تقوم القوات الفرنسية هذه الايام بالتدخل المباشر في افريقيا من خلال تحركاتها السريعة من أجل جمع المال لعملية «هاوبي» التي تضم قوات كل من دول الساحل الخمس موريتانيا وبوركينافاسو ومالي وتشاد والنيجر.
وكانت الامم المتحدة ومجلس الامن قد فوضت لفرنسا عملية محاربة الارهاب في دول الساحل خاصة مالي حيث امتنعت الجزائر عن محاربة الارهاب خارج حدود بلدها حيث يمكن لبعض الدول المتربصة ان تلوث سياسات الجزائر في معارك مع الغير وتوريطها في مستنقعات ووحل التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
غير ان سياسة الجزائر وخبرتها في محاربة الارهاب وحماية حدودها مكنتها من تكوين تعاون مع دول الجوار اعتمد على تشكيل قيادة للأركان وقوة عسكرية لتبادل المعلومات والتضييق على الحركات الارهابية خاصة بعد الهجوم الإرهابي على المنشأة الغازية بـ “تيقنتورين” بولاية إليزي (جنوب شرق الجزائر) ورفض الجزائر لأي تدخل أجنبي رغم أن الرهائن كانت من دول مختلفة..
وقد عمدت سياسات هلهلة الدولة الليبية وعدم الجدية في الامساك بالأمور لتظل المنطقة صالحة لنمو حشيشة وبعبع الارهاب الذي تغذيه مصالح الدول الغربية من اجل ايجاد تبريرات للتواجد في إفريقيا وقد عمد مفوض الأمم المتحدة الاسباني برناردينو ليون الذي عينته الامم المتحدة كممثل لها لجمع الشمل الليبي والذي كان دبلوماسيا لإسبانيا في الجزائر الى نقل الملف الليبي من فوق الجزائر الى الصخيرات في المغرب في توقيت ومكان المحاولة الانقلابية التي قام بها ضباط مغاربة احرار ضد فساد الحسن الثاني الذي لم ينج الا بأعجوبة, وهو ما يعبر عن امتداد جذور الماضي الاستعمارية واستمرار نفس السياسات الغربية في الهيمنة على ثروات افريقيا وامتصاص مقدراتها.
وقد كانت اعمال المفوض الاسباني في ليبيا انتقائية وتريد اشراك المغرب الذي يمثل تلك المصالح في اي تسوية في ليبيا وقد اجهض الاسباني بتلك الانانيات كل الجهود الاممية التي كانت تريد فعلا ان تكون الامم المتحدة ذات مصداقية في حلها ,غير ان المصالح التي تريد ابقاء الوضع كما هو حالت دون ذلك ولو بطرق تبدو مموهة وغير مباشرة.
ظلت كل المحاولات والوساطات التي قامت بها الدول المعنية خاصة والتي لها الحدود مع ليبيا كمصر والسودان وتشاد والنيجر وتونس والجزائر حتى مالطا وايطاليا تبوء بالفشل امام التدخلات الاخرى التي تقوض تلك الجهود وقدمت الجزائر جهودا تتبع سياسة لم الشمل الليبي وعدم الاقصاء اللهم الا الحركات الارهابية المعروفة غير ان هناك دائما من يعمل بالمال والمكر لتفتيت تلك اللحمة..
وتستمر تغذية الارهاب في الساحل بترك ليبيا مفتوحة وكذا العلاقة الحميمة بين الارهاب والمخدرات القادمة من المغرب كأكبر ممول للحركات الارهابية ووسطاء تجارة السلاح واختطاف الرهائن وتستضيف المغرب ولد الشافعي الموريتاني المطلوب من الدولة الموريتانية كأكبر الرؤوس التي ظلت تقوم بتلك الوساطات وربما لا زال يديرها من هناك.
وقادت الجزائر عملية المصالحة المالية بنجاح واشركت كل دول الجوار وافريقيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة تلك المصالحة الشاملة التي حقنت الدماء وحاولت ان تشفي الجرح النازف وقد كانت تمس المشاكل الحقيقية في التنمية والمشاركة السياسية والامن والاستقرار رغم الجهود الخفية خاصة من فرنسا لإجهاض المصالحة من اجل الابقاء على عدم الاستقرار ليبقى مبررا مقنعا لتواجدها في افريقيا الساحل الغنية.
