حجر إرادة الشعب الصحراوي . كما أثبتت ذلك بعثت الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بالصحراء الغربية 1975 التي أكدت أن الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي ، ولم تمضي سنتين حتى ذاع صيت الشعب الصحراوي و أصبحت قضيته محط أنظار العالم وتناقش في المحافل الدولية كقضية تصفية إستعمار .

وما أن بدأت إسبانيا نيتها  في الإنسحاب من أرض الساقية الحمراء ووادي الذهب حتى قام المغرب بمسيرة سوداء أسماها ” المسيرة الخضراء ” لإهام الرأي العام العالمي بأنه إسترجع أراضي بالطرق السلمية من الإستعار الإسباني ، وإذا كانت المسيرات السلمية ترجع الأراضي فلماذا لايوجهها إلى مدينتي سبتة و مليلة ؟!! .

وخطب الحسن الثاني في مسيرته قائلا :

( إذهبوا يا رعاياي الأعزاء فإذا وجدتوا إخوانكم الإسبان فإقتسموا معهم الماء والزاد ، وإذا وجدتم مرتزقة البوليساريو فإن جيشي من ورائكم يحميكم ) ، متنكرا بذلك لروابط الأخوة والدين موليا للنصارى أيده وفي ذلك المملكة السعودية ، وسودان النميري وعراق صدام .

وأصدر أوامره في 31 أكتوبر 1975 لقواته الجوية لتقصف الصحراويين في أم أدريقة و القلتة وأمقالا ، وغيرها بالنابالم والفسفور والقنابل العنقودية ، ومازالت أثارها شاهدة حتى اليوم ، وإنطلقت قواته البرية تعيث فسادا في الأرض تساعدها من الجنوب قوات المخطار ولد داداه الموريتانية ، ففر المواطنون الصحراويون على الأقدام تاركين كل ممتلكاتهم ففرقو بين العائلات ، وإعتقلوا كل من يشكون فيه ، وإقتصبوا النساء ، فكانوا بحق أبشع من التتار ، إلا أنهم تتار يدعون الاسلام ن وتم كل هذا تحت حصار إعلامي رهيب لأن العالم لو إطلع عليه لا إهتزت منظمات حقوق الإنسان لهول الموقف ، والتحق معظم الصحراوين باللجوء .

2 ـ شعب مقسم  :

عندما سيطرت إسبانيا على إقليم الساقية الحمراء ووادي الذهب ( الصحراء الغربية ) في بداية القرن التاسع عشر أصبح الشعب الصحراوي يعيش مقسما بين المناطق المحتلة ، وجنوب المغرب وشمال موريتانيا وجنوب الجزائر ولتكري هذا الواقع إنتهجت إسبانيا وكذلك فرنسا سياسة واضحة وممنهجة لمنع الصحراويين من دخول أرضهم ، فأصبح الصحراوي لايستطيع الإقامة في وطنه إلا بتفويض من الإستعمار وبضمانات معينة .

فكان هدف الصحراوين هو تحقيق وحدتهم على أرضهم لأنهم يعرفون مساوي الغربة ويفهمون جيدا البيت الشعري :

بلادي وإن جارت علي عزيزة   وأهلي وإن ضنوا علي كرام .

كما مكنتهم تجربة التعامل مع المواشي بأن الشاردة عن القطيع دائما تلقى مصيرا سيئا .

 وإلى متى يعيشون كالضالة هذا يستجير فيها ويسقيها وذاك يطردها عن الماء والكلا .

هذه قناعة الأستاذ محمد سيد إبراهيم بصيري ، لأنه عاش في الغربة وتلك إستنتاجات الولي لأنه عاشها في جنوب المغرب ، فعملوا على جمع شمل الشعب الصحراوي في كيان مستقل مثل كل الدول المجاورة وكباقي الدول العربية ، دون أن  يغفلوا أن الوحدة العربية هي أسمى هدف وأعز مبتقى ، حيث خطف الأول وسجن في دهاليز سجون الإسبان ، وجهل مصيره مع الأسف ، وأستشهد الثاني في معركة تاريخية قرب العاصمة الموريتانية نواقشوط في 09 يونيو 1976 .

فتركا  المشعل لمن بقى بعدهم ويقول المثل :

عيب الدار باقي مرهون على من بقا في الدار .

وحيث أن الحمل ثقيل والمثل أثقل لأنهم قدموا أعز ما يملكه البشر وهو روحيهما .وكذلك من أستشهد قبلهم أو معهم ، أو بعدهم من أبناء الشعب الصحراوي الأعزاء ، فإن التقاعس عن خطاهم والتفكير في التنازل عن أهدافهم ناهيك عن المساومة على ما حققوا من إنتصارات ومكاسب بدمائهم . يعتبر جريمة لا تغفر ، ستبقى لعنتهم تلاحق كل خائن مرتد .

تلكم هي إذن المنطلقات التي بدأت منها جبهة البوليساريو ، ماهي الأهداف التي سعت إلى تحقيقها ؟!

ذلك ما سنتناوله في المطلب الثاني . بالنظر إلى المنطلقات .

المطلب الثاني : أهداف البوليساريو .

