حينما يصبح أفق القضية الوطنية ضبابيا يبدأ الإنسان، غريزيا، يفكر ويتحاور مع ذهنه لمحاولة الوصول إلى ما يمكن أن يجعل هذه القضية العادلة تبقى حية دائما، ويجعل الفعل الوطني يبقى متوهجا. في السياسة إذا لم يوجد شيء اسمه الفعل على الأرض يرافق الحق والقانون فعلى تلك القضية السلام والكلام.
حين افتعل المحتل المغربي قضية الكركرات في الصيف الماضي كنا- كنا فعل ماضي- نستطيع أن نستغل الفرصة لصالحنا ونحصل على بعض الإنجازات، وكان يمكن أن ننظم – ولو إعلاميا- المسابقة العسكرية في مدينة لكويرة المحررة لتوجيه ضربة لدعاية الاحتلال، لكن هذا لم يحصل، وانكسرنا على أعقابنا واعدنا الانتشار في منطقتنا وبقينا نراقب – إلى اليوم- شاحنات العدو تمر بسلام من أمام أعيننا، ونحن نقص أظافرنا بأسناننا. حين خذلتنا الأمم المتحدة ولم تسمع لنا كنا نستطيع أن نتظاهر سلميا احتجاجا على تواجدها في مخيماتنا وفي مدننا، لكن هذا لم يحصل. إن أي شعب يطالب بحق، مثلنا، إذا لم يقوم بفعل على الأرض سيبقى دائما مجرورا، وسيعطي زمام المبادرة للعدو، ونحن الآن لا نعفل أكثر من أن ننتظر أن يقوم العدو بالمناورة لنرد.
منذ سنة 2005م أعطى زخم الانتفاضة في المدن المحتلة دفعا قويا لقضيتنا، وتفاءلنا خيرا أنها ستستمر، وأن ذلك الحراك السلمي المدروس سيعوض – أو عوض حقيقة- المعركة العسكرية التي أستطاع العدو أن يخرج منها بشق الأنفس. في الحقيقة كان حراك الانتفاضة ذكيا وقويا وضرب العدو في الصميم، وتم تتويجه بملحمة كديم إزيك التاريخية التي يجب أن تدخل التاريخ، جبنا إلى جنب، مع معارك جيش التحرير البطولية التي هزت العالم وهزت المحتل المغربي..
لكن على ما يبدو استطاع العدو المغربي أن يفكك تلك الانتفاضة أمنياً، وساعده على ذلك وجود عوامل أخرى خارجية وداخلية. فحين القى العدو القبض على نخبة من قادة الانتفاضة بعد ملحمة مخيم كديم إزيك ظن أنه قضى على تلك الانتفاضة بالقضاء على قادتها وإدخالهم السجن.. بعد سجن أولئك المناضلين خبأ وهج الانتفاضة وألقها، وظن العدو المغربي أنه قضى على رؤسها، وأنه، فعلا، انتصر أمنيا، واستراح من الانتفاضة ومن صداعها الذي وصل إلى العالم أجمع. لكن في الحقيقة ما جعل وهج الانتفاضة يخبؤ هو أنها افتقدت التنظيم والتأطير وحصلت في صفوفها مشاكل وخلافات قد يكون الكثير منها منطقي.
حين نعود إلى مشهد بانوراما قضيتنا نجد أن كالاتي:
         من جهة تواجد بعثة أممية فوَّض لها مجلس الأمن أن تحرس الاحتلال،  ومن جهة أخرى الصحراويون لا يتظاهرون ضدها سلميا في المخيمات والمدن المحتلة وهذا يجعلها تواصل عملها بأريحية؛
         استغلال العدو المغربي لعدم وجود أي حراك صحراوي عسكري أو دبلوماسي ضده ليقوم بالهجوم والإجهاز على القضية حتى وصل به الأمر إلى المبالغة في التعنت ورفض حتى التفاوض حول الحكم الذاتي؛
         تواجد وصمود الشعب الصحراوي خاصة في المخيمات مرهون بوجود حافز معني يتمثل في فعل ما يقوم به ضد المحتل المغربي وفي حالة عدم وجود هذا الفعل مثلما هو الحال الآن سيحصل هناك الكثير من التوتر والاحتقان الطبيعي؛
حين ننظر يمينا وشمالا نجد أننا، بفعل عوامل خارجة عن قدرتنا المادية، لا نستطيع أن نقوم بالحرب، ولا نستطيع أن نرغم مجلس الأمن المؤلب أصلا ضدنا كي يرغم المغرب على التفاوض الجدي. الشيء الوحيد الذي يبقى لنا هو أن نعود إلى الشارع في المدن المحتلة. في الواقع غليان الشارع الصحراوي ومحلمة كديم إزيك التي كانت شرارة الربيع العربي نزعت الكثير من الخوف عن شعوب العالم العربي، وأنكسرت عصا المخزن أو كادت وأصبح الشعب المغربي يتحداه ويخرج متظاهرا ضده.
في هذا الخضم لم يبق لنا نحن إلا أن نعود إلى الشارع في المدن المحتلة، لكن بطريقة منظمة. هذا يفرض علينا أن نفكر قبل أن نخرج إلى الشارع في التنظيم؛ تنظيم زخم هذا الشارع والتحكم فيه، وهو ما يجعلنا نفكر في عقد مؤتمر وطني لإطارات الانتفاضة في منطقة التفاريتي المحررة. فتنظيم مثل هذا المؤتمر في تلك المنطقة المحررة سيعطي، على الأقل، زخما إعلاميا للانتفاضة وللقضية، وسيجعل مناضلي الانتفاضة يجتمعون كلهم تحت سقف واحد لتحديد أولويات الفعل النضالي في المنطقة، ولتجنب المشاكل التي تعصف بالانتفاضة التي لا مفر من مواصلتها.