وقد ادت تلك الجهود والضغوط المستمرة الى تكوين دول الساحل الخمس بتوافق بينها لتقارب المصالح غير ان فرنسا قد استطاعت ان تبقى تواجدها هناك في مسح مستمر لتلك المناطق وربما استغلال المعادن الثمينة الموجودة فيها منازعة مع الولايات المتحدة [يتواجد الأمريكيون عبر قاعدة للطائرات المسيرة في أغاديز (شمال النيجر)].
ورغم تواجد أربعة آلاف جندي فرنسي في الساحل الا ان قطع رأس الحية[الإرهاب] لم يتم او اريد فقط تنويمها لتبقى مبررا لتواجد القوات.
غير أن طول المدة في تواجد القوات الفرنسية دون حل جذري للارهاب سبب الاحراج الكبير لها مما الزم البحث عن تبرير جديد وكان الحل هو اشراك وتوريط دول الساحل في عملية التطهير بالنيابة وقد نشطت فرنسا في اجتماع مجلس الامن يومي 30 و31 أكتوبر السابق في جمع التبرعات لتلك العملية التي تبقى القوات العسكرية الفرنسية في الساحل تحت مظلة الامم المتحدة بغطاء ومباركة دول المنطقة مستغلة حاجتها للمال واستتباب الأمن.
ورغم ان التواجد الفرنسي لا مبرر له الآن حيث صرح مرارا بعض رؤساء الساحل ان دول الساحل قادرة على اجتثاث عروق الارهاب منفردة ان وجدت الامكانيات دون وصاية من أي كان. وان هناك هدر لاموال وجهود المجتمع الدولي وبالعكس كان يمكن ان تحل كل المشاكل لو قدمت الى الدول المعنية نفس الفرصة ولو بنصف المال الذي اغلبه يذهب في المكيفات ورحلات الطيران والوقود والسيارات الرباعية الغالية والاجور العالية للقوات الفرنسية . وان اجتثاث الارهاب لا يمكن عسكريا فقط بل اجتماعيا واقتصاديا وتنمويا وهو ما ستعجز عنه اي دول خارج النسيج الاجتماعي للمنطقة.
ان تكفل فرنسا بالمرافقة الجوية والابقاء على الاربعة آلاف جندي فرنسي يعتبر عذرا اكبر من ذنب حيث ستدفع دول الساحل فقط للدفاع عن القوات الفرنسية التي لن تعمل ابدا في اتجاه القضاء على الارهاب.
ان التواجد الاستعماري الفرنسي في منطقة الساحل هو اسناد يضمن البقاء في غرب افريقيا وبالتالي مصالحه هناك ولا بد ان يفتح لنفسه ثقوبا ونوافذ جديدة في افريقيا تحت مبررات مختلفة ,ولن تستقر ليبيا بل يراد أن تبقى الممول والممر للارهاب بالرجال والمال والسلاح وسيبقى الارهاب حيا ولو بمبررات واهية.
ان المستعمر لا تغلبه الحيل والمبررات فنحن لا يمكن ان ننسى العذر الاقبح من الذنب الذي بررت به الولايات المتحدة احتلالها للعراق “اسلحة الدمار الشامل”.و لا “حادثة المروحة” التي بررت بها فرنسا احتلالها للجزائر ولا مبرر “ارض السيبة” التي بررت بها احتلالها لموريتانيا ولا “التبادل التجاري” مع القبائل الصحراوية الذي بررت به اسبانيا احتلال الصحراء الغربية .
اننا نرى في افريقيا كيف يحاول الغرب خاصة بعملائه في القارة ابعاد الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي تمثل شعلة التحرر في القارة ورصيد المقاومة للهيمنة والتوسع وقد كانت دول القارة حاسمة في التمسك بوحدتها امام محاولات فرنسا التغلغل في القارة من الباب الكبير بدل الاكتفاء من الدخول خلسة من الاطراف كما في غرب افريقيا دائما ودول الساحل اليوم.