أ ـ تحرير الوطن :

الهدف الأساسي لجبهة البوليساريو هو تحرير الوطن معتمدة الكفاح المسلح أسلوبا ، فخاضت معارك ضد الإحتلال الإسباني ، فأجبره على التفاوض ثم الإنسحاب لكنه إلتف على ما إتفق عليه  من خلال ذلك التفاوض بتوقيع إتفاقية مدريد المشؤمة يوم 14 نوفمبر 1976 مع المغرب وموريتانيا تم بموجبها تقسيم الصحراء الغربية بين هذين الأخرين ، على أن يسلما لإسبانيا نسبة من خيرات الوطن ، وبذلك تكون إسبانيا قد تنكرت لكل المعاهدات والمواثيق  الدولية ، ولازالت مسؤلية الإقليم في عنق إسبانيا ، وعليها مراجعة نفسها وتحمل مسؤليتها إتجاه كل ما عاناه الشعب الصحراوي طيلة أكثر من 30 سنة .

بعد هذه الإتفاقية التي أعطت الضوء الأخضر للألة الحربية المغربية و الوريتانية ، فتحركة الأولى مدعومة من طرف فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبعض الدول المسلمة كالسعودية والسودان والعراق من الشمال تقتل وتدمر وتسجن ، يقابلها الجيش الموريتاني الداداهي من الجنوب مدعوما من طرف فرنسا والسنغال ، ضاربين المواثيق والقوانين و الأعراف الدولية عرض الحائط ، وأمام صمت دولي رهيب ، رغم وصول مبعوث أممي للمنطقة  لكن تقريره ذهب ضحية التجاذبات الدولية أنذاك ، فواصلت جبهة البوليساريو كفاحها ضد الغزات الدخلى ، فكانت المهمة أمام المناضلين الصحراوين صعبة جدا حيث قوافل الفارين من وجهة الإحتلال ، ومهمة توفير لهم الأماكن الملائمة لإيوائهم ( المسكن ، المأكل ) ، وفي نفس الوقت مهمة مواجهة قوات الغزو المدججة بالجنود و الأليات برا وجوا والتي هدفها بلا هوادة سحق الصحراوين عن بكرة أبيهم ، لايراعون في ذلك إلا ولاملة ، ولم يضعوا أي إعتبار للروابط الدينية و الإنسانية ولا لروابط الدم و الأخوة ،فأستمات الصحراوين في الدفاع عن شعبهم ووطنهم رغم عدم تكافؤ القوة ، فأسلحتهم بسيطة وعددهم قليل ، لكن السلاح الذي

لايملكه الغرب ولا الشرق لديهم قوى وهو الإيمان بالله الواحد القهار ،وبعدالة قضيتهم ، فتفانى الصحراويون في مهمتهم كلا من موقفه وعلى كل الجبهات ، العسكرية والداخلية و الدبلوماسية فنظم صفوف مقاتليه الشجعان الذين لغنوا الغزاة  دروسا في التضحية والفداء ، فكانت معارك حوزة ، والفرسية ، والتوكات و السمارة ، التي أسر فيها النقيب الطاهري الطاهر ، فكبحت جماح الجيش المغربي ، وكانت بير ام القرين ، ودان والسكة الحدية ، والنعمة ، ونواقشوط التاريخية التي جعلت القوات الموريتانية تراجع حساباتها.

 وعلى الجبهة الداخلية كان لقاء عين بنتيلي التاريخي 12 أكتوبر 1975 ، نواة لوحدة وطنية حقيقة مبنية على أن مصلحة الشعب والوطن فوق كل إعتبارات مهما كانت اهميتها .

وأعلن دولته الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في 27 فبراير 1976 ، فتهاطلت الإعترافات الدولية ، وكسب المعركة على مستوى محكمة العدل الدولية و قرارها الشهير . ولم تمضي مدة حتى إنسحبت موريتانيا من الحرب وأجبرت على توقيع إتفاقية الجزائر في 5 غشت 1979 .

وإنفرد جيش التحرير الشعبي بالقوات المغربية ليذيقها مرار ما فعلت بالنساء و الأطفال العزل ، فكانت لمسايل و الخلوة و القلتة ، والزلاقة ، ولبيرات ، وبئر نزاران ، فلجأ الملك الحسن الثاني إلى أسياده الأمريكان و الإسرائيلين فأشاروا عليه بإقامت الجدار الرملي ، فكاننت حرب الإستنزاف الشهيرة ، ووقعت معارك ضاربة كلفت خزينة المغرب بل وكل مؤيديه تكاليف باهضة ، وإنعكس الوضع على الداخل المغربي ، فأصبح الحسن الثاني يبحث عن حل ، فكانت المفاوضات السرية في أكثر من موقع ، لينبثق عن ذلك  مخطط السلام الأممي  1988، والذي أسفر عن البحث في تطبيق إستفتاء تقرير المصير للشعب الصحراوي ، تم إتخاذ القرار المشئوم في تاريخ قيادة البوليساريو مهما كانت المبررات وهو وقف إطلاق النار ، قبل الخوض في دراسة كل بنود المخطط ، تم وقف إطلاق النار 6 سبتمبر 1991 فالوطن لم يحرر و الإستفتاء لم يجر .

