بعد الخروج من المؤتمر التأسيسي للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب 10 ماي 1973 الذي حمل شعار : “بالبندقية ننال الحرية”، وتبنى الكفاح المسلح كوسيلة للتحرير ودحر الاحتلال الاسباني من الصحراء الغربية.

بدأ استكمال التحضير للعمل المسلح الذي سبق المؤتمر التأسيسي خلال اجتماع عقده الولي مصطفى السيد لعدد من المناضلين يوم 15 ابريل 1973 بواد الطلح شرق مدينة تندوف وضم اكثر من 30 مناضلا، واستمر على مدار يومين وكان بحسب احد المشاركين فيه احدى الجلسات التحضيرية للمؤتمر التأسيسي، حيث تم ارسال الفراح ولد حسني (عبد الغني) لجمع السلاح من المتبرعين والمناضلين الداعمين لقيام الثورة، ولدى عودة الولي وعدد من الرفاق المشاركين في مؤتمر الزويرات الى مدينة تندوف تحضيرا للعمل المسلح، تاخرت عودة عبد الغني من مهمة جمع السلاح نتيجة الصعوبة التي يعتريها الامر وتباعد المناطق التي قصدها[1].

وانطلاقا من مقررات المؤتمر بدأ التفكير في عمل مسلح يكون باكورة اندلاع الكفاح المسلح ومن ضمن المقترحات التي نالت استحسان الجميع فكرة نصب كمين في طريق القوات الاسبانية التي تقوم بدوريات اعتيادية انطلاقا من الحراسات الثابتة والحاميات العسكرية المتواجدة في عدد من المناطق الصحراوية، ووقع اختيار المجموعة على الحامية الاسبانية ببلدة اجديرية حيث يتواجد بها اسبان “نصارى” وذلك تجنبا للاشتباك مع المجندين الصحراويين في الجيش الاسباني.

وكانت الخطة تقضي بإلقاء القبض على قائد الدورية الذي يكون في العادة نقيب عسكري اسباني واحتجازه او قتله، لتدشين الكفاح المسلح الذي انتظره الثوار بفارق الصير.

فعقد الولي مصطفى السيد اجتماعا موسعا عمم خلاله نتائج المؤتمر التأسيسي واعلن فيه عن تشكيلة القيادة السياسية والعسكرية التي قررها المؤتمر الاول والذي نص على ان يكون اسم حركة التحرير في الصحراء الغربية “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” وتشكيلة اللجنة التنفيذية المكونة من جناحين عسكري مكون من اربعة مناضلين من بينهم الكاتب العام للجبهة الشعبية وتم اختيار ابراهيم غالي لهذه المهمة، ويعنى الجناح العسكري بجمع السلاح والتدريب ويكون قوي خاصة ان المستعمر الاسباني كان يفاخر بانه ربح 99 معركة.

وجناح سياسي مكون من ثلاثة مناضلين يعنى بالتعبئة والتحريض وجمع الدعم والتجنيد والاتصالات مع العالم الخارجي من بينهم مسؤول التنظيم السياسي حيث اختير لهذه المهمة الفراح ولد حسني “عبد الغني”.

فيما استثنى الولي مصطفى السيد نفسه من قيادة الحركة فقرر المجتمعون تعيينه منسقا ملحقا باللجنة التنفيذية، كما قرر الاجتماع البدء في تنفيذ مقررات المؤتمر والتحضير الفعلي لعمل مسلح يرافق إعلان تأسيس الجبهة، فتوزعت المجموعة الى فريقين احداها تنتظر عودة الفراح للحصول على السلاح، والثانية ذهبت مع الولي مصطفى وابراهيم غالي باتجاه منطقة ازقر وتسميمت بمنطقة خنكة واد اكسات شمال غرب الصحراء الغربية، بحثا عن تأمين منطقة تكون استراتيجية كقاعدة للعمل المسلح، وبعيدة من عيون الاستعمار الاسباني، وتم الموعد مع المجموعة الاولى في نفس المنطقة.

