منذ رائعته عن لا ندروفير في “دريميزات مغبرات والعدة والذخائر” صعد نجم بيبوه، وأصبحت قصائده على كل لسان، وكسب ود الجميع، خاصة المقاتلين، بتلك الروائع التي كان يؤديها بطريقته هو الخاصة التي تستولى على القلوب والعقول..
لكن إذا كان بيبوه الشاعر قد كسب الذين لا يعرفونه بشعره وبقصائده الوطنية الجياشة فقد كسب الذين يعرفونه بعلقه وحكمته وشخصيته الرزينة. فهو يُعد من كبار عُقَّال وأذكياء الصحراء قاطبة، ومن حكمائها حتى أصبح مرجعا في الحكمة قبل أن يصبح مرجعا في ” لغنا” والشعر، كما يُعد أبرع شخصية عرفناها حديثا في سرعة البديهة والإجابة القاطعة. الكثيرون الآن ينسبون إليه كل إجابة قاطعة قاتلة فتاكة حتى عُدَّ  مرجعا حاسما في سرعة البديهة. ينسبون اليه أنه كان مع جماعة منهم قائد صحراوي أقيل من الحكومة من قبل – طاح من الحكومة- ، وان بيبوه عثر فسقط فضحك القائد فقال له بيبوه: “طيحة ما هي من الحكومة ملحوكة.” وينسبون إليه أيضا أنه ذهب إلى مقر الهلال يحملا مطلبا، وأنه حين حان دوره قال له صاحب الإدارة: “إلاه مطلبك يالداه- وكلمة مطلبك في الحسانية يعني أن شخص يستجدي الناس- فقال له بيبوه: هاك مسرقك ياولدي”. وظلوا ينسبون إليه وينسبون إليه حتى اختلط ما قال هو ما لم يقله وهذا لا يحدث إلا مع ظاهرة بشرية. الاعتقاد السائد أن الكثير مما يُنسب إليه ليس في الحقيقة له أو هو فعلا له، لكنه يدل على شيء واحد مهم وحاسم: على المكانة التي أحتلها بيبوه في الحياة العامة للصحراويين، وعلى سعة ورجاحة عقله وقدرته الفائقة على الإجابة التي لا تخطر على بال الجن، حتى أصبح رمزا لسرعة البديهة وقوة العقل.. فهو يمتلك شعاع باهر مدمر في ذهنه قادر على الإجابة القاتلة في نصف ثانية.  فكما كنا نسمع من الأوائل أن ” بابي” كان شخصية كبيرة تنسب إليه الحِكم والأمثال  مثل قوله في التدخين:” اشري بالغلا وانفخ في لخلاء” أو قوله في السيارة” تطوي التراب وتفرغ أقراب- اقراب حقيبة الدراهم- ” فإن بيبوه قد أصبح مثله في الحكمة والقيمة العقلية حديثا..
عندما التقيته آخر مرة في ولاية اوسرد سنة 2013م كان قد ضَعف جسديا، لكنه كان قويا معنويا، مع ملاحظة أنه كان يحمل في عمقه هماً أو همين يريد البوح بهما.. كانت هناك نقطة معتمة في ذلك الكهف المضئ دائما؛ شيء ما كان يريد البوح به، لكن عقله كان يلجمه خوفا من أن يجرح أحد منا. قال لي:” لا تسألني عن من هو أشعر شعراء الصحراء.” سؤال كنت القيه عليه في مرات ماضية، وكنت نسيته وكان هو يعتبره سؤالا غبيا.. بالنسبة إليه الشعراء لا تفاضل بينهم، إنما التفاضل هو فقط بين القصائد؛ فبعض الشعراء يقولون قصائد رائعة لكن يسقطون مرة أخرى.. ” بدأ بيبوه يتدفق ويقول:” ما سمعت من “لغنا” كان أكثره نظماً  وليس “غنا”؛ نحن الصحراويين لا نحسن ” لغنا” مثل الموريتانيين. هم يجيدونه و”غناهم” أملس وانيق، أما نحن فالكثيرون منا ينظمون فقظ- هناك فرق بين النظم ولغنا- . كنت أريده أن يحدثني عن أجمل قصيدة ابدعها هو، لكنه تخلص مني بلباقته المعهودة حتى فهمت أو توهمت أنه لم يقل القصيدة التي يعتبرها هو تاج شعره. ” كنا نقاتل مع المقاتلين بما ننظم من كلام وطني لتوعية الناس ولبعث الحماس فيهم لمواصلة التحرير”.
ودون أن يقطع خيط الحديث الرقيق الهادئ الأنيق أراد بيبوه أن يضئ نقطة أخرى تورقه في العمق، وهي أنه كان يخشى أن يضيع شعره وغناه وتذره الرياح التي لا ترحم ذات يوم. لم يذهب إلى الموضوع مباشرة، لكنه، على عادته، استغل سؤالي عن آخر  ما ابدعه، ودس ما يريد أن يقول في سياق الحديث دون أن يجعلنا نشعر أن ذلك الحديث تمزق أو انقطع. قال بيبوه:” أنت تعرف أنني لم أعد قادرا على قراءة ما أكتب، وإذا أراد أحد غيري أن يدوِّن ما كتبت لن يستطيع قراءته بسبب رداءة خطوطنا نحن القدامى. هذا يعني أننا نحن الجيل القديم إذا لم تدونون أنتم ما كتبنا سوف يندثر.” “سوف يندثر” كلمة رهيبة صعدت إلى الخيال في لحظة سريعة. فهل حقا سيندثر هذا المعمار الفني والأدبي العظيم الذي بناه بيبوه ورفاقه؟ نعم، قد يندثر بسبب أننا نحن لا نكتب ولا ندون..
الآن ركب بيبوه برضى وشوق ذلك المركب الذي كان ينتظره منذ مدة، وودعنا ذاهبا ليلتحق بالعالم الخالد..
السيد حمدي يحظيه