لا يختلف إثنان على أهمية الإصلاح في مسيرة الشعوب والأمم، ولا جدال في ضرورية وحتمية التغيير للنهوض بالمجتمعات والدول، فبالإصلاح والتغيير تأخذ الشعوب العبر من ماضيها من إنتصاراتها وإنكساراتها من نجاحاتها وفشلها لتؤسس وتطور حاضرها وترسم معالم وأفاق ورئ مستقبلها، بإستراتيجيات وخطط عملية مبنية على تجاربها، وتنهض بذلك بواقعها الإجتماعي والسياسي والإقتصادي. ـ وكون الشعب الصحراوي ليس إستثناءا من هذه القاعدة، فإنه لا محال ينتظر وينشد الإصلاح والتغيير نحو الأحس، ومعالجة مكامن الضعف والنقص والخلل، التي نعيشها واقعا مؤسفا في حياتنا اليومية، من جمود وركود تشهده القضية الوطنية منذ وقف إطلاق النار، إلى الساحة الداخلية وما تعرفه هي الأخرى، من قبيلة مقيتة تتعمق نزعتها الجاهلية يوما بعد يوم وتمتد سطوتها لتشمل جميع نواحي الحياة، وتوشك أن تذهب بما تبقى من الوحدة الوطنية، مرورا بالفساد وعمليات نهب الممتلكات العامة والرشوة والمحسوبية والمعرفة والبيروقراطية، وغياب الرقابة والمحاسبة، أوصولا إلى مخاطر “الوطن البديل” ودمج الصحراويين في دول الجوار وفق خطوات متسارعة تبعث على القلق، زد على ذلك، العنوسة والعزوف عن الزواج وتراجع معدلات الزيادة الطبيعية، وهجرة الشباب والكفاءات والخبرات، أضف إلى كل ماسبق، إستمرار عبث وتغول المليشيات والمجاميع الإجرامية الناشطة في الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات المدعومة من المخابرات المغربية، دون أن ننسى، ضعف العدالة وغياب المنظومة القضائية عن القضايا التي تمس حقوق المواطنيين، وترك الساحة القضائية خالية لما تعرف ب”أجماعة” وقوانينها الظالمة، التي تكرس القبلية المقيتة واقعا معاشا بأبشع صورها، لأن “الطبيعة تأبى الفراغ”، وغيرها الكثير من النقائص المسجلة ـ ومع كل ذلك، وفي وقت برزت فيه إلى العلن ما تسمى ب”المباردة الصحراوية من أجل التغيير”، فإن المواطنين والمتبابعين للشان العام على حد سواء، أخذوا على ماعرفت ب”المبادرة”، التي أطلقها مسؤوليين سابقين في الجبهة الشعبية والدولة الصحراوية، يوم 15 نوفمبر 2017، والتي دعى أصحابها إلى نقاش مجتمعي واسع ومفتوح لتجاوز مرحلة الجمود، وحل المشاكل الإجتماعية الناجمة عن سنوات اللجؤ والحرب والتغلب على مكامن الضعف، وذلك “بتعديل الخطاب السياسي وتطوير أساليب التسيير وتقوية المؤسسات، وتشجيع مشاركة الأجيال الجديدة في هياكل السلطة السياسية”، حسب بيان ما أطلق عليها “المبادرة الصحراوية من أجل التغيير”، أخذوا عليها، أنها تحمل في شكلها ومضمونها وطريقة إعلانها والشخصيات التي تقف وراءها، تحمل في كل ذلك عوامل فشلها وعجزها عن إحداث التغيير المنشود، فهي بادي ذي بدء، ظهرت للعلن دون أي نقاش مجتمعي، يمكن من إشراك القواعد الشعبية في صناعة عملية الإصلاح والتغيير وإنزالها إلى أرض الواقع وصونها والدفاع عنها في ما بعد، وثاني مسببات فشلها، أن ما ادعوها “مبادرة” أوحت وبعبارات تحمل الكثير من التأوليات والتفسيرات والغموض إلى إيجاد كيان موازي للجبهة الشعبية، يمثل الشعب الصحراوي، وهو ما عبر عنه البيان ب”إنطلاقا من قناعتنا بأن القضية الوطنية هي قضية جميع الصحراويين، وبدلا من هيمنة الخطاب السلطوي الحادي، سيكون من الأفضل الدفاع عنها ضمن منظمة مفتوحة للنقاش والمشاركة وتجديد الأفكار والأشخاص”، على ما ذكر البيان، الأمر الذي يرفضه كل الصحراويين، كونه يهدد تماسك الشعب الصحراوي ويضرب وحدته الوطنية في الصميم، ويصيب المشروع الوطني في مقتل، ويعيق مجهودات وطلعات شعبنا نحو الحرية وبناء دولته المستقلة، وثالث عوامل فشل ما تسمى “المبادرة”، هو أنها ركزت