أقر ملك المغرب، محمد السادس، في خطابه للعرش الذي ألقاه ليلة السبت 29 يوليو 2017، ليلة كاملة قبل الموعد، عن إفلاس نظامه الإداري والسياسي، بعد أن أكد المجلس الأعلى المغربي للحسابات أياما قبل ذلك عن اقتراب خطير للإفلاس المالي والاقتصادي للدولة، بل واحتمال وقع المغرب في الإفلاس القانوني.

ولن نحتاج لكبير عناء للعثور على الإشارات الكثيرة التي اعترف فيها ملك المغرب بفشل مؤسسات البلد الإدارية والسياسية، وحتى المالية، في تحقيق أبسط تطلعات المغاربة، بل واتهم المسؤولين بالخيانة، وبسوء التسيير، وبالابتعاد عن هموم المواطن، وبالفشل في تنفيذ سياساته. أي بجملة واحدة، فشل الدولة المغربية إداريا وساسيا في تسيير الشأن العام.

لكن الملك، وفي محاولة تبدو يائسة، يحاول عبر هذا الخطاب التهرب من المسؤولية عن هذا الفشل، لهذا عمد إلى التضحية بالمسؤولين الإداريين الصغار، وبرموز الأحزاب السياسية، وبالمقابل حاول الدفاع عن أداء المؤسسة القمعية المغربية عبر إظهارها بمظهر المؤسسة المغربية الوحيدة التي نجحت في تنفيذ مهامها. وبكلمة مختصرة، يقر الملك بأن ممارسة هذه المؤسسات الأمنية للقمع والانتهاكات ضد الشعب مشروعة ومبررة، بل وتستحق الثناء.

أكثر من ذلك، أظهر الخطاب تهرب الملك الواضح من المسؤولية عما يجري في الريف، حيث لم يشر إلى هذا الوضع لا من قريب ولا من بعيد، وكأن أحداثه تقع في جزر المالديف، وليس في المغرب. وهذا في حد ذاته، إقرار صارخ بفشل المخزن في تحمل مسؤوليته عما يجري هناك من قمع ومن تهميش ومن إهدار للكرامة وطحن للمواطنين الريفيين المسحوقين.

ولكي نقرب القارئ من أهم الإشارات التي وردت في الخطاب حول اعتراف الملك بالإفلاس الإداري سنورد بعض فقرات الخطاب دون التعليق عليها.

بعض مؤشرات الإفلاس الإداري والسياسي في الخطاب

  1. “إن النموذج المؤسسي المغربي من الأنظمة السياسية المتقدمة. إلا أنه يبقى في معظمه حبرا على ورق، والمشكل يكمن في التطبيق على أرض الواقع.”
  2. “إن من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة ، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين.”
  3. “التطور السياسي والتنموي، الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب، على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين، مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة.”
  4. “صحيح أن الإمكانات التي يتوفر عليها المغرب محدودة. وصحيح أيضا أن العديد من المناطق تحتاج إلى المزيد من الخدمات الاجتماعية الأساسية.”
  5. “إن برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا ، وتبقى دون طموحنا. وذلك راجع بالأساس، في الكثير من الميادين ، إلى ضعف العمل المشترك ، وغياب البعد الوطني والإستراتيجي، والتنافر بدل التناسق والالتقائية ، والتبخيس والتماطل ، بدل المبادرة والعمل الملموس.”
  6. “نعيش اليوم، في مفارقات صارخة، من الصعب فهمها، أو القبول بها . فبقدر ما يحظى به المغرب من مصداقية، قاريا ودوليا، ومن تقدير شركائنا ، وثقة كبار المستثمرين ، بقدر ما تصدمنا الحصيلة والواقع، بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال أنها تقع في مغرب اليوم.”
  7. “إن اختياراتنا التنموية تبقى عموما صائبة. إلا أن المشكل يكمن في العقليات التي لم تتغير، وفي القدرة على التنفيذ والإبداع.”
  8. “لقد أبانت الأحداث، التي تعرفها بعض المناطق، مع الأسف، عن انعدام غير مسبوق لروح المسؤولية.”
  9. “إن تراجع الأحزاب السياسية وممثليها، عن القيام بدورها، عن قصد وسبق إصرار أحيانا، وبسبب انعدام المصداقية والغيرة الوطنية أحيانا أخرى قد زاد من تأزيم الأوضاع.”
  10. “أمام هذا الفراغ المؤسف والخطير ، وجدت القوات العمومية نفسها وجها لوجه مع الساكنة، فتحملت مسؤوليتها بكل شجاعة وصبر، وضبط للنفس، والتزام بالقانون في الحفاظ على الأمن والاستقرار. وهنا أقصد الحسيمة، رغم أن ما وقع يمكن أن ينطبق على أي منطقة أخرى.”
  11. “أمام هذا الوضع، فمن الحق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانون هم في واد، والشعب وهمومه في واد آخر؟.”
  12. “إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟”
  13. “ما معنى المسؤولية، إذا غاب عن صاحبها أبسط شروطها، وهو الإنصات إلى انشغالات المواطنين؟”

