يفتك الفساد بكافّة المؤسسات، محليّة كانت أو إقليمية أو دولية. المحسوبيات تدخل في كل شيء، الأقوى يفرض رغباته. في نيويورك، في مقر الأمم المتحدة، يستثمر الكبار كما يشاؤون في المنظمة «الأممية»، وفقاً لمصالحهم ورؤيتهم. والمحسوبيات تفتك بمنظمة «الشفافية»، في إطار مصلحة القوى العظمى

نزار عبود

نيويورك | عقد مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة الماضي، جلسةً لمناقشة مدى حاجة حماية الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال. وعلى الرغم من أنّ الجلسة لم تكن رسمية، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية كانت المعارضة الوحيدة.

لم تُنقل الجلسة تلفزيونياً، ولم يسمح للمراسلين بتغطيتها بقرار من الدائرة الإعلامية. برّرت الأخيرة أن الاجتماعات غير الرسمية لا تُغطى إعلامياً، غير أن الإجراء ذاته لم يُتّبع في الجلسات المماثلة المخصصة لسوريا على سبيل المثال.
وبعد الجلسة، وفي وقت متأخر، عقد مندوب فلسطين رياض منصور، مع نظيره الفنزويلي رفائيل راميريز كارينيو، مؤتمراً صحافياً. وبما أن المؤتمر رسمي، فيتعين على الأمم المتحدة أن تحتفظ به، وأن تبثّه وتضمه إلى أرشيفها. لكنّ المراسلين فوجئوا بنقل تلفزيون الأمم المتحدة للمؤتمر في الشبكة الإعلامية الداخلية الخاصّة بالمراسلين «EZTV»، ومن دون صوتٍ أيضاً.
لا تحقيق ولا محاسبة. ذنب المسؤول مغفور، ما دامت فلسطين أو سوريا أو إيران. الأمثلة كثيرة على ذلك. يفترض بموظفي الأمم المتحدة أن يتعاطوا مع قضايا الشعوب بتجرّد إنساني ودون تحيّز أو تمييز، لكن الواقع غير ذلك تماماً.
الأمم المتحدة من رأس هرمها إلى أصغر موظف فيها تعمل بنظام سرّي منذ نشأتها. كل موظف أو مسؤول، يتصرّف من منطلقات تلبّي رغبات الأوصياء المشغّلين.
الأكاديمي الدبلوماسي والإعلامي، الدكتور عبد القادر عبادي، ذو الأصول المغربية، أمضى في الأمم المتحدة أكثر من ٤٠ عاماً. عمل في مجلس الأمن الدولي كنائب مدير، ومن ثم مديراً في الدائرة السياسية. وضع كتاباً من ٢٢٠ صفحة، بعنوان «من الحديقة إلى البيت الزجاجي، إطلالة غير دبلوماسية على الأمم المتحدة». يتحدث بناءً على تجربة خبير عايش بواطن المنظمة، وتعرّف على نقاط قوتها وضعفها.
المنظمة ليست ديموقراطية وغير شفافة، وتترنّح تحت الفساد والتبعية. يقول متأسّفاً إن «الأمم المتحدة عاجزة عن تقبّل أفكار جديدة». حكمه القاسي على المنظمة منع الدائرة الإعلامية للأخيرة من وضع كتابه في مكتبتها، إلى جانب كتب كثيرة عنها، حيث تباع للزائرين.
فالمنظمة التي تحاضر (أمام) الزعماء والشعوب في الشفافية، تمارس الرقابة والتعتيم على الجلسات والمكتبات، وترفض الأصوات غير المأسورة.

