يقول احد مؤسسي البوليساريو وعضو امانة وطنية  محمد لمين احمد: ما كنت أتصور أن يبادر بعض الإخوة الأشقاء في موريتانيا بالكتابة عن الصحراء الغربية في غيبة من أهلها إلا أنه ما كل تصور يتحول إلى حقيقة مهما كانت مرارتها فإذا بالتيار يجري في عكس مجرى الوادي.
ما أريد قوله هو أن صاحب كتاب: “موريتانيا المعاصرة شهادات ووثائق”، السيد المحترم سيد أعمر ولد شيخنا قد غيب – أتمنى ألا يكون ذلك عن قصد – شهادة الصحراويين من كتابه. فيقول في الصفحة 176: “فالكادحون كما يقول ولد أشدو:”كانوا يعتبرون البوليساريو مولودا شرعيا لحركتهم قام على أكتافها ورعاها رجال أنجبت معظمهم ساحة النضال في موريتانيا، وقد طبع أول عدد من 20 مايو لسان حال البوليساريو على مطابع الكادحين في انواذيبو وأول عمليات الجبهة ضد الوجود الاسباني نفذت بسلاح موريتاني، رغم احتضان الكادحين الموريتانيين للبوليساريو غداة تأسيسها، فإن الثابت أن مؤسسي البوليساريو تلقوا تكوينهم السياسي والإيديولوجي في الجامعات المغربية، فالولي مصطفى السيد كما يقول الحسن الثاني في ذاكرة ملك: “كان منخرطا في حزب التقدم والاشتراكية بزعامة “على يعتة” وقد تم طرده لاحقا من الحزب بسبب ما وصف بأنه ميولات أتروتسكية لديه”… وقبل كل هذا فإن القادة المؤسسين للبوليساريو بنوا حركتهم على إرث من النضال الصحراوي كانت آخر حلقاته مع حركة “البوصيري” التي فجرت انتفاضة الزملة يونيو 1970″ . إن المدقق في هذه الأخبار وهذا السيل من المعلومات، إن لم يكن في أجيج الأحداث ومعاصرتها ليتصور صحتها رغم تناقضاتها. وكاتب هذه الحروف عاصر كل الأحداث وتطورات الكفاح الذي خاضه ويخوضه الشعب الصحراوي شقيق الشعب الموريتاني. فإذا كان ولد اشدو قد قال أنهم، أي الكادحين ، يعتبرون البوليساريو مولودا شرعيا لحركتهم فإن ذلك مجافي للحقيقة لأن البوليساريو ولدت من رحم النضال الصحراوي بمختلف أشكاله. ولم تكن في يوم من الأيام وليدة حركة أخرى ولدت من رحم نضالات الشعوب المجاورة بما في ذلك الكادحين ولا حتى لقيطا يتبنى من طرف الغير. وهنا لا بد لي أن اطلع القارئ الموريتاني والصحراوي وحتى المغاربي على حد سواء على نشأة البوليساريو “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” وعلاقاتها بالكادحين الموريتانيين وتطورات الأحداث بعد ذلك. فمرة يقول المؤلف أنه من الثابت أن مؤسسي البوليساريو تلقوا تكوينهم السياسي والإيديولوجي في الجامعات المغربية والعلاقات الممتازة مع اليسار المغربي والقادة المؤسسين بنوا حركتهم على إرث من النضال الصحراوي إلخ… وأريد أن أنبه الكاتب المحترم أن هذا الكلام يفتقد إلى الكثير من الصحة لأن مرجعية صاحبنا هي الافتراءات التي تسوقها الدعاية المغربية سواء من الأحزاب السياسية المغربية أو القصر الملكي بما في ذلك ما قاله الحسن الثاني عن الولي مصطفى السيد حول انتمائه لحزب التقدم والاشتراكية وأنه طرد لتوجهاته اتروتسكية. إنه البهتان بعينه.. فالولي مصطفى السيد جاء إلى المغرب سنة 1959 طفلا لاجئا في مدينة الطنطان جنوب المغرب مع عائلته وهو خريج معهد إسلامي، وبالتالي لم يعتنق في يوم من الأيام النظرية الشيوعية وكاتب الحروف رافقه في طفولته وفي دراسته، والمثل الحساني يقول: “اللي ما يبغيك يحلم عنك حلم شين”. وعليه فإن ما قيل في هذا الاتجاه باطل الأصل وبالنتيجة باطل الفرع. فلو تطرق المؤلف للرسالة التي أرسلها الولي مصطفى السيد إلى فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية بعد غزو الصحراء الغربية لاستنتج هل فكر الولي فكر إسلامي أو شيوعي ألم يختم رسالته بهذه الجملة: “أتق الله يا مختار.” ولو كان مؤسسو البوليساريو تلقوا تكوينهم السياسي والإيديولوجي في الجامعات المغربية لما كان أول أمين عام لجبهة البوليساريو، السيد إبراهيم غالي سيد المصطفى، أمين سر المنظمة الطليعية لتحرير الصحراء. ولم يكن ضمن أعضاء اللجنة التنفيذية السبعة إلا فرد واحد قادم من جنوب المغرب والستة الباقون ثلاثة منهم من شرق الصحراء الغربية والثلاثة الباقون من شمال غربها. صحيح أن ميلاد الجبهة ومؤتمرها التأسيسي الأول كان في مدينة ازويرات الموريتانية ولم يكن لا بمباركة السلطات التي كانت تطارد المناضلين الصحراويين ولا بمباركة من الحركة الوطنية الموريتانية أنذلك التي كانت جد منشغلة بالأوضاع الموريتانية الداخلية أكثر منها من مصير الصحراء الغربية. ثم أن أول عملية عسكرية لجبهة البوليساريو نفذت في أقصى الشمال الصحراوي وأقرب الحدود إليها كانت الحدود المغربية وذلك يوم 20 مايو 1973 بخمسة بنادق قديمة جمعت من عند البدو الرحل الصحراويين ولم يكن فيها سلاح أجنبي على الإطلاق. وأريد هنا أن أشير أنه وقت اتصالات بالحكومة الموريتانية في مارس 1973 من طرف بعض قادة المنظمة الطليعية لتحرير الصحراء الذين كانوا حديثي العهد بالسجون الأسبانية وهم: – إبراهيم غالي سيد المصطفى، أمين سرر المنظمة وأحد القادة المؤسسين لها في 11 ديسمبر 1969 – أحمد القائد صالح البشير بيروك، أحد المعتقلين بالقنديل بالداخلة بعد مظاهرات 1970 – موسى لوشاعة لبصير، معتقل رفقة أحمد القايد صالح – محمد سعد بوه – لوشاعة محمد لمين ميلد – محمد سالم عبد الله – البشير عبد الله – عبيدي الشيخ هؤلاء قدموا مذكرة للسلطات الموريتانية يطالبون فيها دعم الحكومة الموريتانية والسماح لحركة صحراوية مستقبلية بالتحرك في التراب الموريتاني وأنه في المستقبل لا بد من شن حرب ضد الاستعمار الأسباني إذا لم يذعن للمطالب الصحراوية. وقد أستقبل هذا الوفد من طرف كل من وزير الداخلية الموريتاني السيد أحمد ولد صالح والسيد حمدي ولد مكناس وزير الخارجية. فبماذا نصح الوزيران؟ لقد اعتبرا أن التحرك السياسي لا مانع فيه لكنه يجب أن يكون بعلم الحكومة الموريتانية وأنه من الأفضل للصحراويين أن يؤسسوا حزبا سياسيا ويناضلوا من أجل الاستقلال الداخلي أولا ثم الاستقلال على الطريقة الموريتانية. إلا أن هذه الكوكبة كانت مرتبطة بالنضال الصحراوي الجامح والذي مس كل مناطق التواجد الصحراوي بما فيه ذوي الأصول الصحراوية في موريتانيا. وبعد ما استنتج حكام موريتانيا أن تفكير الصحراويين هو الكفاح المسلح بدأت مضايقات هؤلاء من طرفهم وهو ما دفع بالقوم إلى الانتقال إلى العمل السري داخل التراب الموريتاني مع الحفاظ على بعض الوجوه المعروفة لدى السلطة. وعلى ضوء ذلك تأسست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب كما أسلفنا. لم تقطع الاتصالات بين الحكومة الموريتانية والجبهة الحديثة عهد بالولادة، فقد أرسلت رسائل إلى الحكومة الموريتانية وإلى حزب الشعب الموريتاني بعد الإعلان عن تأسيسها مباشرة وذلك يوم 12 مايو 1973 برسالة موجهة إلى الأمين العام للحزب المختار ولد داداه عن طريق صل عبد العزيز مداوم الحزب والتي بقيت صيحة في وادي وكأن لا حياة لمن تنادي. بداية الاتصالات بالحركة الوطنية الموريتانية: كان أول من اتصلت به جبهة البوليساريو هم البعثيون الموريتانيون، وكان أول لقاء لهم معهم يوم 15 مايو 1973 بين كل من محمد ولد الطلبة والآنسة خديجة منت سيدي محمود التي كانت الوسيط بين موفدي الجبهة وقيادة البعث وقد شارك في هذا اللقاء من الجانب الصحراوي: محمد الأمين أحمد وأحمد القايد صالح في مدينة أنواقشط بمنزل والدة خديجة السيدة العلية، التي كانت نشيطة في حزب الشعب الموريتاني، (العلية طبعا). أما المرحومة خديجة منت سيدي محمود فكانت تربطها روابط عائلية مع أحد هذين الموفدين. وتم الاتفاق على ما يلي:
1. مواصلة الاتصالات حتى توضح الجبهة رغبتها فيما يخص القطر الموريتاني، حسب تعبير ولد الطلبة
2. هناك عنصر نشيط في التيار البعثي في السنغال يدعى “أشرا” يمكن الاتصال به لتسهيل مهمة الجبهة الإعلامية في هذا البلد
3. تشكيل لجنة تضامن مع الشعب الصحراوي خاصة في الإعداديات والثانويات ومن العمال الموريتانيين
4. تنبيه حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق إلى ضرورة دعم ومساندة الشعب الصحراوي في كفاحه ضد الاستعمار الأسباني
5. فتح مجال عن طريقهم للاتصال بالحركات والتيارات الأخرى على الساحة الموريتانية. والذي أستنتجه الصحراويين من اللقاءات المتكررة مع هذا التيار أنه يريد الاستحواذ على الاتصالات وإبقائها ضمنه. ورغم ذلك فقد وقعت اتصالات محدودة ولقاءات متفرقة مع التيار الناصري الوحدوي ومع البعثيين الاتجاه السوري.
الاتصالات بالكادحين لموريتانيين لما أحس قادة حركة الكادحين حتى قبل أن يؤسسوا حزب الكادحين الموريتانيين بأن جبهة البوليساريو حقيقة موجودة، خاصة وأنها أجرت عددا من اللقاءات مع السفارات الصينية، الروسية والعراقية والليبية والجزائرية وبحركات التحرير الأفريقية المعتمدة في موريتانيا خاصة حزب PAIGC لغينيا بيساو والرأس الأخضر، وبأن هناك اتصالات بالحركات الموريتانية الأخرى بادروا إلى الاتصال بالجبهة عن طريق عضو من مناضليهم في مدينة الزويرات وذلك يوم 2 سبتمبر 1973 وجدد اللقاء في مدينة أطار يوم 14 سبتمبر 1973 ضمن طريق المرور التالية: – على الساعة الثانية عشر من منتصف النهار يكون شخص بدراعة زرقاء اللون ولثام أسود على رقبتة أمام أحدى الدور في حي “أمباركة وأعمارة” و يأتيه شخص صحراوي فيقول له: “كم الوقت؟”، فيجيب صاحب الدراعة: “الواحدة إلا خمسة دقائق”. فيقول له الصحراوي: “سواكك زين.. هل لديك شئ من التبغ؟”، فيتعارفا ويتوجها عبر أزقة بعضها مغلق في مدينة أطار. هكذا تم اللقاء الأول. كان ثلاثة عناصر من الكادحين وبعد تحليل للأوضاع من طرف الموفد الصحراوي عن الاستعمار الأسباني للصحراء الغربية والدوافع التي أدت إلى تأسيس الجبهة بعد الإخفاق الذي تعرضت له الحركة الوطنية الصحراوية في مذبحة 17 يونيو 1970 والكفاح المسلح الذي اختاره الشعب الصحراوي للتخلص من الهيمنة الاستعمارية وأنها حركة وطنية تضم كل الفئات المناهضة للاستعمار بما في ذلك بعض الذين يحسبهم البعض أعوانا للاستعمار، ونجاح أول عملية عسكرية في شمال البلاد الصحراوية والسجن الذي تعرض له بعض مقاتلي الجبهة في مدينة بئر أم أقرين الموريتانية. كما تطرق الطرف الموريتاني في هذا اللقاء إلى الأوضاع العامة في موريتانيا ونضال طبقة الشغيلة الموريتانية والنظام الاستعماري الجديد في البلد والحركات الوطنية في موريتانيا وماذا يمثل حزب الشعب الموريتاني…إلخ. بعد الاستعداد لمؤازرة كفاح الشعب الصحراوي بالإمكانيات الشحيحة المتوفرة لدى عناصر حركة الكادحين الموريتانيين. وكانت الأسئلة تتمحور حول: – هل أنتم مصممون على مواصلة الكفاح المسلح؟ – ماذا تريدون من الحركة الوطنية الموريتانية؟ – ماذا تطلبون بالتحديد من موريتانيا حكومة وحركة وطنية؟ – هل لديكم اتصالات بحزب الشعب الموريتاني؟ – ما هي أيديولوجية الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب؟ – ما هو آراؤكم في النظام الروسي والصيني؟ والنظام الموريتاني والمغرب والجزائر؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي جاءت بعد أن قدم الطرف الصحراوي عرضا مطولا عن القضية الصحراوية وتطور كفاح الشعب الصحراوي والأسباب التي أدت إلى تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب كما أسلفنا. وقد انفض الاجتماع على أن تعين كل جهة منسقا عنها، وفي اليوم الموالي عينت الجبهة السيد عبيد لوشاعة منسقا وعينت حركة الكادحين السيد يب، وقد يكون اسما حركيا. ودعمت الحركة الجبهة بصندوق (كيس) من الدواء ليصل إلى الزويرات يوم 18 سبتمبر 1973 وتواصلت اللقاءات التي أسفرت على التزام حركة الكادحين بتزويد الجبهة بما أمكن من ذخيرة الموسكوتوف (بندقية رباعية) والأدوية وبعض الأحذية والألبسة. إلا أن أهم ما توصلت به الجبهة هو آلة طبع باللغة العربية ينقصها حرف الإلف وقد عوض برقم واحد بالأرقام الهندية وقد وصلت هذه الآلة يوم 2 نوفمبر 1973 وطبع بها العدد الأول من مجلة 20 ماي اللسان المركزي للجبهة وصدر أوائل شهر ديسمبر 1973. أما آلة التكثير فقد وهبها أحد التجار الصحراوين للجبهة وزودها بأستانسيل مجموعة الكادحين وذلك مع مطلع يناير 1974. وهكذا استمر الاتصال وتأسس حزب الكادحين فيما بعد ونشرت مجلة “صيحة المظلوم” عددا من المقالات النيرة حول الصحراء الغربية وكفاح شعبها. كما نشرت قصيدة تاريخية من إنتاج موريتاني تحت عنوان “ثوار الصحراء كائمين بالنضال ألي زاد زين” ….إلخ. ولم يسبق لحزب الكادحين أن اقترح أو أرسل متطوعين موريتانيين ليكافحوا إلى جانب الشعب الصحراوي، وما قاله المصطفى ولد أعبيد الرحمن لا أساس له من الصحة بل يفتقد إلى الدليل وهو كلام لم نسمع به من قبل إلا بعد أن هلل البعض لتقسيم الصحراء الغربية مع النظام المغربي، وراء الخطوة الارتجالية التي خطاها الرئيس الموريتاني آنذاك المختار ولد داداه، سامحهم الله. يمكن أن يكون هناك اهتمام من طرفهم لكن ولم يساهم أي كان في تشكيلها من جهة أجنبية مهما كانت صفتها وإنما جبهة البوليساريو هي نتاج صحراوي صرف. ثم أنه لم يوضع خلال التنسيقات المختلفة أن وضع على الجبهة تحديد خط موريتاني في نضالها بل كانت الجبهة واضحة بأنه يمكن القبول بعد الاستقلال الصحراوي بفتح النقاش حول الوحدة أو فدرالية أو كنفدرالية…. إلخ. لكن الهدف الآني والأسمى هو استقلال الصحراء الغربية من الاستعمار الأسباني. ولم يشب هذا التصور أي غموض أو ازدواجية. إننا في الجبهة نفهم الفرق بين من كان يدافع عن مبادئ وقضية وتحول إلى مدافع عن نفسه وقد أثبتت الأيام صدق ذلك سواء في الذين تخلوا عن مبادئهم في موريتانيا أو حتى في الصحراء الغربية والإنسان غير معصوم والمثل الحساني يقول: “التخمام فزات نارب”. وفي هذا السياق أريد أن أشير على أن أول المتطوعين من موريتانيا كانا من التيار البعثي وهما شابان احدهما يدعى عبد الله ولد محمد ولد أبوه من مدينة بوتليميت وقد أطلق عليه الاسم حركي “مصطفي أبوه” وقد ترقى تدريجيا من محافظ وحدة صغيرة إلى مسؤول العلاقات الخارجية في اتحاد شبيبة الساقية الحمراء ووادي الذهب إلى عضو مكتب سياسي في الجبهة ليطلب الرجوع إلى وطنه بعد أن أخل بواجب الانضباط، ومع ذلك وافقت القيادة الصحراوية على طلبه فأكرمته. وبعد أشهر في موريتانيا انتقل إلى الصف المعادي، أي إلى المغرب، وهو الآن سفير هذا الأخير في أنغولا. أما الشاب الثاني فإنه من المنطقة الشمالية الموريتانية وهو سيدي ولد مولاي الزين وقد رقي إلى محافظ سياسي لأكبر ناحية عسكرية لجبهة البوليساريو ووقع في الأسر سنة 1979 ولم يطلق سراحه إلا يوم 31 أكتوبر 1996 مع كوكبة من رفاقه الصحراويين وهو الآن ضابط سامي في جيش التحرير الشعبي الصحراوي وبقي على المبدأ والعقيدة. وكانت انطلاقتهما بعد المؤتمر الثاني للجبهة المنعقد من 25 على 31 أغسطس 1974. أما المتطوع الثالث فقد التحق بالجبهة أواخر سنة 1975 وهو من تيار الكادحين الموريتانيين وأسمه محمد الأمين إلا انه اشتهر باسم “الأحمر الصغير” LE PETIT ROUGE وقد جرح في معركة “أجو السبط” بأكركر سنة 1977. وبعد وقف إطلاق النار ذهب إلى موريتانيا مسقط رأسه ثم بعدها انتقل إلى العمل في الإمارات العربية وغابت بعدها أخباره إلا أن ملفه العسكري ما زال في أرشيف وزارة الدفاع الوطني الصحراوية. كما أشير إلى أن الوفد الأجنبي الوحيد الذي شارك في المؤتمر الثاني للجبهة سنة 1974 كان الوفد الموريتاني عن حزب الكادحين الموريتانيين PKM والذي مثله آنذاك المصطفى ولد بدر الدين الذي لم ينزلق كما فعل