هل مازالت هناك فسحةٌ من الامل بأن نكون ما كنا حين كان لكل شيء بنا ومن حولنا معنى؟؟”

 

يُحاول النظام هذه الايام استجماع قواه المشتتة بين متاهات استهتار المسؤولين وتعاظم حدة الفوضى والسيبة الناتجة عن طغيان جبروت عصابات التهريب التي باتت تهدد أمن وطمأنينة المواطن البسيط ، وبين هذا وذاك وجد النظام نفسه ونتيجة لسياساته وخياراته مهددا بشكل غير مسبوق من خطر محدق متمثل في مافيا التهريب التي أصبحت تتوسع بشكل أخطبوطي رهيب بنفوذها القائم على سلطة المال المشاع.  

النظام كان قبيل أحداث اغوينيت الصيفية بصدد تدشين إنزال آخر بالانخراط في فصل جديد من محاولاته محو آثار نكبة الكركرات  أملا في تجسير الهوة مع الجماهير التي لمست وخبرت عبثية ولا جدوائية التسويق للأوهام وميتافيزيقية زعم التواصل مع هموم المواطنين ،لان اللقاءات الاستعراضية أو المحاضرات كما هو دارج عندنا لن تُفلح مثلما سبق في التغطية على أزمة بنيوية متجذرة مظاهرها الفساد المستشري الذي أزكمت روائحه الانوف وصنوه التسلط الضارب في المؤسسات الوطنية ناهيك عن العبث  والتلاعب بالمصير.

غني عن التذكير أن جولات أقطاب النظام وأركانه التفقدية المألوفة للولايات والمؤسسات الوطنية لن تحمل الى المواطن البسيط المثقل بالهموم الحلول السحرية  لمشاكله ومعاناته التي لا يحسها إلا هو وعلى رأسها مسألة المصير طالما أن هذه التحركات تأتي من وحي رؤية المسؤولين وتوجهاتهم المبنية على فكر الوصاية المستبد، وعلى قلب الحقائق وعكسها وتجاهلها باعتماد الوصلات الخطابية الخشبية الديماغوجية  في غياب المعلومات و لغة الارقام .

إن ما يثير الاستفهام تلو الاخر المقرون بالاستنكار في هذا الخضم من عروض الاستغباء المفضوحة المتكررة أمام القاعدة ، الادعاء الفج بتقوية التنظيم السياسي المتهالك!!!! وهل الخطب العصماء والعبارات الرنانة والشعارات الخاوية قمينة بإعادة الروح والمنعة والنشاط الى التنظيم السياسي في غياب بحوث نظرية واستقصائية ميدانية تنشد الحلول بوصف  الادواء والادوية؟؟؟؟؟؟ أم أن الامر مجرد مسلسل متواصل من حلقات  التغييب وفصول الالهاء الايديولوجي الممعن في التحليق بعقولنا وعواطفنا نحو علياء سماء القيم والمبادئ المفقودة بعدما تبخرت بين أتون الانفتاح المتوحش وممارسات الزعامات الانتهازية.

وعطفا على ما سبق تظل مقاربة الدور المؤسساتي للتنظيم السياسي كجهاز ايديولوجي للجبهة المسكون بالعجز والترهل منذ فترة طويلة مجرد ضرب من الغوغائية والتحريف اذا لم تبسط الحقائق المرة دون رياء أو نفاق ومواربة، فرأس هذا التنظيم المعروف بالأمانة الوطنية تحول منذ عقود الى مجلس قبلي تسوده مقتضيات اللعبة الانقسامية بكل مظاهرها افقيا وعموديا حيث مؤسسات التنظيم استسلمت لسطوة رؤوس القبائل ودوامة اعادة انتاج العلاقات العنصرية الاقصائية المتخلفة. أين المعقول إذن في أن ننتظر من هذه القيادة السياسية  بهذه الخلفيات المكشوفة تطوير تصورات الممارسة والعمل بضوابط المرجعية السياسية الوطنية المؤسسة على مبادئ الثورة واهداف المشروع الوطني التحرري.؟؟؟؟؟.