فبدات المهمة الصعبة بتوجه المجموعة الاولى التي شكلت الطلائع الاولى لجيش التحرير الشعبي الصحراوي والتي تتكون من 17 مناضلا وتضم كل من: ابراهيم الخليل الراحل السيد، ابراهيم عبد الرحمان بوجمعة ، البشير الصالح الملقب بـ “جمبلة”، البشير السالك جدو، الولي مصطفى السيد، الغزواني اعلي علال الملقب بـ”فرتت”، السالك اسويلم محمد الملقب بـ”الطبيْب”، السالك احمد الوالي الملقب بـ “غاندي”، الفراح يحظيه ورقة، بودة التاقي احمد لمبارك، لحبيب دافة جاعة الملقب بـ”لبريفي”، محمد لسياد، محمد فاظل عالي الملقب بـ “القرارات” محمد سعدبوه اليزيد الملقب بـ “محمد لمتين”، محمد فاظل عالي الملقب بـ”القرارات”، حمدي السالك جدو الملقب بـ”سالم ربيع”، عبدي بوبوط يوسف، غالي سيد المصطفى سيدي محمد المعروف بـ”ابراهيم غالي”

اجتمعت مجموعة الخنكة ببوجنيبة بمنطقة لبطانة غرب منطقة الزاك في طريق تنفيذ اول عملية عسكرية ضد الاحتلال الاسباني، حيث تم التخطيط لها بان تكون ضد الحامية العسكرية الاسبانية بمنطقة اجديرية والتي كانت تقتصر فقط على “النصاري” الاسبان، من دون المجندين الصحراويين الذين كانوا يؤدون مهامهم في حراسات عسكرية بمناطق اخرى[2].

وبعد دراسة كافة الجوانب المتعلقة بنجاح العملية والتعرف على عدة وعتاد الحراسات الاسبانية التي تضم في العادة خمسة جنود، ثلاثة يتمركزون اسفل مركز الحراسة واثنان يراقبان من اعلى خزان الماء، بدأت المجموعة سيرها نحو تنفيذ الهدف وبعد وصولهم الى منطقة “تمغلالاتن” باعلى واد “افرا”، الذي يصب مجراه في وادي الساقية الحمراء، وتوجد به الخنكة، اقترح بعض عناصر المجموعة السقي بالماء البارد من بئر الخنكة المتواجد على مقربة من مركز حراسة اسبانية.

وبعد نقاش مستفيض وتخوف بعضهم من قرب البئر من الحامية واحتمال فشل المهمة، اتفق رأي الاغلبية على السقي من بئر الخنكة، فتطوع عبدي ولد بوبوط لجلب الماء للمجموعة، واعلن محمد لمتين عن مرافقته لكن الولي انتدب نفسه لذات المهمة، واقنع محمد لمتين بالبقاء مع المجموعة ومواصلة الطريق على امل اللقاء في “وديان ارﮔان” جنوب بئر الخنكة.

انطلق الولي وعبدي على ظهر جملين، باتجاه “الحاسي”، واستقر بهم المقام في ظهيرة ذلك اليوم عند عائلة صحراوية، على مقربة من البئر، لكنهم لم يجدوا رب الاسرة الذي ذهب للسقاء من بئر الخنكة، فقررا انتظاره، وفي المساء عاد الرجل محملا بالماء، فطلبوا منه ملء القرب الاربعة التي كانت بحوزتهم، لكنه قدم اعتذاره متعللا بحاجته الى تلك الكمية التي جلبها بشق الأنفس، فلم يكن امامهما سوى ورود البئر وسقي ما بحوزتهما من قِرب الماء، انتظرا حلول الظلام للسقي من البئر حتى يضمنا نجاح المهمة، وبعد تناول العشاء مع العائلة الصحراوية، أكملا مسيرتهما نحو الخنكة بعدما استجمعا معلومات عن القوة العسكرية المتواجدة وطبيعة الوضع.

ومع وصولهما الى البئر وجداه مغلقا بقفل من حديد، فحاولا كسره فاطلق صوت ايقظ كلب الحراسة الذي بدأ بالنباح، غير انه من حسن الحظ لم يثر انتباه الحراس، فسقيا القرب ووضعاها على الجمال واكملا سيرهما نحو الرفاق.