ب ـ توحيد الشعب الصحراوي :

وعيا من القيادة الوطنية للجبهة وعلى رأسها الشهيد الولي و السائرين على دربه أنه دون وحدة الشعب الصحراوي و تلاحمه في إطار يكون بمثابة الوعاء الذي يجمع ألام وأمال هذا الشعب ويكون اليد التي يصافح بها كما يضرب بها من إستحق ذلك ، عمل رحمه الله والمعتنقين حقيقة لإفكاره والثائقين في حسن نواياه إتجاه شعبه ، على توحيد هذا الشعب المقسم ، فكان لقاء ” عين بنتيلي ” كما أشرنا سابقا النواة الأولى لهذه الوحدة ، وعبر إجتماع أعيان الشعب الصحراوي من كل حدب وصوب ( الجمعية العمومية ، المناطق المحتلة ) وكل الأعيان الموجودين في مناطق الشتات جنوب الجزائر و شمال موريتانيا و التقت التجربة والحكمة بالثقافة و الإرادة  و الحماسة فتزاحمت الأفكار ليخرج الصواب ، وكانت نتائج اللقاء جد مثمرة سار على طريقها المعبد الخالي من الشوائب ( كالقبيلة ، والإنتهازية ، والتلاعب بالممتلكات العامة ، وضع الإنسان في غير مكانه المناسب ) ، الشعب الصحراوي عدة سنوات يحقق الإنتصارات ، يقوي التلاحم ، فتعارفت أجيال تلوا أجيال يجمعها حب الوطن والتشبث بالقضية الوطنية غير عابثين بالروابط العائلية و القبلية ، فكانت العلاقة قوية ومتينة لأنها مبنية على أساس خرسانته دماء الأباء و الإخوة و الإحبة ، فاندفع الجميع نحو الهدف الأسمى ، كل من موقفه حتى جاءت الرياح بما لا تشتهي سفن أهل الصحراء ، فأنقلبت الوحدة إلى تفرق ، وعادة القبيلة هي أساس الإعتبار ، ورجع الشعب الصحراوي إلى الظروف التي كان يعيش فيها إبان الإستعمار الإسباني و لا أقول قبله لأن الصحراويين في تلك الفترة مقسمين قبليا وجغرافيا ، موحدين في الفكر والهدف أي حماية الوطن و الذود عنه إذا حل به خطر .

وعليه فإن القمبلة التي تفطن لها الرعيل الأول من المناضلين الصحراويين وعملوا على إبطال مفعولها إتخذها بعض المناضلين أسلوبا لتحقيق أهدافه فكانت أحداث 1988 ، وما إنجر عنها دليلا قاطعا على أن فكرة الولي وأصدقائه التي تمسكوا بطرحها صائبة وما عداها خاطئ ، وأفتح قوسين لأوضح أن معظم القيادة الصحراوية الحالية هم من الرعيل الأول لكنهم تخلوا عن الأفكار السليمة و الدرب النير ليغوصوا في أوحال المتاهات فأصبح الإرتزاق هدفهم والقبيلة وسيلتهم ، وإحتقار البشر قناعتهم ، والتخلي عن الأهداف السامية للشعب الصحراوي وشهداته ومنهجهم ، فإختلط الحابل بالنابل وإبتعد الوطن ليبقى المواطن الصحراوي  في أشد أنواع التفرقة ، ولهذا أصبح لزاما علي تناول هذه الفئة بالدراسة والتحليل كي أجيب على العديد من التساؤلات التي يطرحها الإنسان الصحراوي وأهمها :

ـ هل هم لازالوا مناضلين ؟!

ـ هل هم يعملون لصالح أجندة أخرى ؟!

ـ هل غلبوا الحسابات الشخصية على المصالح الوطنية ؟!

إلى غير ذلك من الاستفسارات التي تلج في خاطر كل صحراوي يريد الخير للوطن والمواطن .

المبحث الثاني : دراسة سيكولوجية لقيادة البوليساريو .

المطلب الأول : تكوينهم الفكري .

أعني بتكوينهم الفكري مستواهم التعليمي ووعيهم الثقافي .

وقد يتساءل البعض لماذا تطرقت لذلك ، فأجيب بالقول بأن المتعلم المثقف ، ينعكس ذلك على سلوكه لاسيما إذا كان ناضجا و منطلقا من قيم وأخلاق مجتمعه ومحترما لها ، ورغم أن هذه المجموعة كان من أعلى أبناء الشعب الصحراوي تعليما إلا أن المثقفين في صفوفها قليلين ، وهذا ما أثر على تسيرهم للشعب الصحراوي ، فوقعت عدة أخطاء فادحة إنكشفت بعد وقف إطلاق النار ، لأنها كانت مطموسة ببريق الإنتصارات الباهرة التي يصنعها المقاتل الصحراوي الشجاع في ميدان المعركة ، والتلاحم والتفاني في الجبهة الداخلية الذي تجسده المرأة الصحراوية المناضلة والصابرة والصبورة ، وإنعكاسات ذلك على الجبهة الدبلوماسية طمس تلك الأخطاء ولم يعر لها أي صحراوي الإهتمام فتفاقمت وتمادى فيها أصحابها مستغلين طيبة الإنسان الصحراوي وأنفته وعدم إلتفاتته لصغار الأمور بالنظر إلى عطائهما وهي الشهادة ، وتحرير الوطن فكانوا يوظفون تعليمهم في التثعلب ولكن

” المتقطي بالأيام عريان ” ، وبان كل شيئ على حقيقته .