 

منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن وأكثر حسمت  قيادة الجبهة الدائمة اختياراتها  في سياق سياسات الانفتاح وشروط  نمط الانتاج الغنائمي الفوضوي بعد وقف اطلاق النار، بتبني الخيار القبلي المتخلف معيارا وحيدا أوحدا لعلاقات ووسائل الانتاج و كاستراتيجية رجعية لطمس الاخفاقات والتعتيم على التجاوزات الاليمة، وكأننا بذاك الزحف النكوصي كنا نعيش ونعايش إجهازا تدريجيا على التنظيم السياسي ودوره الريادي عصب الجبهة ومفخرة الجماهير المناضلة في العطاء والتضحية والابداع في شتى المجالات، كان رفع خيار المحاصصة القبلية التمييزية إيذانا بإقبار سلطة التنظيم السياسي القائمة على مبادئ المواطنة والولاء للوطن ومُثل الثورة لتُترجم هذه التصورات والمفاهيم الجديدة الى واقع فوضى منظمة  حاصرت  مؤسسات الجبهة وفي مقدمها المؤسسات الاستراتيجية ، وحتى يتم إحكام قبضة هذه السياسة وضمان تغلغلها، تجذر و تعمق خيار الانفتاح بغض الطرف حد التماهي  والتواطؤ والمشاركة في جميع الانشطة الموازية الغير مشروعة وتشجيع الممارسة القبلية البيئة الحاضنة لكل عناصر التمرد على النظام السياسي وضوابطه، ليزدهر بذلك وينمو النشاط الاقتصادي الفوضوي ويسود الفكر المركب المستلهم لمحددات وتصورات تقوم على أساسات من الاعراف القبلية  نفسها المعتمدة العلاقات الانقسامية ونمط الانتاج المبني على مفهوم الغنيمة المركزي، فبدل التقسيم العادل للإمكانيات تجلى أسلوب المحاصصة في الغنيمة بحسب طبعا سطوة القبيلة. ومن رحم سيادة هذه العلاقات والتصورات طفى على السطح واقع هجين مركب متناقض متنافر القيم والعناصر يدفع باتجاه تعميق وعي شقي بائس تتقاطع فيه صورتا مجتمع اللادولة القبلي بمفاهيمه وممارساته التقليدية المتخلفة من ارتباطات المنظومة القرابية الدموية وآليات التضامن الميكانيكي البدائية من جهة، وصورة معزولة محدودة الفعل والفعالية لما يراد له باحتشام أن يكون مؤسسات للوطن ضعيفة الدور والتأصيل . وسط هذا التناقض الانطولوجي تفاقمت سطوة ومسلكيات ثقافة الانشطة والعلاقات الموازية تحت جنح الظلام و في تجاويف الدهاليز بممارسة الفساد المنظم واستنزاف المؤسسات واطلاق العنان لكل الممارسات الغير مشروعة للتغطية على تجاوزات النظام وزرع التفرقة وإذكاء جذوة النزاعات الانقسامية الانتهازية..

من منا جميعا لا يتذكر كيف فسح النظام المجال مع بداية التسعينات لجميع الانشطة الاقتصادية اللامشروعة خصوصا التهريب بكل أنواعه ناهيك عن النهب المنظم لمؤسسات الجبهة لحد وصل بيع امكانيات الدولة في المزاد العلني بما سمي آنئذ  “لانشير” وتخصيص هبات وأعطيات منتظمة من المال العام  للرموز القبلية عرفانا وتقديرا لأدوارهم وللمقربين من المستثمرين تشجيعا لنشاط اقتصادي أساسه وباطنه التهريب، ولا غرو أن هذه الخطوات من النظام كانت تبيت تغييب المواطن عن الاجهاز المنظم على سلطة التنظيم السياسي وإقامة وتثبيت سلطة الولاءات القبلية التي تحدت في شكل غير مسبوق وجريء حتى الاحكام القضائية في حق المتجاوزين بتواطؤ مفضوح من النظام نفسه..

