65436_251778298337800_340675325_nيقول الفيلسوف الفرنسي ريجيس ديبراي”أنه على المدى الطّويل أي شيء نفعله سيكون شيئا من الماضي، ويمكن قول الشيء نفسه عن المستقبل، لأن الحاضر هو الطريق إلى المستقبل، وما وقع واقع بفعل ما وقع” فكرة ذات بعد تفكيكي للزمن، تتطابق تطابقا تاما مع واقع المرحلة السياسية الراهنة.
فالزمن الماضي القريب اتسم بأخطاء نحن اليوم نسدد فاتورتها، سببها  سياسة، أقل ما أحدثته هو انشطار عمودي في المجتمع والذي بعض تداعياته  أصبحت تطفو على السطح.  ماض انتهج فيه أسلوب التعامي والتجاهل للمشاكل العالقة، وذلك بتأجيلها إلى ما بعد الاستقلال، وهكذا أضيف خطأ استراتيجي آخر إلى ما هناك من أخطاء، لأن علاج الأدواء ولاسيما الفتّاكة منها ليس باخفائها أوالاستخفاف بها، وإن كان الاحتلال المغربي والقوى الداعمة له شر أتانا من الخارج، فإن ما نرضخ تحته من فتور واحباط وتغير في المفاهيم والقناعات والسلوك سببه الشر النابع فينا من الداخل.
أليست ثورة عشرين ماي ثورة قامت من أجل سيادة الشعب وتمكينه من العيش حرا كريما ليحكم نفسه بنفسه. لا خلاف هناك ان الجواب سيكون إثباتا، وإن كان كذلك فكيف سيكون الرد على من سطا على ثورة الشعب واحتكرها وحصرها حصرا ضيقا، عابثا بسيادة الشعب وتضحياته مستغلا العصبية القبلية لصالح حكمه التسلطي والانفرادي، حكم لم يمكن الشعب من التمتع بالعدالة فوق أرض اللجوء فكيف فوق أرض الوطن؟
إن ما قامت من أجله الوحدة الوطنية هو الاعتناق التام لمبدإ الكفاح المشترك والفعل المشترك في إطار سلطة تحتكم إلى الحق والقانون وليس إلى الدم والعرق. فرصة عظيمة وفريدة، فيها كان الشعب برمّته  قد رفض احتواء القبلية له مستبدلها بالثورة والدولة لان الأصل في هذه الأخيرة الارتكاز على المؤسسات والكفاءات وليس على أفراد استفادوا من العصبية القبلية ووظّفوها لحماية مخططاتهم من الانتقاد وحكمهم من السقوط.
وهنا يفرض التوضيح نفسه في الفرق بين الانتماء إلى طائفة أوقبيلة وبين ما يصطلح على تسميته بالطائفية أو القبلية، فانتماء فرد إلى قبيلة أو فئة لم يكن من محض إرادته لأن عملية الولادة هي التي انتجته في ذلك النسيج الاجتماعي، أما القبلية فهي التعصب ونصرة فرد أو جماعة لفكر وحكم ظالم، ونعت المتظلمين من الفئات الأخرى بالقبليّين إن هم ناصروا أو دافعوا عن حقوقهم أوعن حقوق الفئات الأخرى. وقد يقال إن كان الدفاع عن حقوق قبيلة أو فئة متضررة يعد في قاموس مفبركي الصكوك الوطنية موقفا قبليا-. فليكن كذالك.
ولا ننسى أن الكفاح ما هو إلا معركة من أجل التحرير والتحرر، وما الشمولية التي تطوّقنا وتحد من آفاقنا إلاّ عقبة بل الحاجز الأكبر الذي يقف في وجه التحرير والتحرر، شمولية ليست مختزلة في فرد واحد بل في جماعة سياسية بكاملها محرّكها الرئيسي حب التملك والنفوذ والانتفاع مصادرة ما يتطلع إليه الشعب من عدالة ومساواة. وقد يزداد هذا الوضع تدنّيا ما لم يقطع قطعا نهائيا مع ما ورّثه لنا الماضي من سلبيات، سلبيات عمودها الفقري نظام دأب على الاحتماء بالعصبية القبلية مما أدى إلى ترسيخ الازدواجية في الشخصية لدى المجتمع ونحن لازلنا في مرحلة التحرير.
والوعي بالماضي وفهم أبعاده والقدرة على تسميته تسمية حقيقية دون إلتباس أو مغالطة وتزييف، وتحديده انطلاقا من رؤية واقعية وهادفة لها من الارادة والقدرة ما يمكّنها من التخلص من نمط سياسي هدّام منغلق على ذاته، ومن المثالية الطوباوية التي في جوفها ينتعش ما أشير إليه سالفا.
فعلينا أن نأخذ العبر من التاريخ. ومن غيرنا من الشعوب، بدل أن نتعلم من دمائنا، فإذا تم ما مر به الكاثوليك والبروتيستانت و يمر به الصومال والسودان فالثمن سيكون باهضا، والنتيجة حضيض قد يستحيل معه الصعود من جديد كي لا يقال الاندثار.
والحل لن يكون إلا بارساء قواعد عدل لا ازدواجية ولا مثنوية فيه. عدل حقيقي فيه يشعر المواطن أنه ينتمي إلى نظام يحميه ويكفل حقوقه، بغض النظر عن انتمائه العرقي أوالقبلي، نظام يغنيه عن اللجوء إلى العدو أوالارتماء في أحضان القبلية بعد ما نبذها سالفا.
ولتجاوز هذه العقبة لنا رصيد مادّي ومعنوي تجسده شريحة كبرى من الشباب الصحراوي، لم يسبق أن توفر بهذا الكم والكيف من قبل، فلذا كفاهم حرمانا من حقهم في تحقيق ذواتهم وإرادتهم تحقيقا فعليا وفاعلا في المسيرة  التحريرية عساهم يحققون ما عجزنا نحن عن تحقيقه.
فآلاف الشهداء الذين سقوا الثورة بدمائهم هم آباء وإخوة هؤلاء الشباب المكبّلين بسياسة نظام  ينبذ القبلية ويشتمها علنا ويمارسها في الخفاء. شباب هو اليوم أكثر منا استعدادا لتحقيق أهداف الشعب وأوسع منا تطلعا وأفقا لتقبّل آراء بعضهم البعض، وتوجيه المجتمع نحو الطريق السليم طريق العدالة الاجتماعية والتحرر والاستقلال. عن المستقبل الصحراوي