مثلي مثل الكثيرين من الغيورين على سمعة ومكانة قضيتنا الوطنية العادلة تفاجأت بشكل كبير من حرمان مشاركة وفد اتحاد شبيبة الساقية الحمراء ووادي الذهب من المشاركة في المهرجان العالمي للشباب والطلبة في طبعته التاسعة عشر المنظم بمدينة سوتشي الروسية .
ورغم أنه لديا الكثير مما أقوله في عديد القضايا , إلا انني وفي كل مرة تنتابني فيها الرغبة في الكتابة اجد نفسي تجرني عوامل عدة للعدول عن ذلك لاعتبارات أجدها في غالب الاحيان مقنعة من قبيل قناعتي الراسخة بأن المعركة مع عدونا المشترك وهو النظام المغربي ما زالت قائمة مما يحتم علينا أن نضع ضمن أولوياتنا البحث عن عناصر قوتنا والتي أساسها الوحدة وان نوسع هوامش المشترك بيننا وأن نجتهد في البحث عن نقاط التلاقي والابتعاد عن كل ما يمس من سمعتنا وسمعة قضيتنا الوطنية ، والتركيز على تصويب وجهة الصراع مع العدو المغربي وحده .
وهو ما جعلني دائما في حيرة من أمري , يخالجني الشك في كل مرة حول أهمية وقيمة وجدوائية الكتابة من عدمها ، من كونني مدرك تماما بأن بعض القوم من القائمين على الشأن العام وللأسف لا يهتمون ولا يفكرون إلا في مصالحهم الخاصة غير مبالين بأنين أو ألام أو معاناة الذين وضعوا كل ثقتهم فيهم وسلموهم أمرهم لتحقيق حلمهم وإيصالهم إلى بر الأمان ، يفعلون ما يحلوا لهم دون رقيب ولا حسيب ، مازالو لم يستوعبوا بأن عليهم الاستيقاظ من سباتهم وعدم الحيرة والاستغراب في واقع صنعوه بانفسهم ، بل وعليهم أن تكون عقولهم مدركة وأعينهم بصيرة وأذانهم صاغية بأن مشاعرهم وأحاسيسهم في واد , ومشاعر وأحاسيس الآلاف من الذين يؤرقهم الألم في المدن المحتلة من ارضنا الطاهرة ومعاناة اللجؤ في مخيمات اللاجئين الصحراويين بتندوف في واد اخر , في الوقت الذي لا يتقبلون فيه بأنهم يفتقدون لروح المبادرة والقدرة على تطوير وسائل و أساليب الكفاح والمقاومة والدفاع عن مكتسبات الشعب الصحراوي وثوابته ، بل وعاجزون عن إيجاد آليات ناجعة لمعالجة بعض الإخلالات الموجودة في مختلف مفاصل الحركة والدولة ، لا يتفقون البتة مع من يصارحهم بأنهم يفتقدون للإرادة الصادقة المتحدة بالعقل الخالص والقلب الطاهر لمصارحة ذواتهم بالعيوب والنواقص التي رافقت بعضهم طيلة مسيرته النضالية من أجل الحرية والاستقلال . غير واعين ولا مدركين بأن للتاريخ ذاكرة لا تمحوها الأيام ، ولا تزول بزوال الرجال ، ولا تمحى بقانون التقادم ؟
ولكن ورغم كل ذلك فإن عدم مشاركة الشبيبة الصحراوية في مهرجان من هذا الحجم وفي مكان وساحة بهاته الأهمية ــ في ظل ظروف متميزة وحساسة تمر بها قضيتنا الوطنية ــ شكل لي حافز ودافع قوي شجعني على التحرر ولو قليلا من هواجسي التي منعتني احيانا كثيرة من الكتابة والبوح بما يخالجني ويشغل تفكيري وبالي من قضايا مختلفة طيلة هاته المدة ، والخروج عن صمتي المألوف لأنني هكذا كنت واتمنى ان أظل ، اعمل باخلاص وصدق أؤدي مهمتي بكل مسؤولية وتفان في صمت بعيدا عن الأضواء والتباهي وسرقة الأفكار والركوب على انجازات الغير.