وكل هذا مجرد غيض من فيض، فالخطاب يعج بالإعترافات الواضحة بفشل نظام محمد السادس سياسيا وإداريا وماليا، وفي الوقت نفسه نجاح رجال الملك وحاشيته بصفتهم ملاك القطاع الخاص في تنمية ثرواتهم على حساب فشل القطاع العام في تسيير شأن المواطن. وهنا نقف أمام مغربين، مغرب الشعب المقهور المفقر، ومغرب حاشية الملك باذخي الثراء، والمنفصلين عن الواقع تماما، حيث يقول الملك دفاعا عنهم:

“تزداد هذه المفارقات حدة ، بين القطاع الخاص، الذي يتميز بالنجاعة والتنافسية، بفضل نموذج التسيير ، القائم على آليات المتابعة والمراقبة والتحفيز ، وبين القطاع العام ، وخصوصا الإدارة العمومية، التي تعاني من ضعف الحكامة ، ومن قلة المردودية.” أي أن مشكلة المغرب في القطاع العام، وبالتالي يقترح الملك بيع المغرب برمته للقطاع الخاص، أو هذا على الأقل استنتاج مشروع يحق لنا طرحه.

مؤشرات الإفلاس المالي والاقتصادي للمغرب

كما قلنا أعلاه، يأتي الإعتراف الملكي بإفلاس المغرب إداريا وسياسيا ليكمل اعترافا آخر أعلنه المجلس المغربي الأعلى للحسابات الذي يترأسه، ادريس جطو، الوزير الأول الأسبق للمغرب (2002)، والمعين على هذه الهيئة الرسمية من قبل الملك نفسه، حيث أعلنت مؤسسته الرسمية اقتراب إفلاس المغرب ماليا واقتصاديا بحلول عام 2020 أو 2021. بل مضى تقرير هذه المؤسسة الرسمية أبعد من ذلك ليعلن عن احتمال وصول المغرب للإفلاس القانوني، وهو أمر إن حصل قد يعني نهاية الملكية في شمال أفريقيا للأبد.

وهنا، لن نطيل التحليل، بل سنقدم أرقاما أوردها هذا المجلس إضافة إلى إحصائيات وأرقام أوردتها وزارة الاقتصاد والمالية المغربية نفسها وهيئات أخرى، والتي تشير في مجملها لاقتراب ساعة الصفر لهذا الإفلاس المغربي:

  • بلغت ديون الخزينة العامة المغربية لعام 2016 مبلغا وقدره 70.2 مليار دولار (المصدر: المجلس المغربي الأعلى للحسابات)
  • بلغ حجم الدين الخارجي لعام 2016 ما قدره 31 مليار دولار، أي 30.8 في المائة من الناتج المحلي (المصدر: وزارة الاقتصاد والمالية المغربية).
  • بلغت نسبة العجز في الموازنة لعام 2016 نسبة 3.9 في المائة (المصدر: وزارة الاقتصاد والمالية المغربية).
  • انخفض انتاج الحبوب من 11 مليون طن عام 2015 إلى 3.3 مليون طن لعام 2016. (المصدر: وزارة الاقتصاد والمالية المغربية).
  • أعلنت 7 آلاف شركة مغربية عن إفلاسها سنة 2016، بارتفاع 21 في المائة عن نسبة الشركات المفلسة السنة السابقة (المصدر: مؤسسة إنفوريسك).
  • بلغت البطالة في الفصل الأول من 2017 ما نسبته 10.7 في المائة أي ما يعادل 1.3 مليون معطل عن العمل. (المندوبية السامية للتخطيط-المغرب)
  • أفاد تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2016 أن 44 في المائة من المغاربة محرومون من حقوقهم الأساسية في السكن والتعليم والصحة.
  • أكد نفس التقرير أن 60 في المائة من المغاربة يعيشون الفقر أو الفقر المدقع.
  • وأكد نفس التقرير أن 5 ملايين مغربي يعيشون ب 1 دولار يوميا.

خلاصة

لن نطيل في قراءة كل هذه المعطيات، وغيرها كثير مما لم يتسن لنا ذكره هنا من تبوء المغرب أدنى الرتب العالمية في مختلف المجالات خاصة ما يتعلق منها بالتنمية، وحقوق الإنسان، وحرية الصحافة والتعبير، والتعليم، والصحة، والبيئة، وغيرها. ورغم كل هذه المعطيات والأرقام الدامغة، نجد نظام المخزن مصرا على تضييع أموال الشعب المغربي في رشاوى دولية هائلة موجهة أساسا نحو بعض السياسيين الأفريقيين في محاولة بائسة لشراء الذمم، والتشويش على الجهود الأفريقية والدولية لحل الصراع في الصحراء الغربية. أو لما لا نقول في محاولة يائسة للملك وحاشيته لتهريب أموالهم للخارج واستثمارها في دول صديقة وقابلة للرشوة.

لكن تصريح ملك المغرب في خطابه بأنه لم يتطرق للسياسة الخارجية خاصة في أفريقيا وفيما يخص القضية الصحراوية، دليل واضح على ضئالة ما حققته دبلوماسية المغرب في هذا الجانب. وجميعنا يذكر الهزيمة النكراء التي مني بها نظام الاحتلال خلال قمة الاتحاد الأفريقي الأخيرة أين وقف وزير الخارجية المغربي وشقيق الملك وحيدين في قاعة القمة الأفريقية في موقفهما، حيث تخلى عنهم أقرب الأصدقاء. وقد أصرت القمة رغم كل المحاولات المغربية على اعتماد قرار جديد حول النزاع في الصحراء الغربية للتأكيد بأنها تبقى القضية السياسية الأولى للاتحاد الأفريقي فيما يخص تصفية الاستعمار من القارة.

وعليه نقول أن نظام الاحتلال المغربي يقترب من الكارثة، ولا نشك في أن سقوطه سيكون سقوطا حرا ومدويا خلال السنوات القليلة القادمة، وهو ما لا نتمناه للمغاربة، لكنها الحقيقة المرة، التي يزيدها سوءا إصرار هذا النظام الفاشل بكل غباء على التمسك بقدر من مواقفه السياسية الخاطئة والقاتلة، خاصة في الصحراء الغربية، وفي إدارة مشاكله الداخلية كمشكلة الريف وفي علاقاته بكل دول الجوار التي يرميها بسمومه ومشاكله يمنة ويسرة، ويغرقها بالمخدرات، ويتهمها في كل المحافل الدولية دون وجه حق بالمسؤولية عن فشله وأخطائه.