على الجانب السياسي، متجاهلة بذلك الجوانب الإجتماعية والفكرية وغيرها…، مما يزيد من إحتمالات أن تكون الدوافع السياسية الشخصية هي الحافز الرئيسي لأصحاب ما تعرف ب”المبادرة”، ورابع مسببات الفشل، أنها أطلقت من الخارج، وجل أصحابها وأبنائهم وعائلاتهم إن لم نقل كلهم يعيشون بعيدا عن معانات شعبهم، وبالتالي فإنهم من المستبعد أو قل من المستحيل أن يدركوا واقع وأمال وطموحات شعبهم، وقد قيل أن “اللي ماوهو أمعاك ما يشدلك”، وهو ما يخالف وبشكل صارخ ما جاء في البيان، في عبارة، “بأن المنظمات السياسية وحركات التحرير، لا معنى لها إذا لم تقدم الحلول للمشاكل التي تعاني منها مجتمعاتها، وأن سلوكها يجب أن يرتكز على قيم الحرية، والعدالة والمساواة وقبل كل هذا وذاك أن تتمظهر تلك القيم في الممارسات والسلوكيات المثالية لقادتها”، حسب ما جاء في بيان ما أطلق عليها “المبادرة”، مع أخذ بعين الإعتبار شكوك البعض في كل ما هو قادم من الخارج، وهي ريبة موجودة، عبر عنها كثيرون، ونحن هنا لانخون أحدا، ونستبعد “نظرية المؤامرة” حسب تصوراتنا المتواضعة ونرفض ربط منتسبي ما تدعى “المبادرة” بجهات أجنبية بأي حال من الأحوال، إلى أن تثبت تلك المزاعم ف”البينة على من أدعى”، وعن خامس عوامل فشل ما تعرف ب”المبادرة”، أن أغلب منتسبيها، هم خارج نطاق الخدمة الرسمية منذ مدة ويقعدون في دكة الإحتياط، وقد مسهم التهميش بدرجات متفاوتة وفي أوقات متفرقة، وهو ما قد يفسر، إطلاقهم للمبادرة على أنه “هجمة إستباقية” للضغط على السلطة الصحراوية لإرجاعهم إلى مهامهم التنظيمية، والدفاع عن ما يعتقدون أنها”أماكنهم المناسبة”!!!، ويقال أن “خير وسيلة للدفاع الهجوم”، وفي اقل الأحوال يسعون للحصول بدل ذلك على مزايا ومكاسب “تعوض سنيين التهميش”!!!، وسادس مسببات الفشل، فقد أكتفى مطلقو ما تسمى”المبادرة”، على بيان يتيم نشر على الإنترنت، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الوصول إلى القواعد الشعبية، وهو ما يوضح نظرتهم الإستعلائية المليئة بالتعجرف والتكبر على المواطنيبن البسطاء، وكأن شعبنا غير قادر على التفكير وغير جدير بالإستشارة والتنوير، وعن سابع عوامل الفشل، أن ما تعرف ب”المبادرة” ، لم يضع اصحابها أليات عملية للتغيير ولم يخلقوا برنامجا واضحا للإصلاح، ولم يلتزموا بزمن محدد، وأستبداوا كل تلك المحددات التي تمكن من نجاح أي عملية إصلاحية، بجمل وعبارات وفقرات إنشائية يمكن لأين كان أن يربط بينها، ليشكل بيانا مقتضبا مليئ بالمبنيات على المجهول والتمنيات والأمال والطموحات والأحلام الوردية، وقد غرد بذلك معدو البيان بعيدا عن لغة الواقع والميدان والإجراءات العملية، متجاهلين وضع برنامج زمني معروف، كل تلكم العوامل والمسببات وغيرها تجعل مصير ما تدعى “المبادرة الصحراوية من أجل التغيير” الفشل، فهي تحمل في طياتها تدميرها الذاتي ـ إن الواقع اليوم وأكثر من أي وقت مضى، يفرض على جموع الصحراويين البحث عن سبل كفيلة بالإنطلاق في عملية إصلاحية وفق إستراتيجية شاملة ومتكاملة وواضحة المعالم مرسومة الأهداف بجداول زمنية محددة ومعروفة، بعيدة عن الشخصة والمصالح الضيقة والأطماع المادية، تروم النهوض بالواقع السياسي للقضية الوطنية، وكسر حالة الجمود، ومعالجة مكامن الضعف والنقص والخلل في مختلف الميادين السياسية والإجتماعية والأمنية والإقتصادية…، وفق خطوات تمكن من إشراك القواعد الشعبية والإطارات والكفاءات…، تنطلق من داخل الهيئات والمؤسسات والجسم التنظيمي، وتحافظ على وحدة وتماسك الشعب الصحراوي، وتصون مكتسبات شعبنا المكافح التي حققها بدماء شهدائه. بقلم: عالي محمد لمين محمد سالم