فمن منطلق تجربتي القصيرة وخبرتي القليلة وإضطلاعي الكبير على رصيد المنظمة والمكاسب التي حققتها على مختلف الاصعدة وخاصة على المستوى الدبلوماسي خلال الفترة التي سبقتني او التي توليت فيها مهمتي كأمين عام لمنظمة اتحاد شبيبة الساقية الحمراء ووادي الذهب ، فإنني لا أرى بان هناك أي تبرير لعدم المشاركة بقوة في أي نشاط ترعاه او تنظمه اي منظمة شبانية دولية فما بالك في نشاط ترعاه الفيدرالية العالمية للشباب الديمقراطي المعروفة اختصارا بالويفدي (WFDY) التي تحظى الشبيبة الصحراوية فيها بمكانة متميزة جدا ، عكس التنظيمات الشبانية المغربية التي من المفروض أن لا يكون لها اي وجود من كون عضوية كل المنظمات المغربية تم تجميدها بهاته المنظمة منذ المهرجان العالمي للشباب والطلبة الذي نظمته نفس المنظمة في جنوب افريقيا .
وفيما يتعلق بالبلد المضيف فأن دبلوماسيتنا اكدت اكثر من مرة كما تؤكد المعطيات على ارض الواقع ذلك بأن روسيا دولة لها موقف وإن لم يكن مساندا فهو على الأقل موقفا مشرفا اتجاه قضيتنا الوطنية وخاصة فيما يتعلق بدعم قرارات الامم المتحدة ومجلس الأمن حول حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ¡¡¡¡¡¡.

وبالتالي ففي تقديري فأن ما حدث لا يمكن إطلاقا لأي كان تصنيفه خارج السياق العام للوضع والواقع الحالي لمنظمة الشبيبة الصحراوية ومن الطبيعي جدا حدوثه في ظل هذا الواقع , ولعل الناظر والمتتبع لمسيرتها خلال السنوات الاخيرة يدرك بما لايدع اي مجال للشك التدني الواضح الذي حصل فيما يخص بعض برامجها وأنشطتها وعدم انسجام بعض هيئاتها والسياسات والممارسات الغير مدروسة فيما يتعلق بالتعاطي مع بعض المؤسسات ذات العلاقة بميدان الشباب ، وعدم طرح القضايا المتعلقة بالشباب بجدية وموضوعية في مختلف الهيئات والمنابرالوطنية ، وتضييق هامش مشاركة الشباب الصحراوي في المشاركة في مختلف برامج المنظمة وحصرها على مكاتب وهيئات الاتحاد ويظهر ذلك جليا من خلال الوفود المختلفة التي مثلت المنظمة في عدة فعاليات ومنتديات دولية وتهميش دور المجموعات والفرق التطوعية التي كان لها دورا كبيرا في توسيع المشاركة الشبانية في العديد من المجالات , وتركيبة اللجنة التحضيرية للمؤتمر التاسع لها ، وغير ذلك كثير يمكننا التطرق له في مواضيع قادمة بحول الله ، وكل ذلك في ظل تزايد الانشغال بواقع وانشغالات وهموم الشباب الصحراوي ولا مبالات البعض من القائمين على الشأن العام بهذا الخصوص ، وما ترتب عن ذلك وسيترتب من انعكاسات في غالبيتها ستكون سلبية .

إن الحجج التي يتم تسويقها الان أمام عامة الشعب مضحكة وساذجة من قبيل بأن روسيا البلد المضيف حرم الوفد الشباني الصحراوي من المشاركة لاسباب لوجيستيكية أو تقنية أو انها امتنعت عن منح التأشيرة للوفد الصحراوي وغير ذلك , أو بان الدبلوماسية المغربية فعلت فعلتها ونجحت في مساعيها الرامية إلى إقصاء القضية الصحراوية من المشاركة في تظاهرة دولية بهذا الحجم في دولة من هذا الحجم ، في الوقت الذي كان على قيادة المنظمة الشبانية الوقوف بكل شجاعة ومسؤولية وحزم على الإشكاليات التي ادت إلى ذلك مهما كانت طبيعتها أو الظروف التي حدثت فيها ، والتجرد من الذاتية والابتعاد عن التعجرف والتكبر والغرور ومصارحة العامة بتواضع وبكل صدق عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هاته النكسة إن صح التعبير .