لقد كشفت انتفاضة الاطر ومن ثم الشارع أواخر ثمانينات القرن الماضي ضد الممارسات الاستبدادية للجنة التنفيذية واقعا مريرا مؤلما  انفجر في ما سمي  بأحداث 88 حينما احتضنتها الجماهير التي كانت تواقة الى التحرر من معاناة  وتغول السلطة المسعورة لاسيما بعد تعاظم حدة الصراع بين جناحي السلطة اللجنة التنفيذية المتجبرة والمكتب السياسي المحشور في زاوية الوجود الشكلي..

نجحت اللجنة التنفيذية بمكرها السياسي في أوبئة الصراع المتصاعد وترحيله الى مستنقع المساومات والابتزازات القبلية، ولان رموز88 شعروا بالحصار والاخطار المتربصة بعد تصعيد السلطة في تعبئة العامة وتأليبها ضدهم بتسويق  خطاب التخوين في استهدافهم، ناهيك عن كونهم  يفتقدون لتصورات وبرامج اصلاحية تنويرية حقيقية، لاذوا الى الحضن القبلي وطلبوا الاحتماء به  خشية البطش ما عجل بالفشل الذريع للانتفاضة و تغيير خط مسارها لتتحول كما  سعى  النظام الى مجرد تمرد قبلي وتجاذبات قبلية مضادة.  

حري التأكيد أن من إفرازات هذه الاحداث وغيرها التي نعيش تداعياتها المخزية اليوم ذاك التزاوج أو الزواج اللاشرعي الغارق في الخبث والمساومات بين سلطة اللجنة التنفيذية وتطلعات رموز88  الانتهازية المصلحية، بأن أثمر  تحالفا مفتوحا غير مشروط  هيكله واطاره  مولود غير شرعي  جامد معلول سمي بالأمانة الوطنية نابض بحيوية إشباع رغبات السلطة والاستبداد عند القيادة التاريخية للجبهة من جهة، وإرضاء اطماع ومساومات رموز 88، ليعلن هذا التزاوج/التحالف تدشين مرحلة مفصلية لميلاد مشروع رؤيا تأسيسية  لممارسة السلطة مبنية على العلاقات القبلية والروابط القرابية ونظم الغنيمة والمحاصصة والتبادل، فأضحى بالتالي المشهد السياسي بمختلف تمظهراته وفي كليته رهين تفاعلات العلاقة بين عناصر معادلة  تحالف القيادة التاريخية اللجنة التنفيذية مع رموز88   بعد تأسيس مجلس الامانة الموسع المحكوم  بمنظومة الوظائف الانقسامية الانتهازية  يحاكي في بنيته وبنائيته صورة المعادل الموضوعي للممارسات القبلية التي تقف على طرف نقيض بنيوي مع مفردات السلطة الوطنية القائمة على قيم المواطنة والمواطن بدل القبيلة، والديمقراطية والمساواة بدل المحاصصة والغنيمة، ليغيب بذلك المشروع الوطني وتغيب عناصره؟؟؟؟؟؟  .

يتعلق الامر إذن بغمار مشروع سياسوي انتهازي ولدته تبعات احداث 88  التي عرت الجهاز المفاهيمي الايديولوجي للجبهة (الزعامة السياسية) حيث تجلى فقرا فكريا بينا في محتويات المشروع الوطني التحرري لهول صدمة فقدان  القائد والمفكر السياسي الفذ الشهيد الولي الذي غابت بغيابه الاستمرارية الفكرية السياسية التراكمية للمشروع الوطني بالاستهلاك الكسول للرصيد الموروث والانخراط في ممارسات من العدمية السياسية اللاانتاجية.

