افتتحت قمة الاتحاد الأفريقي-الاتحاد الأوروبي صبيحة اليوم الأربعاء 29 نوفمبر 2017، بأبيدجان، عاصمة الكوت ديفوار، بمشاركة رؤساء دول وحكومات 55 بلدا أفريقيا و 28 بلدا أوروبيا، وبحضور أزيد من 5000 مشارك من مختلف هذه البلدان ومن المنظمات الدولية، والاقليمية المعنية بالشراكات والعلاقات الأفريقية الأوروبية.

لكن أبرز ما تمثله هذه القمة الخامسة حسب ترتيب القمم الأفريقية الأوربية، والأولى من نوعها بسبب تغيير اسمها الرسمي من قمة الاتحاد الأوروبي-أفريقيا، إلى قمة الاتحاد الأوروبي-الاتحاد الأفريقي، هو أنها تؤسس لشراكة بين أنداد، وليس بين أسياد ومسودين.

كما تتميز هذه القمة ايضا بحضور رئيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ابراهيم غالي، ووفد صحراوي رفيع المستوى يرافقه، إلى جانب ملك المغرب، محمد السادس، لأول مرة في تاريخ الصراع المصيري بين البلدين الأفريقيين. وهو ما يشكل بالتالي نقلة نوعية في النزاع بين البلدين في منتدى دولي، بعد أن جلس قائدا البلدين جنبا إلى جنب في قمة الاتحاد الأفريقي في يناير 2016 عند تقدم المغرب بطلب الانضمام للمنظمة القارية.

دلالات الحدث

قد يعتقد البعض، مثلما تروج له وسائل الإعلام المغربية حاليا، أن الحدث أمر عادي ولا يستحق الذكر، وهو الاستنتاج الخاطئ أو المضلل، الذي يستهدف في نظرنا صرف انتباه المغاربة خصوصا عن حقيقة الهزيمة النكراء التي مني بها القصر المغربي خلال السنة الأخيرة التي عرفت تلاحق الضربات الصحراوية والأفريقية عليه منذ انضمامه رسميا للاتحاد الأفريقي.

وفي عجالة نذكر بمحطات بارزة حاول فيها الملك المغربي نفسه، وليست الدبلوماسية المغربية وحدها، التأثير على الموقف الأفريقي الموحد من قضية الصحراء الغربية عبر الضغط أحيانا من أجل منع مشاركة وفود صحراوية في أنشطة الاتحاد، لينتقل إلى القبول بالمشاركة إلى جانب الوفود الصحراوية مع محاولة التنازع معها على شغل مناصب قيادية في مختلف اجتماعات الاتحاد، خصوصا في اللجان الفنية المتخصصة، وصولا إلى محاولاته اليائسة لمنع مشاركة الجمهورية في اجتماعات الشراكة الأفريقية مع المنظمات والاقتصادات العالمية.

في كل هذه المحطات، وبدون استثناء، مني القصر المغرب بالهزائم تلو الأخرى، وانفضحت سياساته المتعجرفة، وتعاليه على الأفارقة. وبرزت للجميع، حتى لأصدقاء المغرب نظرة الاحتقار والتعالي التي يتعامل بها خدم جلالة الملك مع أصدقائهم في أفريقيا، وهو ما لا نستغربه نظرا لمعرفتنا الدقيقة بالنظام المخزني الذي يمتهن العبودية، والتوسع والاستغلال كأسس أصيلة لوجوده كنظام ملكي شمولي قروسطي.

إذا يمكن القول أن فشل كل المحاولات المغربية، وربما الفرنسية أيضا، في إقناع الأفارقة بحرمان الجمهورية الصحراوية من المشاركة في مختلف اجتماعات الشراكة، بدءا من الشراكة العربية الأفريقية، ثم الأفريقية اليابانية، والآن الأفريقية الأوروبية، هي دليل حقيقي على ثبات الموقف الأفريقي على فرض احترام القانون التأسيسي للاتحاد الذي ينبذ الاستعمار، ويدعو لاحترام سيادة الدول وحقوقها، ويرفض الهيمنة الأجنبية كائنا من كان ممارسها. وهي المبادئ التي تتناقض تماما مع مبادئ المملكة التوسعية المغربية.