لقد كنت من المتتبعين لمختلف مراحل العملية التحضيرية من خلفية غيرتي وحرصي على الاستفادة قدر الإمكان من هاته المحطة الهامة ، وخاصة بأنه قد تقرر بأن يحمل المهرجان إلى جانب رمزين من رموز المقاومة والحرية تشي كيفارا وفيدال كاسترو إسم الشهيد الرئيس الراحل الرمز والمجاهد محمد عبد العزيز وما قد يشكله ذلك من فرص مختلفة للمرافعة عن القضية الصحراوية من خلال مختلف البرامج التي سهرت اللجنة التحضيرية على تحضيرها وإعدادها سياسية كانت او ثقافية او غيرها.
ورغم لنه لا يمكننا إنكار دور ممثل اتحاد شبيبة الساقية الحمراء ووادي الذهب بمنظمة الويفدي والذي بذل مجهودات كبيرة كعضو مراقب في اللجنة الدولية التحضيرية للمهرجان ، ولايمكننا عدم الاعتراف بالدور الذي لعبته مركزية التنظيم السياسي للجبهة من خلال اتصالاتها المختلفة بمختلف المؤسسات الوطنية الصحراوية لضمان مشاركة نوعية في المهرجان وتوفير كل الظروف والإمكانيات لضمان مشاركة ناجحة ، ولا يمكننا إطلاقا عدم التسليم بجدية وقدرات وتجربة وخبرة اللجنة الوطنية الصحراوية التي تم تشكيلها برئاسة عضو الأمانة الوطنية والي ولاية العيون ، إلا أنني استغربت تماما من كوني عينت كعضو باللجنة الوطنية لهذا المهرجان (شاركت في الاجتماع الاول للجنة واعتذرت لاسباب لاداعي للتطرق لها في هذا المقام) من عدة مواضيع وهو ماعبرت عنه وعبر عنه زملائي في اللجنة بوضوح في الاجتماع الأول لها ، منها على سبيل المثال تأخر تشكيل اللجنة الوطنية التحضيرية المشرفة على تحضير المشاركة الصحراوية في مهرجان من هذا الحجم (26 يوم تقريبا قبل التاريخ المحدد للمهرجان)، غياب الممثل الرسمي لاتحاد الشبيبة كعضو مراقب في اللجنة الدولية (التجربة والخبرة)عن مكان الحدث في المرحلة الاخيرة والتي تعتبر اهم مرحلة من مراحل العملية التحضيرية (رغم تعيين شاب صحراوي مناضل ملتزم وقادر مقيم بروسيا لتمثيله ولكنه تنقصه التجربة كثيرا في مثل هذا النوع من التظاهرات) ، عدم حسم عدد المشاركين الصحراويين ولا طريقة او كيفية ضمان مشاركتهم من طرف مركزية اتحاد الشبيبة من كونها المسؤول المباشر عن مشاركة الوفد الشباني الصحراوي ( لم يتم الحسم إلا قبل التاريخ المحدد للمهرجان بمدة قصيرة جدا )، في الوقت الذي كان من المفروض أن تتم فيه مراسلة إدارة المهرجان بتعداد وقائمة المشاركين من كل بلد قبل التاريخ المحدد للمهرجان بشهرين على الأقل لتراسل بدورها السفارة الروسية بالجزائر وطلب التأشيرة بوقت كاف وهو امر طبيعي وخاصة في مهرجان من هذا الحجم وفي بلد له خصوصياته السياسية ويشهد له بالدقة في التنظيم وخاصة بأن حكومة هذا البلد قد شكلت لجنة روسية خاصة بالمهرجان لها اجنداتها وبرنامج عمل وتفكير وخطة وأساليب تختلف تماما عن البرنامج وخطة العمل التي أعدتها اللجنة الدولية التجضيرية للمهرجان التي شكلتها منظمة الويفدي الشبانية (لجنتان مختلفتان وغير منسجمتين). الأولى روسية وجهت الدعوة لحكومات كل الدول تقريبا للمشاركة في الذكرى المئوية للثورة  البلشفية الروسية التي تتزامن مع الطبعة التاسعة عشر للمهرجان العالمي للشباب والطلبة الذي احتضنته روسيا من هاته الخلفية ولها برنامج خاص ، والثانية شبانية شكلتها منظمة الفيدرالية العلمي للشباب والطلبة وقد وجهت الدعوة لكل المنظمات الشبانية العضوة في المنظمة للمشاركة في الطبعة التاسعة للمهرجان العالمي لهاته المنظمة الذي ينظم كل اربعة سنوات تقريبا ولها برامج يختلف عن برنامج اللجنة الروسية .