المطلب الثاني : سلوكهم الإجتماعي .

بالنظر إلى ما سبق ذكره في المطلب الأول فقد إنعكس ذلك على سلوكهم الإجتماعي فأصبحوا يمارسون دناءت إجتماعية أترفع عن ذكرها ، وسببها ضعف الوازع الديني ، أو بالأحرى عدم إلتزام غالبيتهم بتعاليم ديننا السمحة ، فأغترفو أخطاء جسيمة في هذا الميدان ، ناهيك عن التعالي عن البشر وعدم إحترام الكبير ، ولايعطفون على الضعيف ، ومصاحبة الوضيع ، وتهميش الرفيع ، وهذا ما ينم عن جهل وتكبر ، والتوسع في هذا المجال يغزز الأنفس ويدمع الأعين ….. !!

المطلب الثالث : خطابهم السياسي .

طبع المرحلة الأولى للجبهة و الممتدة من  صيف 1972 م مظاهرات الطلاب بالطانطان ،وحتى 1976 إستشهاد الولي ـ رحمه الله ـ خطابا سياسيا متزنا وواضحا يتخذ من معطايات المرحلة مادة خامة للنقاش والتحليل والاستنتاج العقلاني ، بأسلوب سلس وسهل يفهمه كل صحراوي مهما كان مستواه مطبقا لمقولة ” خاطب كل على مستوى عقله ” ، فأعطى هذا الخطاب ثماره ومنها إنضواء غالبية الصحراويين تحت لواء الجبهة الشعبية ، وتوحيدهم وشحذ هممهم ، فتفانوا في الدفاع عن شعبهم ووطنهم وتم في ظرف وجيز تحقيق مكاسب كبيرة على المستوى الداخلي ، أما الخطاب الموجه للخارج فكان يتخذ من المعطيات الدولية الأنية أسلوبا ومنهجا فخاطب كلا بفكره وإيديولوجيته فكان من ثمار ذلك الإعترافات المتوالية بالجبهة الشعبية وزبدته بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة 1975 ، وبعد إعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في وقتها القانوني قمة التفكير السياسي السليم فتهاطلت الإعترافات .

ووصلت الجبهة الشعبية إلى ذروتها ووضعت الأسس و الهياكل لدولة صحراوية ، بجيشها المنظم والمسلح ، وشعبها المنضبط الواعي ومؤسساتها الفاعلة ، رغم وجودها باللجوء ، أما المرحلة التي تمتد من إستشهاد الولي وحتى 1988 ظلت ثمار المرحلة السابقة تقطف لأنها وفيرة فأستثمرت الإنتصارات إلا أن الخطاب السياسي بدأ يتغير فطبعه أسلوب الغرور و الإعتزاز بالذات و الإنفرادية بإتخاذ القرارات وبدأ تهميش الأفراد و الهيئات يطفو فلا يرجع للمؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية إلا لتزكية القرارات وإضفاء الشرعية عليه لاغير ، فهو وصفة جاهزة مسبقا مما نتج عنه ميلاد طبقة إجتماعية معدة أساسا للتقبل والتطبيق دون المناقشة والتحليل ، فالقرار يطبق ولا يناقش ، ظلت هذه المجموعة تنمو وتتسع حتى أصبحت شيمة المجتمع الصحراوي في اللجوء التطبيق الأعمى  ، البعض تقبلها لأسباب شخصية حيث أنه لايريد وأد المولود في المهد ـ فظل صامتا مطبقا ـ

والبعض تقبلها بحسن نية وثقة عمياء ، والبعض الأخر تقبلها خوفا ونفاقا ، وفي هذه المرحلة وصل الأخوة القادة إلى مرحلة التقديس ، فأطلقوا العنان لشهواتهم التي لا ينظمها ضابط ديني ولاسياسي كما أشرنا سابقا متمادين في العجرفة ، حاملين شعار الشرعية ، فهم الذين فجروا الثورة ، وخاضوا الكفاح المسلح فلا يمكن محاسبتهم عن أي شيء فتفاقمت الأمور وخرج من بين صفوفهم مجموعة تمردت على أسلوبهم وبدأت العمل في الخفاء تجمع الدعم  و تأطر الأفراد ، حاملة شعار التغيير الديمقراطي حسب كلامهم فإتخذت القبيلة مطية لذالك فكان خريف 1988 الساخن في مخيمات اللاجئين ،

فخرج مواطنون مدفوعون من طرف تلك المجموعة الغاضبة التي تريد الوصول إلى الحكم مرددين شعارات قبلية محضة ، مستهدفين الرجل الثاني في الثورة لاغير ، لحاجة في نفس يعقوب فحملوه كل أخطاء المرحلة السابقة ولم يهنئوه على إنتصاراتها ، وتخاذلت القيادة في طريقة تعاطيها مع الأحداث فكانت النتيجة ما ألت إليه الوضعية الصحراوية الحالية ، ونترك ذلك للتاريخ !

وقبل الخوض في المبحث الموالي أحاول الإجابة عن الأسئلة التي أثرت سابقا والتي تعكر صفوا الإنسان الصحراوي ،   وتشغل باله فبالنسبة للسؤال الذي يقول : هل هم لازالوا مناضلين ؟!

أجيب : بأنهم مناضلي أقوال لا أفعال !

