يُحاول الاشتراكيون الاسبان هذه الايام تضميد جراحهم النازفة جراء الانقسامات التي تعصف بالحزب بعد اندحار المحاولة الانقلابية التي قادها الحرس القديم بزعامة  المدعو كونزالس وأوركسترا أميرة الأندلس سوزانا. وها قد استعاد الأمين العام القديم الجديد السيطرة على الحزب وهياكله بعدما تمكن مدعوما من قواعد الاشتراكيين  من صد محاولات الانقلاب عليه في مشهد يكرس بدائية وفقر التجربة الديمقراطية الإسبانية خصوصا داخل حزبي السلطة التقليديين اليميني والاشتراكي

أكيد أن ظفر الأمين العام بيدرو شانشيس بالقيادة  لن يفتح الباب عل أي تغيير يُذكر في توجهات الحزب الاشتراكي وسياساته الجوهرية المبنية على أبجديات ما يُسمونه هنا بأوروبا الغربية  “تيار الاشتراكيين الديمقراطيين” التي إن أمعنا النظر في ممارستهم للسلطة وخلفياتهم الأيديولوجية نستنتج أنها لا تحمل من التوجه الاشتراكي سوى الاسم بنزوعها الى سياسة براغماتية مصلحية تتمركز في الوسط يحلو لهم تسميتها   باليسار الديمقراطي، وهي في حقيقتها ذات أصول وجذور انتهازية تاريخية أيديولوجية لأنها نزعة اشتراكية غربية ظهرت لمواجهة واحتواء موجة اليسار الاشتراكي الماركسي التي تعاظمت بعد اجتياح المظاهرات اليسارية الطلابية أوروبا الغربية في ستينيات القرن الماضي

من هذه المنطلقات لا نتوسم نحن الصحراويون خيرا في ما يبدو أنه تغييرا في الحزب الاشتراكي الاسباني ستتلاحق فصوله، لأننا خبرنا سياسات هذا الحزب الانتهازية التضليلية بعد مواقفه المتناقضة والمعلومة من قضية شعبنا العادلة، غير أننا هنا نعقب على هذا الحدث لاستقصاء تجلياته وتداعياته التي لا تبعد كثيرا بظلالها عن السياسة الاسبانية الممنهجة  و المنتهجة تجاه القضية الصحراوية بحكم أن هذه الدولة كانت تمثل القوة الاستعمارية لأرضنا ومسؤولة قانونيا وتاريخيا عن مسار تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية المحتلة من طرف المغرب

إن التشظي الحالي الذي يعرفه الحزب الاشتراكي الاسباني لا علاقة له بالتوجه الايديولوجي للحزب بقدرهما هو ناتج أساسا عن صراع أجنحة وجهات على السلطة ومخططاتها الرامية الى الاستفراد بالقرار واحتكاره خصوصا أن الاشتراكيين الاندلسيين لا يبدو أنهم على استعداد بعد لتقبل  تقاسم الهيمنة  مع جهات أخرى على دواليب الحزب، وفي هذا الخضم يُشكل ويرسم ذاك الصراع بتمظهراته مواقف الحزب داخل دهاليز السياسة الاسبانية بالانسجام التام تارة مع اليمين وأجهزة الدولة العميقة ومؤسساتها الاستراتيجية، وبإبداء العتاب والجفاء لهذه الاجهزة وابتزازها تارة أخرى حين يتربص الحزب قصد انتزاع مكاسب بتجديد نهجه الانتهازي المعهود ومحاولة الظهور مُتموقعا  في اليسار ومُصطفا الى جانب الطبقات العمالية الفقيرة

لا حدث إذن إن انتخب الاشتراكيون الإسبان أمينا عاما جديدا لهم أو أعادوا انتخابه داخليا وخارجيا، لأن سياسة الحزب محددة سلفا بالمرجعية التي سقناها آنفا، المتمثلة في نهج براغماتي يربطه خيط رفيع بالأحزاب السياسية الاخرى يتجلى في الاحتكام الى لعبة التداول على السلطة من خلال ممارسة ديمقراطية منظمة القواعد والضوابط. فالأحزاب والتيارات السياسية في هذا البلد لا ينبغي لها أن تتجاوز محاذير خط التفاهمات المسبقة ضمانا لممارسة ديمقراطية متوازنة تحفظ للدولة ومؤسساتها الاستراتيجية العتيدة هيبتها وتأثيرها العميق. في هذا السياق يحضرني ما أفادني به ناشط مدني من منطقة الباسك في معرض حديثنا عن القوة السياسية اليسارية الصاعدة بوديموس وإمكانية  انخراطها في الدعم الصريح لمسألة تقرير المصير في بلاد الباسك والصحراء الغربية، حيث أكد لي تخوفه من تتبخر شعارات الحزب الصاعد  بمناصرة تقرير المصير وذوبانها تحت لهب لعبة  المصالح السياسية  وممارسة السلطة، ولعل  في هذا القول  الكثير من الصواب والمنطق لأن السياسيين عادة ما ينحشرون في زاوية  المصالح الحزبية الضيقة التي تتناقض أحيانا مع مبادئهم وتوجهاتهم الأيديولوجية، ولنا في سجل تعاطي السياسيين الاسبان مع القضية الصحراوية العبرة والمثال إذ لازال هؤلاء يمارسون التنكر والجحود لعدالة وشرعية هذه القضية التي هم أعلم بحيثياته، فتراهم اليوم أشد عداوة لكفاح وطموحات الشعب الصحراوي من وازع حقد دفين تغذيه نزعة التعالي الاستعمارية البائدة

إن من بين الدروس البليغة الواجب استحضارها، حالُ الطبقة السياسية الاسبانية اليوم من اليمين الى الوسط الى اليسار الغارقة  في وحل الفساد ومستنقعات الرشوة التي مست كل مؤسسات البلد ، حيث تكشف في فصولها التي تكاد تكون يومية  تورط هؤلاء الساسة في هذه الممارسات المتخلفة المنسجمة والمتناغمة مع مواقفهم السياسية الانتهازية،  بمناصبة  العداء للقضايا العادلة، والتخندق الى جانب المعتدين والتآمر معهم كما هو الحال في الصحراء الغربية التي تعاني الأمرين من الاحتلال المغربي المسنود والمدعوم من الدولة الاسبانية، والأدهى من هذا وذاك أن تلك الطبقة السياسية من منطلق حماية مصالحاها الغير مشروعة لا تدخر المحاولات تلو الاخرى  خلسة وجهارا سعيا الى التأثير في كم ونوع التضامن المدني والحقوقي الاسباني مع قضية شعبنا والنيل منه بعد أن أضحى البديل الموضوعي الذي فضح حجم  تواطؤها مع العدو وخسة تآمرها الذي أملته دواعي الأطماع المتوحشة