بعض رفاقه وراء المختار ولد داداه وحرمه في فعل ما كانوا يحاربوه إبان مطالبات المغرب بموريتانيا. أما قضية الاستقلال على الطريقة الموريتانية فإن حكومة مختار ولد داداه على لسان وزير داخليته السيد أحمد ولد صالح إبان لقاء له مع رواد الحركة الوطنية الصحراوية شهر مارس 1973 فقد اقترح أن لا يقوم الصحراويون بأي عمل مسلح لأنه ليس في صالحهم ومن الأفضل أن ينتهجوا السبيل الذي سارت فيه موريتانيا كما أسلفنا. وقد تحاشى القوم الجواب وإنما اكتفوا بالقول أن ذلك سيقرره الصحراويون إذا رأوا مصلحتهم فيه. وإذا كان الكادحون قد اقترحوا ذلك بعد تأسيس جبهة البوليساريو فإن ذلك لا يمكن أن يقبل خاصة إذ أن هناك قيادة جماعية لهذه الجبهة كما أن هناك قاعدة لم تعد تؤمن إلا بالرد على القوة بالقوة، ومنسق الجبهة لم يبلغ القيادة بمثل هذا مقترح. أما بخصوص ما قاله الأستاذ المحترم محمدن ولد إشدو: “لذلك نصحوا الصحراويين بالسعي إلى الاستقلال الداخلي أولا وتبني تجربة موريتانيا في المجال… ذلك هو مضمون رسالة نقلت إلى الولي رحمه ألله سنة 1974 وهو يومها في انواقشط حيث التقى بالرئيس المختار ولد داداه… ووافق عليه خليهنة ولد الرشيد رئيس مجلس الأعيان” . وهذا كلام غير صحيح البتة فالولي التقى مع المختار ولد داداه مايو 1975 فالمقترح المزعوم لم يوصله المرحوم الولي إلى رفاقه ومن عادته ألا يترك كبيرة ولا صغيرة إلا أخبرهم بها. ثم أن خليهنة ولد الرشيد لم يكن رئيسا لمجلس الأعيان الصحراويين وقد التقاه الولي مصطفى والمرحوم المحفوظ على بيبا شهر فبراير1975 بمدينة أنواقشط وكانت أسبانيا قد أسست له حزبا وأسمته حزب الاتحاد الوطني الصحراوي (البونس) وعينته أمينا عاما له. وهو شخص متزوج من اسبانية من مدينة إشبيليا، حيث أن اسبانيا أرادت بذلك إتباع خطوات فرنسا في موريتانيا مع ولد داداه ظنا منها أن ذلك ممكنا، لكن الفكرة جاءت متأخرة نظرا للضربات الموجعة التي تلقتها أسبانيا على سواعد مقاتلي جيش التحرير الشعبي الصحراوي، الجناح المسلح لجبهة البوليساريو، والالتفاف الشعبي حول الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. أما حكاية الوفد الذي ترأسه الأستاذ محمدن ولد أشدو إلى الجزائر شهر يناير 1976 فقد جاء بمشروع بيان على أساس أن الوطنيين الموريتانيين ليست لهم مطالب في الصحراء الغربية وهناك فقرة تقول بأن جبهة البوليساريو ليست لها مطالب في موريتانيا، الشيء الذي رفضه الوفد الصحراوي باعتبار أن جبهة البوليساريو لم تكن لها قط مطالب في موريتانيا لا خفية ولا علنية. وفشل الموفد الموريتاني (الكادحين المنضويين تحت لواء حزب الشعب الموريتاني) في إقناع الوفد الصحراوي ولم ينشر البيان. أما فيما يخص البلاغ العسكري حول معركة عين بنتيلي، فهناك بنتيلي الصحراوية وبنتيلي الموريتانية والمعركة وقعت فيهما معا لأن الحرب اندلعت باتفاقية مدريد الثلاثية بين المغرب، اسبانيا وموريتانيا، ولا يمكن القول بأن موريتانيا أعتدي عليها لأنها هي التي أعلنت الحرب وعواقبها يتحملها النظام الموريتاني آنذاك ومن تحالف معه داخليا، وعليه لا يمكن التحكم في رقعة الحرب. ثم أن البوليساريو لم ولن تفكر في يوم من الأيام أن تبحث عن طابور خامس موريتاني لأنه لا يمكن للمنطق أن يقبل بذلك. ثم أن هناك في موريتانيا صحراويون وقد أظهرت لهم السلطة وقتها أنهم ليسوا موريتانيين فعاملتهم كما عامل الأمريكيون ذوي الأصول اليابانية لما كانت الحرب العالمية الثانية في ديدنها. والبلاغ العسكري صدر قبل مجيء الأستاذ محمدن ب 15 يوما على الأقل، وكان بلاغا عسكريا بعيدا عن السياسة أو الانتقام للشعب الموريتاني. الأستاذ يدافع في العمق عن التوجه الذي سارت عليه الأمور بنظر السلطة التي تحول هو مع الأسف إلى جزء من مكوناتها. ثم أن الأستاذ محمدن ولد إشدو أصبح مضطلعا فجأة على كنه جبهة البوليساريو وميزانياتها وتسليحها، وليعلم أن سلاح سام الذي يتكلم عنه لم يدخل ضمن سلاح البوليساريو إلا بعد ذلك بسنوات. ثم أن البيان لم يصدر قط ولم يتفق عليه ولا على المحتوى الذي جاء به الأستاذ المحترم وإلا لكان البيان نشر قبل كلامه بسنوات. أما “فيلا عزيزة” التي تكلم عنها ولد إشدو فهي مقر إقامة الرئيس هواري بومدين والشاذلي بن جديد بعده، ولم تكن في يوم من الأيام مقرا للبوليساريو. إن ما قاله مناف للحقيقة، وما قاله عن الولي رحمه الله مجاف لها أيضا، لأن الولي وهذا مسجل ومكتوب لدى كوادر البوليساريو حول القبلية إذ يقول “القبلية قنبلة موقوتة” ثم أنه أي الولي لم يحد عن المبادئ التي آمن بها منذ تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب حتى سقط في ميدان المعركة. وأن غيابه لم يخل من بعدها الجماهيري بتاتا وإلا لما صمدت كل هذه السنين المتلاحقة. أما بعدها البيظاني فلا جدال فيه، فالمرحوم الولي مصطفى السيد قال ذات مرة ولولد إشدو نفسه “بأن الصحراء وموريتانيا بيضتان في عش واحد”. أتمنى ألا يكون ما جاء في غفلة منهم عن التاريخ والصحراويون لا يمكن أن ينكروا الجميل خاصة ما دعمتهم به الحركة الوطنية الموريتانية طيلة كفاحهم رغم كل التقلبات السياسية.
