الوحدة الوطنية: عروة وثقى

 

                                                                         “الواقع المطلوب: شعب منظم، ملتحم، قادر،

                                                   محترم في حدود وطنه”.

                                                                         مفجر الثورة الشهيد الولي مصطفى السيد.

 

تحل الذكرى 42 لملتقى عين بنتيلي التاريخي الذي وُضع فيه الحجر الأساسي للوحدة الوطنية الصحراوية في ظرف متميز من كفاحنا الوطني، ليس فقط بما تشهده قضيتنا الوطنية من مد وزجر، لكن كذلك بما عرف العالم ويعرف من تغيرات متسارعة، تحولت وتشابكت فيها التحالفات، اختفت دول وبرزت أخرى، غابت نظريات وطغت شعارات استهلاكية سريعة الذوبان، أصبح العالم قرية واحدة وتعالت جدران الفصل وتعاظم دور قوات مكافحة الهجرة وشرطة الحدود، تواصلت المجتمعات والأفراد وكثر المفتون والدعاة، وانتشر التطرف والجرائم العابرة للحدود. نعم في هذا الجو تحل الذكرى ناشرة تلك الروح التي أسست بها وعليها في 12 من أكتوبر 1975، لنتذكر قوافل الشهداء الذين تلاحقوا على الدرب لتحقيق الهدف، فالذكرى تنفع المؤمنين.

استحضار موجز لأجواء 12 أكتوبر 1975

  1. ـ مكاسب وانتصارات حققها الشعب العربي الصحراوي بقيادة طليعته النضالية الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب على كل الصعد: السياسي التنظيمي، العسكري والدبلوماسي، أثمرت تبصرا وبصيرة ووعيا بما يجري حينها واستشرافا علميا للسيناريوهات المحتملة.
  2. ـ انكفاء وانحسار وهزيمة الأطروحات الاستعمارية الإسبانية وانكشاف النوايا الخبيثة للدولة الاستعمارية.
  3. ـ تكالب خارجي يلوح بنذر شر مستطير قادم يهدد ليس الجبهة كحركة سياسية وإنما الشعب الصحراوي في وجوده الكلي: أرض وبشر ومقدرات.

وبكلمات أخرى:

  • ـ خاض الجيش الصحراوي حربا تحريرية ضروسا ضد الاستعمار الإسباني من بين معاركها الأبرز بعد عملية الخنڭة: قد نذكر امعيطلّا أو آڭجيجيمات أو الڭلتة، وعمليات فدائية مبهرة: حرق الحزام للناقل للفوسفات، اختطاف الدوريات العسكرية. وعلى مستوى التنظيمي التسليم العام بريادة الجبهة والاعتراف لها بالتفرد بتمثيل مصالح ومطامح الشعب، مجيء البعثة الأممية في ماي 1975، وكشف مؤامرة حزب البونس (PUNS) في يوليو من نفس السنة، ناهيك عما تحقق على المستوى الدبلوماسي خاصة موقف الثورة الجزائرية المؤيد لحق تقرير المصير وما جسده الدعم الليبي وحركات التحرر العربية حينها من تضامن ودعم لوجستي لثوار الساقبة الحمراء ووادي الذهب علاوة على الاحتضان الشعبي والدعم المعنوي في موريتانيا.
  • ـ اهتزاز الإدارة الاستعمارية، مرض وموت الجنرال فرانكو، إعادة إثبات وتأكيد حق شعبنا في تقرير المصير والاستقلال دوليا (رأي محكمة العدل الدوليةـ تقرير البعثة الأممية)، تناقض رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية الإسبانيتين وقيادات في الجيش الإسباني، وتغييب الكورتيس (البرلمان الإسباني) عن المشهد.
  • ـ قرع طبول التوسع المغربي، تصاعد لغط التآمر من قصر مختار ولد داد اه، التواطؤ الفرنسي الأمريكي الداعم لطرح الحسن الثاني، وفرة المال العربي الممول لذلك التوجه الناكر الرافض لحق شعبنا بل الساعي إلى محوه من الوجود.

في هذه الأجواء وتلك الظروف، نادت جبهة البوليساريو بالوحدة الوطنية، وكان ذلك من منطلق قوة، كونها ثورة راكمت مكاسب وانتصارات لم يسبق لشعبنا أن حققها مجتمعة، ومن منطلق التحليل العلمي لما هو آت والسبيل إلى مواجهته، ولإيمان قيادتها بأن بقاء الشعب الصحراوي يتطلب حتما وجود: شعب منظم، ملتحم، قادر، محترم في حدود وطنه، وهي الشروط التي أفصح عنها لاحقا مفجر الثورة وابن الشعب البار الشهيد الولي مصطفى في إحدى مداخلاته في تجمعات الأطر الشهيرة في 1976 قبل استشهاده رحمه الله.

 

لبى الصحراويون نداء الوحدة وأتوا رجالا وركبانا من كل فج عميق، كان حدثا مشهودا تأبى النخوة والغيرة على الوطن أن يتغيب عنه أحد، فتهاطلت الوفود من كل حدب وصوب شيوخا في أعمارهم وشيوخا بمكانتهم الاجتماعية، شبابا وشيبا حركهم الإحساس بالظلم والخوف على مستقبل البلاد والعباد.