وعن السؤال الذي يتناول :هل هم يعملون لصالح أجندة أخرى ؟!

واقع الحال يظهر ذلك سوى عن قصد أو نتيجة المعطيات والظروف الدولية التي تمر بها القضية .

وعن : هل هم غلبوا الحسابات الشخصية على المصالح الوطنية ؟!

فالإجابة لاتتطلب عناء تفكير وتأمل يكفيك إستطلاع بسيط لرأي القاعدة الشعبية تحصل على الجواب الشافي الكافي .!

المبحث الثالث : الوضع الحالي لجبهة البوليساريو 

 ان التطرق لهذا الموضوع يتطلب الصراحة و الوضوح والموضوعية حتى يمكن ايجاد الحلول المناسبة للخروج من هذه الوضعية ولذلك أتناول مطلبين .

المطلب الأول : جماهيرية الجبهة الشعبية .

هنا علينا التفريق بين جماهيرية الجبهة كحركة وطنية ذات مبادئ وأهداف ، وبين القيادة الصحراوية الحالية و أتعرض لنقطتين :

أ ـ جماهيرية الجبهة الشعبية :

لازالت الجبهة الشعبية هي الحركة الطلائعية التي ينضوي تحت لوائها كل الصحراويين ، ويعلمون جيدا أنها عبائتهم التي يلبسونها ليعرفهم العالم أجمع ، فلا بديل لأي صحراوي مخلص عن هذه العباءة ، ومهما بلت وترقعت ، يغسلها ويخيطها جيلا بعد جيل ، وعليه فمهما كانت الأحوال و الظروف ، وإن جماهيرية الجبهة ستبقى في تزايد مستمر ، هذه قناعة كل صحراوي ، فلا يضرها تخاذل البعض ولا تمادي البعض الأخر في الأخطاء ، لأن المنطق السليم نهايته حتما سليمة ، والثورة تزول بزوال الشعوب لا بزوال  الأفراد ، وما على الأجيال الحالية سوى إدراك المسئولية و النهوض بمنظمتهم الطلائعية ، لترقى إلى مستواها اللائق بها .

ب ـ جماهرية القيادة الحالية :

لا ضيم إن قلت انها تلاشت وانعدمت للإسباب التي ذكرتها أنفا ، فجماهيرية القيادة كانت إنعكاسا لمدى تمسكهم وسيرهم على مبادئ وبرامج الجبهة حيث جاء فيه :

* ـ حركة تحرير وطنية ذات عمق إجتماعي تعمل على تحقيق العدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص و الإستفادة بالتساوي من الخدمات الإجتماعية الأساسية والحفاظ على التماسك الإجتماعي من خلال دعم الأسرة المعنوي أخلاقي ، ثقافي ، إجتماعي ، ديني .

ونتيجة لإبتعاد الإخوة القادة عن تطبيق الأهداف نص البيان التأسيسي للجبهة ، إنعكس ذلك على جماهيريتهم ، حيث أنهم استلهموا التقديس و التقدير من روح هذا البيان ، و القاعدة الشعبية لم تكن تقدرهم لذواتهم ولا مكانتهم الإجتماعية ولا لتعليمهم وثقافتهم ولا لشجاعتهم في ميدان المعركة ، وإنما لمدى  التزامهم بهذه القضية ودفاعهم عنها بصدق وحسن نية أما التشدق و التظاهر بالإلتزام بالخط الذي سارت عليه قوافل الشهداء والجرحى و الثكلاء، وشاب على طريقه رجال ونساء .

والأعمال والأفعال عكس ذلك فهذا لم يعد ينطلي على أحد ، وعليه تراجع التقديس وتحول إلى السب والنقد والطرد أحيانا عن الخيمة … الخ .

المطلب الثاني : طموحات القيادة الحالية .

لما إنطلقت الجبهة الشعبية كانت طموحاتها أي أهدافها الأساسية بل الهدف الوحيد هو تحرير الوطن وتوحيد الشعب ، فهل لازالت هذه الطموحات قائمة لدى الأخوة القادة الحاليين ؟!

إن إستقراءا بسيطا للواقع الحالي يظهر أن نيتهم قد تكون تحرير الوطن  لكن أعمالهم ، ووسائلهم ، وخططهم تظهر عكس ذلك ولتدليل على ما أقول ولكي لا أظلمهم والظلم منبوذا ، لابد من النظر إلى الوضعية الداخلية وكذلك الخارجية وجبهات القتال .

أ ـ الوضعية الداخلية :

بالنظر للسنوات الماضية من عمر الجبهة لأن الوضعية الداخلية تغيرت رأسا على عقب فتحولت الوحدة إلى فرقة وتنافرت القلوب وتباعدت الأجسام ،وأصبح كلا يقدر الأخر على أساس الإنتماء القبلي أو الإنتفاع المصلحي ، ويتضح ذلك جليا في المناسبات الإجتماعية و الإستحقاقات الوطنية ( إنتخابات الدوائر ، والمهام الأخرى ، وفي المؤتمر الشعبي العام ) .

وتغيرت المفاهيم والقيم الإجتماعية فأصبح اللص بطل ( السارق فقراش ) و العفيف دنيئ ، والمشاغب معروفا وبارز وشخصية ، والملتزم مجهول وعديم الشخصية .