* قيادي من مؤسسي البوليساريو من الصحراء الغربيةيقول الاب محمد لمين احمد
ما كنت أتصور أن يبادر بعض الإخوة الأشقاء في موريتانيا بالكتابة عن الصحراء الغربية في غيبة من أهلها إلا أنه ما كل تصور يتحول إلى حقيقة مهما كانت مرارتها فإذا بالتيار يجري في عكس مجرى الوادي.
ما أريد قوله هو أن صاحب كتاب: “موريتانيا المعاصرة شهادات ووثائق”، السيد المحترم سيد أعمر ولد شيخنا قد غيب – أتمنى ألا يكون ذلك عن قصد – شهادة الصحراويين من كتابه. فيقول في الصفحة 176: “فالكادحون كما يقول ولد أشدو:”كانوا يعتبرون البوليساريو مولودا شرعيا لحركتهم قام على أكتافها ورعاها رجال أنجبت معظمهم ساحة النضال في موريتانيا، وقد طبع أول عدد من 20 مايو لسان حال البوليساريو على مطابع الكادحين في انواذيبو وأول عمليات الجبهة ضد الوجود الاسباني نفذت بسلاح موريتاني، رغم احتضان الكادحين الموريتانيين للبوليساريو غداة تأسيسها، فإن الثابت أن مؤسسي البوليساريو تلقوا تكوينهم السياسي والإيديولوجي في الجامعات المغربية، فالولي مصطفى السيد كما يقول الحسن الثاني في ذاكرة ملك: “كان منخرطا في حزب التقدم والاشتراكية بزعامة “على يعتة” وقد تم طرده لاحقا من الحزب بسبب ما وصف بأنه ميولات أتروتسكية لديه”… وقبل كل هذا فإن القادة المؤسسين للبوليساريو بنوا حركتهم على إرث من النضال الصحراوي كانت آخر حلقاته مع حركة “البوصيري” التي فجرت انتفاضة الزملة يونيو 1970″ . إن المدقق في هذه الأخبار وهذا السيل من المعلومات، إن لم يكن في أجيج الأحداث ومعاصرتها ليتصور صحتها رغم تناقضاتها. وكاتب هذه الحروف عاصر كل الأحداث وتطورات الكفاح الذي خاضه ويخوضه الشعب الصحراوي شقيق الشعب الموريتاني. فإذا كان ولد اشدو قد قال أنهم، أي الكادحين ، يعتبرون البوليساريو مولودا شرعيا لحركتهم فإن ذلك مجافي للحقيقة لأن البوليساريو ولدت من رحم النضال الصحراوي بمختلف أشكاله. ولم تكن في يوم من الأيام وليدة حركة أخرى ولدت من رحم نضالات الشعوب المجاورة بما في ذلك الكادحين ولا حتى لقيطا يتبنى من طرف الغير. وهنا لا بد لي أن اطلع القارئ الموريتاني والصحراوي وحتى المغاربي على حد سواء على نشأة البوليساريو “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” وعلاقاتها بالكادحين الموريتانيين وتطورات الأحداث بعد ذلك. فمرة يقول المؤلف أنه من الثابت أن مؤسسي البوليساريو تلقوا تكوينهم السياسي والإيديولوجي في الجامعات المغربية والعلاقات الممتازة مع اليسار المغربي والقادة المؤسسين بنوا حركتهم على إرث من النضال الصحراوي إلخ… وأريد أن أنبه الكاتب المحترم أن هذا الكلام يفتقد إلى الكثير من الصحة لأن مرجعية صاحبنا هي الافتراءات التي تسوقها الدعاية المغربية سواء من الأحزاب السياسية المغربية أو القصر الملكي بما في ذلك ما قاله الحسن الثاني عن الولي مصطفى السيد حول انتمائه لحزب التقدم والاشتراكية وأنه طرد لتوجهاته اتروتسكية. إنه البهتان بعينه.. فالولي مصطفى السيد جاء إلى المغرب سنة 1959 طفلا لاجئا في مدينة الطنطان جنوب المغرب مع عائلته وهو خريج معهد إسلامي، وبالتالي لم يعتنق في يوم من الأيام النظرية الشيوعية وكاتب الحروف رافقه في طفولته وفي دراسته، والمثل الحساني يقول: “اللي ما يبغيك يحلم عنك حلم شين”. وعليه فإن ما قيل في هذا الاتجاه باطل الأصل وبالنتيجة باطل الفرع. فلو تطرق المؤلف للرسالة التي أرسلها الولي مصطفى السيد إلى فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية بعد غزو الصحراء الغربية لاستنتج هل فكر الولي فكر إسلامي أو شيوعي ألم يختم رسالته بهذه الجملة: “أتق الله يا مختار.” ولو كان مؤسسو البوليساريو تلقوا تكوينهم السياسي والإيديولوجي في الجامعات المغربية لما كان أول أمين عام لجبهة البوليساريو، السيد إبراهيم غالي سيد المصطفى، أمين سر المنظمة الطليعية لتحرير الصحراء. ولم يكن ضمن أعضاء اللجنة التنفيذية السبعة إلا فرد واحد قادم من جنوب المغرب والستة الباقون ثلاثة منهم من شرق الصحراء الغربية والثلاثة الباقون من شمال غربها. صحيح أن ميلاد الجبهة ومؤتمرها التأسيسي الأول كان في مدينة ازويرات الموريتانية ولم يكن لا بمباركة السلطات التي كانت تطارد المناضلين الصحراويين ولا بمباركة من الحركة الوطنية الموريتانية أنذلك التي كانت جد منشغلة بالأوضاع الموريتانية الداخلية أكثر منها من مصير الصحراء الغربية. ثم أن أول عملية عسكرية لجبهة البوليساريو نفذت في أقصى الشمال الصحراوي وأقرب الحدود إليها كانت الحدود المغربية وذلك يوم 20 مايو 1973 بخمسة بنادق قديمة جمعت من عند البدو الرحل الصحراويين ولم يكن فيها سلاح أجنبي على الإطلاق. وأريد هنا أن أشير أنه وقت اتصالات بالحكومة الموريتانية في مارس 1973 من طرف بعض قادة المنظمة الطليعية لتحرير الصحراء الذين كانوا حديثي العهد بالسجون الأسبانية وهم: – إبراهيم غالي سيد المصطفى، أمين سرر المنظمة وأحد القادة المؤسسين لها في 11 ديسمبر 1969 – أحمد القائد صالح البشير بيروك، أحد المعتقلين بالقنديل بالداخلة بعد مظاهرات 1970 – موسى لوشاعة لبصير، معتقل رفقة أحمد القايد صالح – محمد سعد بوه – لوشاعة محمد لمين ميلد – محمد سالم عبد الله – البشير عبد الله – عبيدي الشيخ هؤلاء قدموا مذكرة للسلطات الموريتانية يطالبون فيها دعم الحكومة الموريتانية والسماح لحركة صحراوية مستقبلية بالتحرك في التراب الموريتاني وأنه في المستقبل لا بد من شن حرب ضد الاستعمار الأسباني إذا لم يذعن للمطالب الصحراوية. وقد أستقبل هذا الوفد من طرف كل من وزير الداخلية الموريتاني السيد أحمد ولد صالح والسيد حمدي ولد مكناس وزير الخارجية. فبماذا نصح الوزيران؟ لقد اعتبرا أن التحرك السياسي لا مانع فيه لكنه يجب أن يكون بعلم الحكومة الموريتانية وأنه من الأفضل للصحراويين أن يؤسسوا حزبا سياسيا ويناضلوا من أجل الاستقلال الداخلي أولا ثم الاستقلال على الطريقة الموريتانية. إلا أن هذه الكوكبة كانت مرتبطة بالنضال الصحراوي الجامح والذي مس كل مناطق التواجد الصحراوي بما فيه ذوي الأصول الصحراوية في موريتانيا. وبعد ما استنتج حكام موريتانيا أن تفكير الصحراويين هو الكفاح المسلح بدأت مضايقات هؤلاء من طرفهم وهو ما دفع بالقوم إلى الانتقال إلى العمل السري داخل التراب الموريتاني مع الحفاظ على بعض الوجوه المعروفة لدى السلطة. وعلى ضوء ذلك تأسست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب كما أسلفنا. لم تقطع الاتصالات بين الحكومة الموريتانية والجبهة الحديثة عهد بالولادة، فقد أرسلت رسائل إلى الحكومة الموريتانية وإلى حزب الشعب الموريتاني بعد الإعلان عن تأسيسها مباشرة وذلك يوم 12 مايو 1973 برسالة موجهة إلى الأمين العام للحزب المختار ولد داداه عن طريق صل عبد العزيز مداوم الحزب والتي بقيت صيحة في وادي وكأن لا حياة لمن تنادي. بداية الاتصالات بالحركة الوطنية الموريتانية: كان أول من اتصلت به جبهة البوليساريو هم البعثيون الموريتانيون، وكان أول لقاء لهم معهم يوم 15 مايو 1973 بين كل من محمد ولد الطلبة والآنسة خديجة منت سيدي محمود التي كانت الوسيط بين موفدي الجبهة وقيادة البعث وقد شارك في هذا اللقاء من الجانب الصحراوي: محمد الأمين أحمد وأحمد القايد صالح في مدينة أنواقشط بمنزل والدة خديجة السيدة العلية، التي كانت نشيطة في حزب الشعب الموريتاني، (العلية طبعا). أما المرحومة خديجة منت سيدي محمود فكانت تربطها روابط عائلية مع أحد هذين الموفدين. وتم الاتفاق على ما يلي:
1. مواصلة الاتصالات حتى توضح الجبهة رغبتها فيما يخص القطر الموريتاني، حسب تعبير ولد الطلبة
2. هناك عنصر نشيط في التيار البعثي في السنغال يدعى “أشرا” يمكن الاتصال به لتسهيل مهمة الجبهة الإعلامية في هذا البلد
3. تشكيل لجنة تضامن مع الشعب الصحراوي خاصة في الإعداديات والثانويات ومن العمال الموريتانيين
4. تنبيه حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق إلى ضرورة دعم ومساندة الشعب الصحراوي في كفاحه ضد الاستعمار الأسباني
5. فتح مجال عن طريقهم للاتصال بالحركات والتيارات الأخرى على الساحة الموريتانية. والذي أستنتجه الصحراويين من اللقاءات المتكررة مع هذا التيار أنه يريد الاستحواذ على الاتصالات وإبقائها ضمنه. ورغم ذلك فقد وقعت اتصالات محدودة ولقاءات متفرقة مع التيار الناصري الوحدوي ومع البعثيين الاتجاه السوري.
الاتصالات بالكادحين لموريتانيين لما أحس قادة حركة الكادحين حتى قبل أن يؤسسوا حزب الكادحين الموريتانيين بأن جبهة البوليساريو حقيقة موجودة، خاصة وأنها أجرت عددا من اللقاءات مع السفارات الصينية، الروسية والعراقية والليبية والجزائرية وبحركات التحرير الأفريقية المعتمدة في موريتانيا خاصة حزب PAIGC لغينيا بيساو والرأس الأخضر، وبأن هناك اتصالات بالحركات الموريتانية الأخرى بادروا إلى الاتصال بالجبهة عن طريق عضو من مناضليهم في مدينة الزويرات وذلك يوم 2 سبتمبر 1973 وجدد اللقاء في مدينة أطار يوم 14 سبتمبر 1973 ضمن طريق المرور التالية: – على الساعة الثانية عشر من منتصف النهار يكون شخص بدراعة زرقاء اللون ولثام أسود على رقبتة أمام أحدى الدور في حي “أمباركة وأعمارة” و يأتيه شخص صحراوي فيقول له: “كم الوقت؟”، فيجيب صاحب الدراعة: “الواحدة إلا خمسة دقائق”. فيقول له الصحراوي: “سواكك زين.. هل لديك شئ من التبغ؟”، فيتعارفا ويتوجها عبر أزقة بعضها مغلق في مدينة أطار. هكذا تم اللقاء الأول. كان ثلاثة عناصر من الكادحين وبعد تحليل للأوضاع من طرف الموفد الصحراوي عن الاستعمار الأسباني للصحراء الغربية والدوافع التي أدت إلى تأسيس الجبهة بعد الإخفاق الذي تعرضت له الحركة الوطنية الصحراوية في مذبحة 17 يونيو 1970 والكفاح المسلح الذي اختاره الشعب الصحراوي للتخلص من الهيمنة الاستعمارية وأنها حركة وطنية تضم كل الفئات المناهضة للاستعمار بما في ذلك بعض الذين يحسبهم البعض أعوانا للاستعمار، ونجاح أول عملية عسكرية في شمال البلاد الصحراوية والسجن الذي تعرض له بعض مقاتلي الجبهة في مدينة بئر أم أقرين الموريتانية. كما تطرق الطرف الموريتاني في هذا اللقاء إلى الأوضاع العامة في موريتانيا ونضال طبقة الشغيلة الموريتانية والنظام الاستعماري الجديد في البلد والحركات الوطنية في موريتانيا وماذا يمثل حزب الشعب الموريتاني…إلخ. بعد الاستعداد لمؤازرة كفاح الشعب الصحراوي بالإمكانيات الشحيحة المتوفرة لدى عناصر حركة الكادحين الموريتانيين. وكانت الأسئلة تتمحور حول: – هل أنتم مصممون على مواصلة الكفاح المسلح؟ – ماذا تريدون من الحركة الوطنية الموريتانية؟ – ماذا تطلبون بالتحديد من موريتانيا حكومة وحركة وطنية؟ – هل لديكم اتصالات بحزب الشعب الموريتاني؟ – ما هي أيديولوجية الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب؟ – ما هو آراؤكم في النظام الروسي والصيني؟ والنظام الموريتاني والمغرب والجزائر؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي جاءت بعد أن قدم الطرف الصحراوي عرضا مطولا عن القضية الصحراوية وتطور كفاح الشعب الصحراوي والأسباب التي أدت إلى تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب كما أسلفنا. وقد انفض الاجتماع على أن تعين كل جهة منسقا عنها، وفي اليوم الموالي عينت الجبهة السيد عبيد لوشاعة منسقا وعينت حركة الكادحين السيد يب، وقد يكون اسما حركيا. ودعمت الحركة الجبهة بصندوق (كيس) من الدواء ليصل إلى الزويرات يوم 18 سبتمبر 1973 وتواصلت اللقاءات التي أسفرت على التزام حركة الكادحين بتزويد الجبهة بما أمكن من ذخيرة الموسكوتوف (بندقية رباعية) والأدوية وبعض الأحذية والألبسة. إلا أن أهم ما توصلت به الجبهة هو آلة طبع باللغة العربية ينقصها حرف الإلف وقد عوض برقم واحد بالأرقام الهندية وقد وصلت هذه الآلة يوم 2 نوفمبر 1973 وطبع بها العدد الأول من مجلة 20 ماي اللسان المركزي للجبهة وصدر أوائل شهر ديسمبر 1973. أما آلة التكثير فقد وهبها أحد التجار الصحراوين للجبهة وزودها بأستانسيل مجموعة الكادحين وذلك مع مطلع يناير 1974. وهكذا استمر الاتصال وتأسس حزب الكادحين فيما بعد ونشرت مجلة “صيحة المظلوم” عددا من المقالات النيرة حول الصحراء الغربية وكفاح شعبها. كما نشرت قصيدة تاريخية من إنتاج موريتاني تحت عنوان “ثوار الصحراء كائمين بالنضال ألي زاد زين” ….إلخ. ولم يسبق لحزب الكادحين أن اقترح أو أرسل متطوعين موريتانيين ليكافحوا إلى جانب الشعب الصحراوي، وما قاله المصطفى ولد أعبيد الرحمن لا أساس له من الصحة بل يفتقد إلى الدليل وهو كلام لم نسمع به من قبل إلا بعد أن هلل البعض لتقسيم الصحراء الغربية مع النظام المغربي، وراء الخطوة الارتجالية التي خطاها الرئيس الموريتاني آنذاك المختار ولد داداه، سامحهم الله. يمكن أن يكون هناك اهتمام من طرفهم لكن ولم يساهم أي كان في تشكيلها من جهة أجنبية مهما كانت صفتها وإنما جبهة البوليساريو هي نتاج صحراوي صرف. ثم أنه لم يوضع خلال التنسيقات المختلفة أن وضع على الجبهة تحديد خط موريتاني في نضالها بل كانت الجبهة واضحة بأنه يمكن القبول بعد الاستقلال الصحراوي بفتح النقاش حول الوحدة أو فدرالية أو كنفدرالية…. إلخ. لكن الهدف الآني والأسمى هو استقلال الصحراء الغربية من الاستعمار الأسباني. ولم يشب هذا التصور أي غموض أو ازدواجية. إننا في الجبهة نفهم الفرق بين من كان يدافع عن مبادئ وقضية وتحول إلى مدافع عن نفسه وقد أثبتت الأيام صدق ذلك سواء في الذين تخلوا عن مبادئهم في موريتانيا أو حتى في الصحراء الغربية والإنسان غير معصوم والمثل الحساني يقول: “التخمام فزات نارب”. وفي هذا السياق أريد أن أشير على أن أول المتطوعين من موريتانيا كانا من التيار البعثي وهما شابان احدهما يدعى عبد الله ولد محمد ولد أبوه من مدينة بوتليميت وقد أطلق عليه الاسم حركي “مصطفي أبوه” وقد ترقى تدريجيا من محافظ وحدة صغيرة إلى مسؤول العلاقات الخارجية في اتحاد شبيبة الساقية الحمراء ووادي الذهب إلى عضو مكتب سياسي في الجبهة ليطلب الرجوع إلى وطنه بعد أن أخل بواجب الانضباط، ومع ذلك وافقت القيادة الصحراوية على طلبه فأكرمته. وبعد أشهر في موريتانيا انتقل إلى الصف المعادي، أي إلى المغرب، وهو الآن سفير هذا الأخير في أنغولا. أما الشاب الثاني فإنه من المنطقة الشمالية الموريتانية وهو سيدي ولد مولاي الزين وقد رقي إلى محافظ سياسي لأكبر ناحية عسكرية لجبهة البوليساريو ووقع في الأسر سنة 1979 ولم يطلق سراحه إلا يوم 31 أكتوبر 1996 مع كوكبة من رفاقه الصحراويين وهو الآن ضابط سامي في جيش التحرير الشعبي الصحراوي وبقي على المبدأ والعقيدة. وكانت انطلاقتهما بعد المؤتمر الثاني للجبهة المنعقد من 25 على 31 أغسطس 1974. أما المتطوع الثالث فقد التحق بالجبهة أواخر سنة 1975 وهو من تيار الكادحين الموريتانيين وأسمه محمد الأمين إلا انه اشتهر باسم “الأحمر الصغير” LE PETIT ROUGE وقد جرح في معركة “أجو السبط” بأكركر سنة 1977. وبعد وقف إطلاق النار ذهب إلى موريتانيا مسقط رأسه ثم بعدها انتقل إلى العمل في الإمارات العربية وغابت بعدها أخباره إلا أن ملفه العسكري ما زال في أرشيف وزارة الدفاع الوطني الصحراوية. كما أشير إلى أن الوفد الأجنبي الوحيد الذي شارك في المؤتمر الثاني للجبهة سنة 1974 كان الوفد الموريتاني عن حزب الكادحين الموريتانيين PKM والذي مثله آنذاك المصطفى ولد بدر الدين الذي لم ينزلق كما فعل بعض رفاقه وراء المختار ولد داداه