 

ذابت الفوارق وانتفت الخلافات، فلم يكن هناك من طالب ثأر، أو ناكئ جرح، أو معتد بغير الانتماء الوطني، مثلما رُفعت اشتراطات الجبهة على الراغب في الانضمام إليها إذ لم يبق إلا شرط واحد أجمع عليه الحضور دون أي اعتراض ولا تحفظ، ألا وهو: نعيش موحدين ولن نموت مقسمين والذي تجسد في شعارات تردد صداها من لكويرة إلى المحبس: “الوحدة الوطنية لحماية الوطن والمواطن”، “من يقسم أرضنا يذبح شعبنا بالدافر”، “أرضنا لنا لا قواعد فيها، خيراتنا لنا لا اقتسام فيها”.

 

أحداث يمر اليوم أكثر من أربعة عقود من الزمن على وقوعها، لكنها حاضرة، حية، ماثلة للعيان ويزيدها مرور الزمن بريقا ووهجا وجاذبية، إذ أثبتت صلاحيتها في الأوقات الصعبة وفائدتها حين العسر وإشعاعها في حلكة الظلام. فهي ـ الوحدة الوطنية ـ حصن ومعين دعم جيش التحرير الشعبي البطل الذي لا ينضب، والإرادة الفولاذية التي تصدت لمسيرة الحسن الثاني السوداء، والقنبلة التي نسفت اتفاقية مدريد اللصوصية، والأساس الصلب الذي انبنت عليه الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية بكامل مؤسساتها، ولسان حال شعبنا في العالم من المغرب العربي وإفريقيا حتى الأمم المتحدة ومجلس أمنها، والحضن الدافئ لانتفاضة الاستقلال المباركة، ودرع مناضلينا ومناضلاتنا في شوارع مدننا المحتلة وأينما تواجدوا، وطوق نجاة أبطالنا في غياهب سجون الاستعمار المغربي البغيض.

 

إنها الشجرة المباركة الوارفة التي سُقيّت جذورها بأزكى وأطهر دماء أبناء وبنات شعبنا المكافح، نتفيأ ظلالها ونشتم نسيم الحرية من أوراقها التي لا تتساقط في الخريف، ونقتات ونتزود للصمود والاستمرارية من ثمار أغصانها التي تقينا حر صيف العدوان وشر شتائه.

 

تطل علينا ذكرى الحدث التاريخي لتُذكي فينا المزيد من الغضب والرفض والعناد، تطل علينا لتُحْيي وتحيّي بيننا روح المقاومة والاستمرار على نهج الأبطال، تطل لتؤكد لأسودنا أبطال ملحمة اڭديم إزيك ورفاق الشهيد الولي وغيرهم من الضراغم الذين يمرغون اليوم أنف العدو في التراب بصمودهم، أنهم أبناء الوطن البررة وأشبال الأسود الذين صنعوا الملحمة، الذين يتمسكون بأنه: “لا وجود ولا مستقبل للصحراويين الا في وطنهم الحر المستقل، الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، كما قال الشهيد الرئيس البطل محمد عبد العزيز مخاطبا أبناء شعبنا والعالم، مؤكدا على نهج الوفاء لمن سبقه من الشهداء حتى قضى نحبه ولم يبدل رحمه الله.

 

نستقبل هذه الإطلالة الثانية والأربعين لعيد وحدتنا الوطنية ونحن أكثر إصرارا على المضي قدما في درب التضحية والعطاء، ونقول ليوم الثاني عشر من أكتوبر إن الالتفاف حول الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب هو عنواننا، وأن رأي محكمة العدل الدولية تدعم بأحكام محاكم أوروبية وإفريقية ودولية، وأن تقرير بعثة تقصي الحقائق في 1975 تحول إلى ملف رئيسي على طاولة مجلس الأمن الدولي، وأن الأطماع التوسعية والتكالب الاستعماري يصطدم اليوم بعضو مؤسس في الاتحاد الإفريقي علمه الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وأننا فعلا نواصل العيش موحدين بجيشنا المرابط على الثغور في أراضينا المحررة، وبجماهيرنا الصامدة في مخيمات العزة والكرامة والمنتفضة كالبركان تحت أقدام الغزاة، في المحتل من وطننا الحبيب وجنوب المغرب وفي كل مكان يتواجد فيه صحراوي، موحدين بمؤسسات دولتنا التي نحتناها بمعاول الإرادة وفؤوس العزيمة، وبنيناها بعرقنا ومعاناتنا وتضحياتنا، كل ذلك نقدمه للاحتفال لنقول بافتخار واعتزاز: إننا نصر على رفض العيش مقسمين.

 

سنخبر العيد كذلك بأننا ما زلنا لم نحقق الهدف النهائي بعد، أي الاستقلال التام بلا تبعية، وأن العدو وحلف الشر الغاشم والنفس الأمارة بالسوء يتحالفون اليوم ضدنا، لكننا نتمسك بعروة الوحدة الوطنية ونؤكد لأنفسنا على أنه لا مناص من: “رفع هذا التحدي بتشبثنا بمبادئ الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، بأهدافها وببرنامج عملها الوطني”، مثلما أعلن الأمين العام للجبهة رئيس الجمهورية الأخ إبراهيم غالي مخاطبا الجيش والشعب فور استلامه مهمة قيادة سفينة الثورة في ظل التجاذبات والمتغيرات التي بدأنا بها الكلام.

 

نعيش موحدين ولن نموت مقسمين