والوزارة تسلم للمنفعة ، فإذا كانت ليست ذات منفعة مادية لا يريدها احد ، ناهيك عن الفساد الإجتماعي والأخلاقي الواضح ،و التسيب البائن في التعليم والصحة والهياكل الإجتماعية الأخرى

وبدى الشغل الشاغل هو البحث عن مصدر للرزق ، فإذا كلف أحد بمهمة ولو حارس على مؤسسة يبذل قصار جهده ليجعل منها وسيلة للإنتفاع بدل من جعلها وسيلة خدمية للمواطنين كافة فكانت إنعكاسات هذه الوضعية واضحة للعلن  ، حيث أصبح الشعار البارز تأمين المستقبل و التأمين المقصود هو تأمين المادي الفردي وذهب تأمين مستقبل شعب بأكمله أدراج الرياح وأنتهج في سبيل تأمين المستقبل السبل الشرعية وغير الشرعية وبدأت الهجرة إلى كل الإتجاهات وإختلفت الأهداف فهناك من هو في الداخل ويتاجر بالوسائل المتاحة داخليا ، وهناك من يمارس التجارة الداخلية الخطيرة ، فأزعج الحليف ، وهناك من تخطى البحار ليعمل في أي عمل ككل مهاجر والنتيجة تصدع الجبهة الداخلية  لأسباب مبررة إجتماعيا وسياسيا وإقتصاديا ومنطقيا .

الوضعية على جبهات القتال :

الكل يعلم أن المقاتل هدفه الأساسي تحرير الوطن ووسيلته المعارك العسكرية المستمرة ، ولما تم وقف إطلاق النار دون التخطيط السليم لإيجاد بديل للمقاتل ، رغم أن الإستفتاء كان هو البديل المؤكد ؟ ، لكن خان بيرس دي كويلار وتلاشى معه البديل الإستراتيجي .

فالمقاتل ليس جنديا نظاميا تقيده قوانين وضوابط بل هم مجموعة من المتطوعين  للدفاع عن شعبهم ووطنهم ، وحين يحققون هدفهم الكل سيذهب إلى سبيله والطموح الذي كان يريد ، فكانت حالة اللاحرب واللاسلم غير مفهومة بالنسبة لهم ولا مهضومة لديهم ، فأطلقوا شعارهم مقاتل في إجازة حتى يستأنف القتال فيرجعون فطال الأمد ، وألت الوضعية إلى مألت إليه والجميع يعرفها ولا داعي لذكرها

ج ـ الوضعية الخارجية :

هي إنعكاس طبيعي للوضعية الداخلية و القتالية فكلما كان الوضع الداخلي قوي متماسك وكانت الإنتصارات العسكرية متواصلة كلما كان الإعتراف الخارجي مستمر ، وزاد تجاوب العالم مع القضية وإهتمامه بها ، لأن العدو يريد الحل قبل الصديق .

فبعد توقف الحرب تراجعت الإعترافات ناهيك عن ضعف الأداء الدبلوماسي لأن معظم السفراء و الممثلين أصبحوا يبحثون عن تحقيق مأربهم الشخصية بل الأكثر من ذلك أصبح التمثيل الدبلوماسي يتقاتلون للوصول إليه ، ويستعملون الوساطة و ” الأخلاك ” وغيرها من الطرق الكفيلة لتحقيق المأرب بغض النظر عن مشروعيتها .

وعليه نستطيع القول أن طموح القادة الحالين هو البقاء على هذه الوضعية من التسيب والتشتت ربما لأسباب نجهلها نحن كضغوطات خارجية أو ربما لحاجة في نفس يعقوب  ، المهم أن العمل على تغيير

هذه الوضعية لم يظهر جليا ، وكلما جاء مؤتمر شعبي عام ستببقى العيون تتطلع إليه فيكون أسوء من ذي قبل ولازلنا ننتظر خاتم سليمان أو عصا موسى أوالمسيح الدجال لكي تتغير هذه الحالة المشينة في مسيرة الجبهة الشعبية .

إذن بعد مرور ثلاثة عقود ونيف من عمر الجبهة الشعبية لازالت تراوح مكانها ، فالمنطلقات لازالت قائمة والأهداف لم تتحقق بسبب الإشكالات التي تطرقنا إليها ، فمتى ياترى تتحقق الأهداف لتزول المنطلقات ؟ ! وتتجسد بذلك أمال وطموحات مؤسسي جبهة البوليساريو وشهدائها ومناضليها ؟

أم أن الأمر سيبقى كما قال أحد قادة البوليساريو ( أجيال تتلاحق على هذه القضية الوطنية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ) فلا الوطن حرر و الشعب وحد .

وبهذا نصل إلى خاتمة البحث .

خاتمة :

منهجية البحث المنطقي تتطلب إعطاء حلول للقضايا و الإشكاليات التي أثيرت في ثنايا الدراسة  بالخاتمة وعليه فاني أحاول مجتهدا لا جازما تقديم ما أرى أنه ممكن أن يساعد في الخروج الصادق من هذه الوضعية ومن الحلول التي أظن أنها ضرورية للم الشمل و تصحيح المسار وأكثرها الحاحا هو اعادة ترتيب البيت الداخلي وفق الأسس التالية :

قيادة وطنية مخلصة و متماسكة و منسجمة :

هذا يتطلب من القيادة الحالية مراجعة ذاتها مراجعة موضوعية و شفافة وأن تقدم بنقد ذاتي لأنه أسلوب سليم ونابع من ديننا الحنيف وتجارب أمتنا الإسلامية العريقة فكيف لا وصحابة رسول الله ـ صلى عليه وسلم ـ رضوان الله عليهم كانوا يحاسبون أنفسهم عن كل خطأ أو ظلم في حق رعيتهم .