يقول عبادي في حديثٍ خاص إن «الفساد والتعفّن في المنظمة يعودان إلى أسلوب التوظيف في إدارة الأمم المتحدة». يفترض أن اختيار الموظفين في امتحانات شفافة نزيهة يؤدي إلى اختيار الأفضل لأداء الوظيفة، بحكم المؤهلات والخبرة، بعيداً عن الأصل واللون والهوية. لكن ما يحصل ليس كذلك على الإطلاق. لا يستطيع أحد في الأمم المتحدة أن يخبرك كيف يتم التعيين، لعدم وجود طريقة واحدة. المؤكّد أن الواسطة والمحسوبية تتحكمان في ذلك، إلى حد بعيد، إذ تزرع الدول موظفيها في الدوائر المختلفة لكي يكونوا عيوناً لها وأكثر.
مثلاً، تحدّد الخارجية الإسرائيلية على موقعها الإلكتروني أهدافاً لنشاطها. تقول إنها تريد تعيين هذا العدد من الموظفين في المنظمة هذه السنة. وغالباً ما تحقق تلك الأهداف. وكلّما زاد نفوذها وتأثيرها علت قدرتها على التعيين. والعكس صحيح. وهذا ما يفسّر ضعف تمثيل دول الشرق الأوسط وأفريقيا وشرق آسيا في الوظائف الأممية.
يرى عبادي أن التجسس بدأ في المنظمة منذ المؤتمر التأسيسي في سان فرنسيسكو، في ٢٦ حزيران ١٩٤٥، والتوسّع في الحرب الباردة، ولم ينته مع فضائح ادوارد سنودن وويكيليكس. يشير إلى أنّ الدولة العميقة في الأمم المتحدة تتحكم في كافة مفاصلها، وتتدخل على أعلى المستويات. مثلاً، رفضت الولايات المتحدة تجديد ولاية بطرس غالي، أسوةً ببقية الأمناء العامين، وذلك لإظهاره استقلاليةً عنها. دفع ثمن إصداره تقرير (مجرزة) قانا الشهير. لكنّه كان محظوظاً مقارنةً بداغ همرشولد، الذي اغتيل بطائرته أثناء رحلته إلى منطقة البحيرات العظمى في أفريقيا، بسبب مواقفه المستقلة، أيضاً.
حينذاك، طالبت الأمم المتحدة بالتحقيق في الأمر، لكنه لم ينفذ بعد لأن الإرادة السياسية والمالية لا تريد ذلك. هو أقل شأناً في الحسابات، لكي يتم التحقيق في مقتله. كانت إزاحته بقرارٍ من دولةٍ استعمارية عريقة.
يؤكّد عبادي أن ميثاق الأمم المتحدة «رائع»، ويمنح الأمين العام استقلالية ومسؤوليات واسعة. فهو مسؤولٌ عن تنبيه مجلس الأمن الدولي إلى مخاطر حدوث مجازر أو نزاعات. ويطلب إجراءات محددة لوقفها أو معالجتها في مهدها. لكن هذا الدور تلاشى تماماً، سيّما في عهد الأمين العام الحالي، بان كي مون، الذي يتهمه بالتبعية المطلقة، والضعف في كل المواقف.
فبان كي مون الذي وقف بقوة ضد حكم الإعدام في أوائل عهده، رحّب بإعدام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وهو اليوم يقترب من إنهاء عهده بأزمة في موضوع الصحراء الغربية.
يستعرض كتاب عبادي شخصيات الأمناء العامين السابقين وصولاً إلى الأمين العام الحالي، ويقترح عبادي تغيير منصب الأمين العام ليصبح «مدير عام تنفيذي».
ينتقد الكتاب أسلوب عمل مجلس الأمن الدولي، ويقارن عمله بالماضي. فيقول إن عدد الجلسات تتضخم كميّاً، لكن من الناحية النوعية تردّت مضامينها، إلى جانب كلماتها، ونتائجها الهزيلة.
يأخذ عبادي على الأمم المتحدة أنها فشلت في صون السلام، وهو مهمتها الرئيسية. فهي تنفق مبلغاً زهيداً على الدبلوماسية الوقائية، التي تمنع نشوب النزاعات. فالمبلغ لا يتجاوز 1.2 مليون دولار في السنة. في المقابل تنفق ٨ مليارات دولار على بعثات حفظ السلام، التي غالباً ما تفشل في حفظه، وتحدث فيها تجاوزات معيبة.