من المعروف لدى الباحثين و المهتمين بشؤون العلاقات الأورومغاربية ، أن المملكة المغربية تتبوى مكانة جد متقدمة في إطار الشراكة، حتى أضحى المغرب يسمى بتلميذ أوروبا المجتهد، بيد أنه و بعد كل هزة جديدة في الأمن الأوروبي أو الإقليمي تتعالى بعض الأصوات مشيرةً إلى وقوفه خلف تصدير التهديدات للضفة الشمالية!
منذ نشأة العلاقة بين المغرب و الإتحاد الأوروبي، و دخول دول أوروبا منفردة /متكتلة في حوارات أمنية مع المملكة المغربية، طغت عدة مسائل أمنية على الواجهة و شكلت محور الحوارات، و الترتيبات الإقليمية، تمثلت في ثلاث مسائل مهمة :(الإرهاب، تجارة المخدرات، الهجرة الغير شرعية).
إذا كانت هذه النقاط الثلاث هي محور الشراكة ، و العامل الأساس في الإهتمام الاوروبي بالمغرب، فكيف يشكل هذا الرابط بالذات تعامل المملكة المغربية مع الجارة الشمالية أوروبا؟؟
لا يخفى على أحد حاجة المغرب الملحة لعائدات الشراكة مع الإتحاد الأوروبي و المتمحورة أساسا في “التنمية” و التي تنازل المغرب في سبيلها عن الكثير من القيم، و المعايير تحت يافطة الحريات، و ترقية قوانين الأسرة، فما هي الأورواق التي يلعبها المغرب من أجل الظفر بكراميات اوروبا الإقتصادية في إطار هذه الشراكة؟؟
للإجابة عن السؤالين أعلاه يمكننا الانطلاق من فرضية مفادها أن المغرب ظل يبتز أوروبا بهذه الاوراق الثلاثة كي يضمن حاجة اوروبا له أمنيا، الأمر الذي يدفعها لتواصل الأغداق عليه بأموالها الطائلة .
و للتحقق من صحة هذه الفرضية سناخذ إحدى التهديدات المحورية الثلاث، كحالة من شأنها أن توضح لنا كيف يستعمل/ يلعب المغرب أورواقه الأمنية في الحوارات الاورومغاربية ، و التَكُنْ ورقة الإرهاب بإعتبارها أخطر التهديدات المذكورة سابقا ؛
الباحث عن كيفية إستعمال المغرب لورقة الإرهاب كعصا ما فتئى يضرب بها دول أوروبا ،لن يتكبد كبير عناء حتى تتضح له الصورة جلية ، فبالإعتماد على عدة براهين تبدو وجيهة في إثبات صحة فرضية الإبتزاز تلك، سينكشف لنا في هذا المقال مدى خبث المملكة المغربية في التعامل مع المفاوضات “الأورومغربية”.
بعيدا عن نظرية المؤامرة التي يستعملها البعض “شماعة” على كل حديث ينطلق من معايير التحليل القائمة على ترابط الأحداث و ربطها ببعض كمستوى للتحليل،حتى أضحت أي قراءة تصل إلى الأسباب المبيتة لحدوثها بمثابة “هاجس مؤامرة”
سنورد هنا عدة نقاط نراها حجج لإثبات فرضية “الإبتزاز” و هي:
1_ هوس تفكيك الخلايا الإرهابية: و هي عادة دأبت الأجهزة الامنية المغربية على فبركتها، كنوع من إستعراض العضلات، و إبراز مفاتن القوة المخابراتية ، و هي رسائل مبطنة من الحكومة المغربية للإتحاد الأوروبي مفادها أنها تعمل جاهدة على كبح جماح الإرهاب القادم من جنوب الضفة، و بأن لديها الحل السحري لإستباق الضربات الإرهابية التي أرقت المدن الأوروبية الكبرى؛ حيث تم ما بين 2003 و2016 تفكيك أزيد من مئة وخمسين (150) خلية إرهابية، اثنتان وثلاثون (32) منها كانت ما بين 2013 و2016م، هذا الرقم الهائل يطرح أكثر من علامة إستفهام! و يعزز فرضية الإبتزاز.
2_ الإرهاب الأوروبي و الأوصول المغربية : بعد أحداث الدهس الاخيرة التي حدثت في برشلونة كشف تقرير أمني إسباني بأن 70% من الأعمال الإرهابية التي حدثت في اوروبا خلال ال15 سنة الأخيرة كان منفذوها مغاربة، و كان أخطرها و اكثرها دموية :
– هجمات مدريد 2004 التي راح ضحيتها 191 شخص وإصابة 17750 ، ضلع في تنفيذها 7 أشخاص من أصول مغربية، و لايزال بعض الصحفيين الإسبان يتهمون المخابرات المغربية بالوقوف وراء الحادث.