لقد قام المشروع القبلي السياسوي  إذن على حساب تصدع النخب والمناضلين والفئات الحاملة لاستمرارية المشروع الوطني التي تراجعت وانكفأت، هاجرت و تاهت في بلاد الله الواسعة بعد أن نجح النظام في تغييبها وحصر حضورها ودورها، فتم على إثر ذلك نقل وانتقال القيم القبلية والعلاقات الانقسامية الى المستويات والانتماءات السياسوية داخل مجتمع قبيلة اكبر واوسع بنظام اللادولة مشكل من سلطة سياسية تختزل بصورة مفارقة نمطين مركبين متناقضين أحدهما  ثانوي للواجهة الخارجية وهو ما يعرف بسلطة التنظيم السياسي للجبهة والدولة، والنمط الاخر جوهري مركزي فعلي قبلي عشائري ضد الدولة. فتناسلت بالتالي في هذا الواقع النكوصي الارتدادي مظاهر الاحتكار بتكريس فساد واستفراد فئة حاكمة مستبدة تعيد انتاج ثالوث التسلط والقبلية والفساد ، وهكذا انتشر جراء التسلط ، القمع والاحتواء الايديولوجيين باعتماد أساليب التهميش والاقصاء واطلاق العنان لبروبكاندا التخوين ، والوجه الثاني للثالوث المعروف بالظاهرة القبلية فقد اقتضت أيديولوجية المرحلة بمفرداتها النفخ  فيها  من روح السياسة والتسييس لخلق هيئة انقسامية  تجتر اجترارا مقيتا  توابع السياسوية نحو العنصرية والتجهيل، أما عامل الفساد المستشري الضلع المكمل للثالوث المثلث هذا ، فقائم على الاحتكار والنهب وتفقير العامة إمعانا في إذلالها ودفعها الى الهروب والهجرة، عبثا  بمقدرات وامكانيات الجبهة وتحويلها الى مزايا وامتيازات خاصة.

لاشك اننا اليوم ومن باب المسؤوليات التاريخية والاخلاقية تجاه الوطن ولئن أصبحنا محكومين بثنائية الاستماع والاتباع في صمت رهيب خاضعين للتسلط الرافض  للاختلاف والمعادي له بعد أن تعززت عمليات التكييف والتطبيع مع مفاهيم وايديولوجيا الردة السياسية العميقة، بتنا  من أجل القراءة النقدية الواعية للواقع بعدما حجب كثيرا المد الثوري الذي سكن القلوب واستبد بالعواطف الرؤيا عن كشف وفضح الممارسات السلطوية التسلطية، مطالبين بالتحرر من أسر وخلفيات ايديولوجية التوازنات والتوازنات المضادة لان التحليل والتفسير لهذه الممارسات جزءا من مواجهتها عمليا وإقامة الفارق في الرؤيا والبدائل لاسيما أن بين واقعنا والتصورات الدعائية التضليلية هوة ساحقة من صور الفشل والعجز..

وأخيرا اذا كنا لم نعرج في هذا المقال على أزمة المسار والمصير في ارتباطه بالوضع الداخلي للجبهة وهو حديث ذو شجون كما يقال، فليس ذلك سهوا أو تجاهلا، وبما أن المقال والمقام لا يسمحان فلن يفوتنا أن نعيد التذكير كما كررنا ذلك في مناسبات كثيرة أن جزءا من التضليل الايديولوجي  الذي ما فتئت  قيادة الجبهة تسوق له  بادعاء الربط الالي للازمة والوضع الجامد الذي نعيشه  بتداعيات جمود خطة التسوية الدولية، هو قول مردود عليه وباطل لان العوامل الداخلية في مسار وحركية المجتمعات هي المحددة للمواقف والاوضاع ،ولعل ما سقناه آنفا من استنتاجات تدحض في جانب منها وتفند هذه الادعاءات التي تحاول عبثا إخفاء حقيقة هذه الازمة البنيوية من حيث هي أزمة التنظيم السياسي وبرامجه ومفاهيمه التي تخاصم هموم المواطنين والوطن وتبتعد يوما بعد يوم عن استيعاب التطورات ومواكبتها واستشراف الافاق على الصعد كافة وفي شتى الجبهات.