وحرمه في فعل ما كانوا يحاربوه إبان مطالبات المغرب بموريتانيا. أما قضية الاستقلال على الطريقة الموريتانية فإن حكومة مختار ولد داداه على لسان وزير داخليته السيد أحمد ولد صالح إبان لقاء له مع رواد الحركة الوطنية الصحراوية شهر مارس 1973 فقد اقترح أن لا يقوم الصحراويون بأي عمل مسلح لأنه ليس في صالحهم ومن الأفضل أن ينتهجوا السبيل الذي سارت فيه موريتانيا كما أسلفنا. وقد تحاشى القوم الجواب وإنما اكتفوا بالقول أن ذلك سيقرره الصحراويون إذا رأوا مصلحتهم فيه. وإذا كان الكادحون قد اقترحوا ذلك بعد تأسيس جبهة البوليساريو فإن ذلك لا يمكن أن يقبل خاصة إذ أن هناك قيادة جماعية لهذه الجبهة كما أن هناك قاعدة لم تعد تؤمن إلا بالرد على القوة بالقوة، ومنسق الجبهة لم يبلغ القيادة بمثل هذا مقترح. أما بخصوص ما قاله الأستاذ المحترم محمدن ولد إشدو: “لذلك نصحوا الصحراويين بالسعي إلى الاستقلال الداخلي أولا وتبني تجربة موريتانيا في المجال… ذلك هو مضمون رسالة نقلت إلى الولي رحمه ألله سنة 1974 وهو يومها في انواقشط حيث التقى بالرئيس المختار ولد داداه… ووافق عليه خليهنة ولد الرشيد رئيس مجلس الأعيان” . وهذا كلام غير صحيح البتة فالولي التقى مع المختار ولد داداه مايو 1975 فالمقترح المزعوم لم يوصله المرحوم الولي إلى رفاقه ومن عادته ألا يترك كبيرة ولا صغيرة إلا أخبرهم بها. ثم أن خليهنة ولد الرشيد لم يكن رئيسا لمجلس الأعيان الصحراويين وقد التقاه الولي مصطفى والمرحوم المحفوظ على بيبا شهر فبراير1975 بمدينة أنواقشط وكانت أسبانيا قد أسست له حزبا وأسمته حزب الاتحاد الوطني الصحراوي (البونس) وعينته أمينا عاما له. وهو شخص متزوج من اسبانية من مدينة إشبيليا، حيث أن اسبانيا أرادت بذلك إتباع خطوات فرنسا في موريتانيا مع ولد داداه ظنا منها أن ذلك ممكنا، لكن الفكرة جاءت متأخرة نظرا للضربات الموجعة التي تلقتها أسبانيا على سواعد مقاتلي جيش التحرير الشعبي الصحراوي، الجناح المسلح لجبهة البوليساريو، والالتفاف الشعبي حول الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. أما حكاية الوفد الذي ترأسه الأستاذ محمدن ولد أشدو إلى الجزائر شهر يناير 1976 فقد جاء بمشروع بيان على أساس أن الوطنيين الموريتانيين ليست لهم مطالب في الصحراء الغربية وهناك فقرة تقول بأن جبهة البوليساريو ليست لها مطالب في موريتانيا، الشيء الذي رفضه الوفد الصحراوي باعتبار أن جبهة البوليساريو لم تكن لها قط مطالب في موريتانيا لا خفية ولا علنية. وفشل الموفد الموريتاني (الكادحين المنضويين تحت لواء حزب الشعب الموريتاني) في إقناع الوفد الصحراوي ولم ينشر البيان. أما فيما يخص البلاغ العسكري حول معركة عين بنتيلي، فهناك بنتيلي الصحراوية وبنتيلي الموريتانية والمعركة وقعت فيهما معا لأن الحرب اندلعت باتفاقية مدريد الثلاثية بين المغرب، اسبانيا وموريتانيا، ولا يمكن القول بأن موريتانيا أعتدي عليها لأنها هي التي أعلنت الحرب وعواقبها يتحملها النظام الموريتاني آنذاك ومن تحالف معه داخليا، وعليه لا يمكن التحكم في رقعة الحرب. ثم أن البوليساريو لم ولن تفكر في يوم من الأيام أن تبحث عن طابور خامس موريتاني لأنه لا يمكن للمنطق أن يقبل بذلك. ثم أن هناك في موريتانيا صحراويون وقد أظهرت لهم السلطة وقتها أنهم ليسوا موريتانيين فعاملتهم كما عامل الأمريكيون ذوي الأصول اليابانية لما كانت الحرب العالمية الثانية في ديدنها. والبلاغ العسكري صدر قبل مجيء الأستاذ محمدن ب 15 يوما على الأقل، وكان بلاغا عسكريا بعيدا عن السياسة أو الانتقام للشعب الموريتاني. الأستاذ يدافع في العمق عن التوجه الذي سارت عليه الأمور بنظر السلطة التي تحول هو مع الأسف إلى جزء من مكوناتها. ثم أن الأستاذ محمدن ولد إشدو أصبح مضطلعا فجأة على كنه جبهة البوليساريو وميزانياتها وتسليحها، وليعلم أن سلاح سام الذي يتكلم عنه لم يدخل ضمن سلاح البوليساريو إلا بعد ذلك بسنوات. ثم أن البيان لم يصدر قط ولم يتفق عليه ولا على المحتوى الذي جاء به الأستاذ المحترم وإلا لكان البيان نشر قبل كلامه بسنوات. أما “فيلا عزيزة” التي تكلم عنها ولد إشدو فهي مقر إقامة الرئيس هواري بومدين والشاذلي بن جديد بعده، ولم تكن في يوم من الأيام مقرا للبوليساريو. إن ما قاله مناف للحقيقة، وما قاله عن الولي رحمه الله مجاف لها أيضا، لأن الولي وهذا مسجل ومكتوب لدى كوادر البوليساريو حول القبلية إذ يقول “القبلية قنبلة موقوتة” ثم أنه أي الولي لم يحد عن المبادئ التي آمن بها منذ تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب حتى سقط في ميدان المعركة. وأن غيابه لم يخل من بعدها الجماهيري بتاتا وإلا لما صمدت كل هذه السنين المتلاحقة. أما بعدها البيظاني فلا جدال فيه، فالمرحوم الولي مصطفى السيد قال ذات مرة ولولد إشدو نفسه “بأن الصحراء وموريتانيا بيضتان في عش واحد”. أتمنى ألا يكون ما جاء في غفلة منهم عن التاريخ والصحراويون لا يمكن أن ينكروا الجميل خاصة ما دعمتهم به الحركة الوطنية الموريتانية طيلة كفاحهم رغم كل التقلبات السياسية.
* قيادي من مؤسسي البوليساريو من الصحراء الغربية