نظرة للمستقبل

لا يمكن للمنصف أن ينكر نجاح جهود الدبلوماسية الصحراوية في فرض احترام موقف الجمهورية الصحراوية التي قررت قيادتها منذ إعلان المغرب نيته الانضمام للاتحاد الأفريقي، أن تتمسك بحقها في المشاركة ندا بند في كل اجتماعات منظمتنا القارية دون استثناء تطبيقا لمبدأ السيادة.

هذا القرار البسيط لسامعه، تطلب جهودا جبارة من الدبلوماسية الصحراوية أولا مع كافة الحلفاء الأفريقيين، ومع مفوضية الاتحاد الأفريقي نفسه، لتوضيح الرؤية الصحراوية، والمطالبة بهذا الحق الأصيل الذي كانت الجمهورية الصحراوية تتنازل عنه في السابق بقرار سيادي تطوعي من أجل السماح لاجتماعات الاتحاد بالنجاح دون مشاكل يثيرها المغرب عادة في السابق، وما يزال، عند حضور الوفود الصحراوية.

الآن، تغيرت قواعد اللعبة، وأصبح الصراع القائم بين دولتين متساويتين في الحقوق والواجبات داخل الاتحاد الأفريقي، وحتى داخل سياق الشراكات الدولية. وبالتالي، انتقلت الاستراتيجية الصحراوية إلى مخاطبة العالم، ودوله النافذة، من منطلق الند كدولة مستقلة/ومحتلة جزئيا، وليس من منطلق حركة التحرير الوطنية فقط. ولربما تفطن الإخوة المغاربة متأخرين لهذا الوضع الجديد فباتوا يحاولون التأكيد في كل مناسبة أن مشاركة ملكهم إلى جانب الرئيس الصحراوي، ليس اعترافا بالجمهورية. وكأن عدم اعتراف دولة الاحتلال بالبلد المحتل شرط لوجود الأخير القائم رغم كل محاولات الإبادة التي فشل فيها نظام الاحتلال.

وبالتالي، نرى حسب قراءتنا المتواضعة أن حجج الدبلوماسية الصحراوية قد تعززت بمشاركة ملك دولة الاحتلال إلى جانب الرئيس الصحراوي في منتدى دولي من هذا الحجم. الآن، لم يعد لأي بلد عذر في عدم الاعتراف بالجمهورية الصحراوية كبلد مستقل ومحتل جزئيا، ما دام المغرب قد اعترف بالجمهورية شاء ذلك أم أبى منذ انضمامه للاتحاد الأفريقي، ومنذ جلوسه إلى جانب الجمهورية الصحراوية في منتدى قاري للأنداد.

خاتمــــة

لقد حققت القضية الصحراوية دون أدنى شك انتصارا تاريخيا هذه الأيام بمشاركة وفدها الرسمي على مستوى السفراء يومي 26 و 27 نوفمبر، ثم على مستوى وزراء الخارجية يوم 28، واليوم وغدا على مستوى الرؤساء. وسيكون على الجميع أن يعترف بذلك مرغمين. ولم يأت هذا الانتصار في طفرة بل جاء نتيجة سنوات من العمل الدؤوب، والضغط المتواصل على مختلف الجبهات، وكثمرة لانتصارات متعددة وضع فيها المغرب في الزاوية لتلقي الضربات دون أن ينجح في النهوض منها، ما دفعه لارتكاب الحماقات المتتالية المعروفة وصولا إلى اعتقاده بأن انضمامه للاتحاد الأفريقي قد يخفف عنه الضغط، وهو ما تبين أنه خطأ استراتيجي ما زال سيدفع ثمنه قريبا.

لكن ينبغي أيضا استثمار هذا النصر في المستقبل القريب في إطلاق حملة دولية جديدة لتأكيد قرار الشعب الصحراوي في تأسيس دولته حرة مستقلة، مع ما سيعنيه ذلك من تجاوز الخطاب الصحراوي الرسمي والشعبي من مجرد المطالبة بالحق في تقرير المصير لتحديد مصير البلد إلى المطالبة الصريحة بالحق في تقرير المصير لاستكمال استقلال الدولة الصحراوية القائمة حقيقة لا رجعة فيها. ولينصت لذلك من به صمم.