والعيب ليس في أن نخطأ ولكن العيب في أن نعيد الخطأ ، لذلك فوقفة جماعية يتم من خلالها تقييم مسيرتهم بتجرد من الأنانية والكبرياء ، كفيلة بإعادة الأمور إلى مجاريها الطبيعية ، والوصول بجماهير شعبنا إلى شاطئ الأمان  .

إن جعلهم لأنفسهم رهائن لمخلففات الماضي سيظل حجر عثر أمام كل إنسجام أو تماسك من شأنه أن يجعل العدو يراجع حساباته ، والصديق يقوي موقفه ويزكيه .

وبدون قيادة وطنية مخلصة ومتماسكة لايمكن تحقيق أي إنجاز في أي ساحة من ساحات الكفاح الوطني

قاعدة شعبية واعية منضبطة ومتفاعلة :

إن الوعي المطلوب توفره في القاعدة الشعبية لايعني الوعي بالأهداف التي يرجى تحقيقها لأن قناعة

كل صحراوي وطموحه الوحدة والتحرير .

لكن الوعي المطلوب هو كيفية التعامل مع هذه القيادة وكيف يتم الإنسجام معها إذا ماغيرت أسلوبها ووضعت نفسها رهن متطلبات جماهيرها .

فالقاعدة الشعبية ظلت منضبطة وفاعلة وطيلة سنوات الحرب تماشيا مع ما كانت عليه قيادتها ، كإنعكاس طبيعي لما ألت إليه القيادة الوطنية منذ سنوات تفرقت القاعدة و……….. عقالها وبدأ كل يسير حسب ماتمليه عليه رعيته .

هيئات وطنية قوية وفاعلة :

 لم أقل مؤسسات لأني اقييم تجربة ثورية لا دولة رغم صعوبة التمييز في هذا الظرف الذي طغى فيه عمليا مفهوم الدولة على حساب مفهوم الثورة .

والهيئات الوطنية للجبهة هي المؤتمر الشعبي  العام ، وهو أعلى هيئة وطنية ، ويعتبر محطة تقييم كل 3 أو 4 سنوات حسب الظروف ، والذي تحول منذ المؤتمر السابع إلى وصفات  جاهزة بدءا بلجنته التحضيرية وصيفة المشاركين ، وطريقة الترشيح ، والإنتخابات …الخ .

وتقوية هذه الهيئة العليا يتم بإعادة النظر في النقاط المشار إليها سابقا ، والهيئة الثانية هي الأمانة الوطنية ـ وهنا “مربط الفرس ” وهي التي إنبثقت عن اللجنة التنفيذية و المكتب السياسي .

بعد مخاض طويل وشاق ، وتنتخب على طريقه الديمقراطية الصحراوية وفق مقاييس وحسابات يفهمها جدا المحللين السياسيين المطلعين على كواليس المؤتمر ، ولكي يتم تقوية هذه الهيئة يجب إعادة النظر في طريقة إنتخابها وعددها وشروط المترشحين لعضويتها وتقديمهم جردا لحساباتهم المالية ، و إيجاد هيئة مراقبة لها ما بين المؤتمرين  ويكون القضاء نزيه طبعا .

وأما إذا بقيت كما هي عليه فستبقى دار لقمان على حالها و الضحية الوحيدة هو الشعب الصحراوي ومكاسبه وقضيته .

والهيئة الثالثة أمانة الفروع :

حلت محل أمانة المكتب السياسي سابقا والتي كانت عماد التنظيم السياسي للجبهة وركيزته الأساسية وصمام كفاح الشعب الصحراوي عبر السنوات الممتدة من  1976 وحتى 1988 وهي الفترة التي وصل فيها الشعب الصحراوي إلى قمة إنتصاراته و إنجازاته ، وظل خلالها التنظيم السياسي قوي متماسك وفعال ، لأن العمل السياسي هو المحرك الجوهري لديناميكية الكفاح الذي يخوضه الشعب الصحراوي على كل الجبهات ، وكذلك كانت سمت تلك المرحلة هي :

ـ لاوجود لغير الشعب ولا تنظيم إلا تنظيم السياسي .

هذا الشعار لم يأت من فراغ ولا عفوية بل بناءا على وعي متقدم وبصيرة ثاقبة .

لذلك بدأ أولائك الذين غيروا مسار الجبهة الشعبية وعملوا على إفراغها من محتواها بمحاربة هذه الهيئة أعني أمانة المكتب السياسي فعطلوا محرك سفينة الشعب الصحراوي ، ليجعلوها تبحر بالمجاديف ، فكانت أمانة الفروع التي وجد المتعاقبين على رئاستها أنهم في محيط متلاطم الأمواج فلم يستطيعوا إيصالها إلى شاطئ الأمان .