– هجمات باريس في نوفمبر 2015 التي أودت بحياة 129 شخصا وإصابة 350 آخرين. العقل المدبر من أصل مغربي هو صلاح عبد السلام و بعض مساعديه ينحدرون كذلك من نفس الأوصول.
– سلسلة تفجيرات بروكسل التي راح ضحيتها أكثر من 30 شخص و جرح العشرات ، و قد حدثت بعد يوم من إعتقال صلاح عبد السلام الذي ذكرناه سابقا،، تم إلقاء القبض عليه في حي مولنبيك بضواحي العاصمة البلجيكية، و هو الحي الذي تقطنه الجالية المغربية و معروف بتواجد الخلايا الإراهابية ، إلى جانب النشاط المكثف للمخابرات المغربية، و أبرز دليل على ذلك هو زعم مدير المكتب المركزي للتحقيقات القضائية في المغرب عبد الحق خيام “إن بلاده أبلغت السلطات الفرنسية والبلجيكية عن منفذي هجمات باريس التي شهدها مسرح باتاكلان، وعلاقة المتهمين بخلية موجودة في حي مولنبيك في ضواحي العاصمة البلجيكية بروكسل”! و هو ما يطرح أكثر من علامة إستفهام حول الكيفية التي توصلت بها المخابرات المغربية لهذه المعلومات في عمق العاصمة الأوروبية بينما عجزت ترسانة المخابرات الأوروبية عن ذلك!
– و أخيرا قبل أسبوعين من الآن هجمات برشلونة التي أسفرت عن قتل 13 شخصا وأصيب 90 شخصا بعد أن دهست شاحنة حشدا من الناس في شارع “لاس رامبلاس” السياحي الشهير، و نفذ الهجوم 12 شخصا من أوصول مغربية يتزعمهم إمام مسجد ببرشلونة .
3_ تورط أئمة أوروبا مع المخابرات المغربية/ : كشفت صحفية “أوكي دياريو”الإسبانية على خلفية إعتداءات برشلونة عن مخطط لرئيس إقليم كاتلونيا يقضي بمنح المغرب الوصايا على المؤسسة الدينية(المساجد) عن طريق إنشاء قسم كان قد ترأسه المدعو “نور الدين الزياني” الذي تم طرده في سنة 2013 بعدما كشفت الشرطة الإسبانية بأنه عميل للمخابرات المغربية. و ليست هذه الحالة الوحيدة التي ينشكفُ فيها عمالة أئمة أوروبا للأجهزة الأمنية المغربية ، فالمدعو ” محمد الفيزازي” و المعروف بأفكاره المتطرفة كان خطيب في المساجد الإيطالية و الألمانية ، وقد دعا من على منابرها إلى أعمال عنف و أفتى لتلاميذته هناك بجواز سرقة، و سلب أملاك الأوروبيين، عالما بذلك على غسيل أدمغة الشباب العربي و المسلم في أوروبا، ليعود بعد سنوات من الدعوة للإرهاب إلى المملكة المغربية و يتحول إلى مداهن للملك بين عشية و ضحاها.
بعد تحول نمط الأعمال الإرهابية من العماليات الإنتحارية التي تتطلب عمل كبير في مجال غسيل الأدمغة بحكم إنعدام نسبة نجاة منفذيها، إلى عمليات الدهس التي ترتفع فيها إحتمالية نجاة المنفذين، فإن عمل المخابرات المغربية داخل الأوساط الدعوية في أوربا لن يكون بالجهد الكبير الذي كان عليه، و من المرجح أن ترتفع نسبة عمليات غسيل الأدمغة داخل الأوساط الشبانية المغربية في اوروبا.
في الختام يمكن القول أن فرضية إبتزازا المملكة المغربية لدول الإتحاد الأوروبي مجتمعة/منفردة، تبدو أكثر حجية بالنظر إلى القرائن و الدلائل المذكورة أعلاه، بعيدا عن أي مغالطات أو هواجس نابعة من نظرية المؤامرة.
و بالتالي فإن الإتحاد الأوروبي مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة سياساته الأمنية تجاه المملكة المغربية، و إيجاد مخرجا يجنبه هذه الحالة السائدة من الفوضى الأمنية التي جاءت كنتيجة حتمية لسياسات تدليل “التلميذ” المجتهد مقابل عربدته فوق طاولة الحوارات الأورومغربية و تحتها، و إلا فإن مفاعل تخصيب الإرهاب على ضفة المتوسط الجنوبية، سيظل يرتدي جلباب الشريك المميز فوق أحزمته الناسفة.
بقلم محمد فاظل ولية
باحث في الشؤون الأمنية و الجماعات الإرهابية