أثبت إستفتاء كرديستان العراق أن إرادة الشعوب أكبر من كل الظروف والأوضاع الإقليمية والدولية، وأن تلك الظروف مهما تداخلت وتعقدت لا يمكن أن تقف في وجه الشعوب المؤمنة بقضاياها إذا ما وجدت من القيادات من يستغل تلك الإرادة والقوة الكامنة فيها .

فلو إنتظرت قيادة كرديستان برئاسة مسعود البارزاني الأوضاع الدولية حتى تكون مواتية لإجراء الاستفتاء لتأخر هذا الاستفتاء عقود أخرى من الزمن وربما قرون، ورغم ان العالم كله وقف ضد اجراء الاستفتاء وطالب بإلغائه أو تأجيله بدءا من الولايات المتحدة الأمريكية وشقيقاتها في مجلس الأمن فرنسا وبريطانيا، وحتى منظمة الأمم المتحدة مرورا بالقبائل العربية على رأسها السعودية وصولا الى الدول الإقليمية الوازنة تركيا وإيران التي تناست كل خلافاتها وتوحدت ضد الاستفتاء مهددة باستعمال كل الوسائل فما فيها التدخل العسكري لإجهاض الحلم الكردي،إلا ان القيادة الكرديستانية لم تثنيها كل تلك التهديدات عن تحقيق اهداف شعبها .

ليس فقط لأنها آمنة بشعبها وبمقدراته الذاتية وقالت ذلك صراحة انها مستعدة لدفع اي ثمن من اجل تحقيق حلمه بل لأنها ايضا لا تحتكر العمل السياسي في المجتمع الكردي، فوجود المنافس السياسي هو الذي يجعل اي نظام يبدع الحلول وهو ما دفع بالحزب الديمقراطي الكرديستاني بقيادة مسعود البارزاني الى خلق الحلول والإصرار عليها لأن عجزه عن إيجادها سيفقده  سبب وجوده في السلطة  وغياب التنافس السياسي داخل اي نظام يقوده بالضرورة الى العجز.

وهذا ما يحدث عندنا بالضبط  إذ أدى إحتكار السلطة وتهميش وتشويه كل الأصوات المعارضة الى  اجهاض اي فرصة لخلق تيارات سياسية داخل الجبهة الأمر الذي حول المناضلين الى مجرد موظفين يفعلون ما يؤمرون وغير قادرين على انتقاد الأخطاء أو تشخيص الاختلالات وهو ما أوصلنا الى حالة الكساد السياسي الذي نعيشه اليوم .وما لم نتخلص من حالة الاحتكار هذه  ونسمح بإيجاد تيار حقيقي منافس داخل الجبهة سنظل نراقب الأمم الاخرى وهي تعبر الى بر الآمان .

وعلى القائمين على الأمر عندنا أن يعلموا جيدا ان هناك حقيقة مجتمعية لا مفر منها هي:  ” أنهم  كل ما أجلوا  ظهور تيارات سياسية منافسة داخل الجبهة عجلوا من ظهورها خارج الجبهة”. لأن الطبيعة لا تقبل الفراغ والصحراويين لا يمكن ان يظلوا ينتظرون العدم  الى ما لا نهاية من قيادة أثبتت أنها أصبحت عاجزة عن تحقيق اي شيء غير تسويق الانتظار” الصمود”  بخطاب تجاوزه الزمن.      

إن المراهنة انتظار  الظروف بدل المبادرة أثبتت قيادة كردستان من خلال إجرائها للإستفتاء أنها مجرد وهم مطلق وأن الرهان الحقيقي هو على  الشعب الواعي  والقائد المتيقن من وجود المنافس .