هذا جزء من حقيقية الاسباب التي أدت إلى النكسة إن صح القول وليس كلها ، ولا داعي للمغالطات من قبيل توجيه اللوم لروسيا وهي بلد علينا كسب ثقته أكثر نظرا لوزنه السياسي ، أوتحجيم عمل الدبلوماسية المغربية العاجزة والفاشلة التي اثبتت دائما ضعفها وتخبطها وعدم قدرتها على التأثير والأمثلة على ذلك كثيرة ولايمكن حصرها .
وبدلا من ذلك علينا الاعتراف بإن غالبية الأخطاء غالبا مانتسبب فيها نحن عن قصد او غير قصد من خلال عدم اعتراف البعض بأن المهمة أصبحت عسيرة و بالغة الصعوبة ، وعدم مواجهة وتبصير بعض القائمين على الشأن العام بعظمة المسؤوليات التي تقع على كاهلهم وكيفية الوفاء بالأمانات ، وضرورة تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، وقيمة وأهمية توزيع الأدوار وفقا لأسس مؤسساتية وليس على أساس أهواء ورغبات وجاه الأشخاص ، ناهيك عن ضرورة وحتمية مراجعة صيغ وكيفيات اختيار الأدوات التي تقود نضال كل الصحراويين من أجل الاستقلال ، بما في ذلك تفعيل المشاركة السياسية للشباب الصحراوي وفق رؤية شمولية واضحة ومتكاملة ، تنطلق من فهم حقيقي للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يحيط بنا او نعيش فيه ، تتجاوز عقلية الجمود التي يتسم بها بعض الإطارات ، مع التأكيد على أن ما نعانيه الآن من مشكلات كثيرة ناجم عن وجود خلل كبير في منظومة القيم والسلوك لدينا كأفراد والتي تنعكس بالضرورة على المجتمع ككل وعلى المؤسسات التي نعمل بها وبالتالي على قضيتنا الوطنية التي يجب أن تكون خطا أحمرا وتبقى وتظل فوق كل الاعتبارات.
ورغم إنني لا أريد أن يفهم اي كان انشغالي هذا بشكل خاطئ او أن يخطر ببال اي كان تأويله تأوبلا ليس في محله فأنني أؤكد بأنه على الجميع ان يعي بأن كل المؤسسات الوطنية الصحراوية مهما اختلفت طبيعتها أو مجال عملها أو اهتماماتها هي ملك لكل الصحراويين الصامدين الذين يناضلون ، يقاومون ، يكافحون كل من موقعه من أجل حق الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال ، وبالتالي فإن انشغالنا هذا يأتي من حرصنا على ضرورة تقدير وتثمين المكاسب التي حققها الشعب الصحر اوي في مختلف مراحل مقاومته الوطنية وفي مختلف تواجداته ، والعمل بجد وصرامة واخلاص وتفان للحفاظ عليها ودعمها وتعزيزها وخاصة في هاته المرحلة التي تتطلب منا مضاعفة الجهد والعمل باخلاص وبكل ما أوتينا من قوة لمواجهة مختلف المؤامرات التي يحيكها النظام المغربي وحلفائه ضد شعبنا الصامد وقضيتنا الوطنية العادلة.

موسى سلمى ، الأمين العام السابق لاتحاد الشبيبة الصحراوية.