تداول الجميع خطورة الموقف فبدأوا يبحثون عن طريق النجاة والسبل الوحيد هو إيجاد الربان المحترف ذو التجربة الطويلة عساه ينقذ الموقف ، ويصل بالجميع إلى شاطئ الأمان الذي هو تمرير الوطن وصون كرامة الإنسان الصحراوي فجيئ بالربان المتفق عليه وفق تنازلات وضمانات .

ولكن هل يصلح الربان ما أفسد التسيب .

حاول الأمين الجديد القديم أن يرجع التنظيم السياسي إلى سابق عهده ، ولكن كل شيئ تغير ( القاعدة ، الأمناء ، عادة التحريض ، وسائل التحريض ) فلم يفهم ، وكان أول تحدي أمامه رغم أنه مطلب المؤتمر في …… ، بل البند الذي كاد يعصف بالمؤتمر والذي هو ” الفصل ” أي الفصل بين السلطات السياسية و التنفيذية بعبارة أخرى بين الثورة والدولة ، ولم يطبق وبقي حبر على ورق ، لأن هرم السلطة التنفيذية لايريد له النجاح ويرى فيه تكريس للواقع السابق الذي قدم مستقبله السياسي  في سبيل تغييره وأمام إصرار الأمين الجديد على هذا البند لأنه بالنسبة له هو الطريق المعبد الذي سلكه لإعادة الجبهة الشعبية إلى قوتها ونفوذها ، فلا زال القطبين كل على موقفه والضحية هو مستقبل الشعب الصحراوي .

والسبيل لتقوية وتفعيل هذه الهيئة المهمة في كفاح الشعب الصحراوي هو إعطاء كامل صلاحياتها التي أناطها بها المؤتمر ، وإلتفاف كافة مناضلي الجبهة حولها بإخلاص و إنضباط حتى يتمكن من أداء التعبئة والتوجيه و التربص و التأطير اتجاه مناضلي وهيئات الجبهة وبالقوة الفاعلة التي تتطلبها المرحلة الحالية تلك كانت  إجتهادات للخروج من الوضعية الحالية .

فأرجوا أن أكون وفقت في إعطاء الوضعية الوصفة الجيدة لكي يتعافى الصحراويين من سلبيات هذه المرحلة .

وقبل أن يتشنج البعض ويبدأ في الرد العشوائي الذي لايفيد الصحراويين بشيئ سوى السجال عبر وسائل الإعلام أو الشبكة العنكبوتية لإرضاء قائد أو فئة معينة أو إظهار ذاته بطل شجاع في ساحات القلم يدافع عن شعبه بعبارات جميلة غاية في الإبداع الفكري ، ولكن في ثناياها السم المدسوس في العسل ، لأنها تعتبر الغربال الذي يغطي الشمس ، فالوضعي بإجماع الصحراوين بمختلف مستوياتهم التعليمية والفكرية و العمرية تتطلب حلا عاجلا ونهائي .

نعم نتصدى لأعداء ونفند إدعاءاتهم ونظهر للرأي العام العالمي زيف وزور ما تروجه وسائل الإعلام المغربية وحلفائها عن طبيعة وحقيقة الصراع في الصحراء الغربية .

أما بالنسبة للإنسان الصحراوي فنزرع فيه الفكر السليم بالمنطق والحجة و الدليل ، ونضع الأمور في نصابها وطريقها السليم حتى يجازي كل بما يستحق .

وتجد الملاحظات والإنتقادات الشعبية سجالها السليم لتمر عبره ، ونشكل رأيا ضاغطا على أصحاب القرار ليثنيهم عما يفكرون فيه ، إذا كان لايخدم مصلحة الوطن والمواطن ، وتسمي الأشياء بمسمياتها  ، وتوضع  الأصبع على الخطأ ويشار با……… إلى صاحبه وتكون المسؤولية  فردية من جهة وجماعية من جهة أخرى .

 وعليه يكفي من الشتم والعيب و التنابز بالألقاب والإتهام والتنافر ، فنبدأ صفحة جديدة يطبعها التلاحم والتراحم والتواد ، ويتنازل الجميع كل من موقعه ( القاعدة ، الإطار ، المناضلين ) .

فننهض من جديد نهضت رجل صحراوي واحد ، فيتقوى بذلك موقف مفاوضينا ” تمتان عينهم أقبالة “

أكثر مما مضى ، ويندفع الصديق أكثر مما كان ، ويتقهقر العدو ، ويراجع العالم ومنظماته حساباتهم .

وبذلك نعييد الإعتبار لمنظمتنا الطلائعية الجبهة ، لتقود شعبنا إلى تحقيق أهدافه المتمثلة في الوحدة والإستقلال التام ، وتجد أجيالنا الصاعدة فضائها الطبيعي لتنمي طاقاتها وتبني وطنها وتعيش كريمة ومهابة كسائر شعوب العالم .

ويخبي أمل المنبطحين والمتخاذلين، وينقلب أعدائها على أعقابهم مهزومين ومذعورين .

ونجد ما نقابل به شهدائنا حين نلقاهم يوم لاظل إلا ظله ذو العدل والجلال ، حيث لاينفع مال ولاجاه .

………… ولا وزارة بل ينفع الصادقون هدفهم .

والله أسأل أن يوفق الصحراوين كافة إلى ما يحبه ويرضاه و إلى خير شعبهم ووطنهم .