وعلى الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم الموالي وصلا مكان الميعاد، لكنهما لم يجدا الرفاق الذين تمركزوا شمال المكان المحدد، فمكثا في استراحة يجهل اصحابها ما كان يحدث خلفهما من بحث وتعقب، حيث وقع ما تخوف منه بعض الرفاق، إذ تمت الوشاية بهما من قبل الرجل الذي كانوا في ضيافته، وحيث كانت الحراسات الاسبانية توصي العائلات الصحراوية بإخبارها بأي شخص غريب يدخل المنطقة،  ذهب الرجل الى المحمية الاسبانية واخبرهم بامر الولي ورفيقه، لانه لم يكن يعرفهما، وكانا غريبين على المنطقة.

فجهزت الحراسة ثلاثة جنود مسلحين بجِمالهم لتعقبهما، وبعد فترة وجيزة بينما الولي ورفيقه يغصان في راحتهما فاجأهم المجندون الأسبان وبعد اجراء تحقيق معهما، والاشتباه بهما اقتادوهما الى مركز الحراسة، لتبليغ السلطات الاسبانية بامرهما.
في طريق العودة الى مركز الحراسة الإسباني كان الولي يهمس الى رفيقه عبدي ببوط بالغدر بالمجندين الاسبان في حال توقفوا للاستراحة وتناول وجبة الغداء، وتحرير نفسيهما من الاسر الذي سيعيق تنفيذ مهمة اندلاع الكفاح المسلح.

وفيما كان الولي ورفيقه يفكران في طريقة للتخلص من هذه المعضلة، كان الرفاق قلقون على تأخرهما، ما دفع بابراهيم الخليل الى تعقب اثارهما، وبينما هو يسير وينظر يمينا وشمالا لمح رفيقيه وهما يقتادان من قبل الجنود الاسبان، الذين توقفوا للراحة لكن عزلوا الولي ورفيقه بعيدا عنهم حتى يأمنو جانبهم، اشاروا اليه بان يخبر الرفاق بما حصل، عاد مسرعا الى المجموعة ومن شدة الغضب مزق “تسوفرة” حقيبة تخزين قطع الاسلحة التقليدية التي بحوزتهم، فيما ذهب البشير الصالح هو الاخر بحثا عن الرفاق وفي الطريق وجد سلمة ولد الداف فاخبره بان الولي وعبدي تم القبض عليهما من قبل الاسبان.

وقبل غروب شمس يوم 19 ماي 1973 وصل الجنود الاسبان ومعهم صيد ثمين للسلطات الاسبانية، وزج بالولي ورفيقه في زنزانة جماعية.

علم الرفاق بالنبأ السيء في القبض على الولي وعبدي فبدأ التفكير في وسيلة لتحريرهما من الاسر، ليتفق راي المجموعة على تنفيذ عملية وفق خطة تقتضي تكليف خمسة اشخاص بتنفيذ المهمة وهم ابراهيم الخليل ،الغزواني اعلي علال ، محمد سعدبوه، البشير السالك، وبقيادة ابراهيم غالي، فيما يمكث بقية اعضاء المجموعة في مكانهم في انتظار ما تسفر عنه عملية تحرير الرفاق.

وبعد تدارس الامر الطارئ تم وضع اللمسات الأخيرة باشرت المجموعة مهمتها، وانطلقت باتجاه بئر الخنكة، وفي المساء دخلوا المنطقة التي يوجد بها مركز الحراسة الأسباني، ومن اجل استجماع كافة المعلومات الدقيقة والمتكاملة عن وضعية المركز، قصدوا احدى العائلات الصحراوية الموجودة بالقرب من الحاسئ والتي زودتهم بكل التفاصيل المتعلقة بمركز الحراسة الاسباني، وعدد الغرف، وعدد الحراس، ومكان غرفة السجن في المجمع الذي يضم اربعة غرف.

وعلى ضوء هذه المعطيات رسمت خطة العملية على ان يقوم إبراهيم غالي وإبراهيم الخليل ومحمد لمتين باقتحام مجموعة الحراسة من البوابة الرسمية، فيما يتكفل الغزواني والبشير السالك باقتحام غرفة السجن وتحرير الرفاق.

تجهزت المجموعة وانطلقت في طريق مركز الحراسة الاسبانية، كان الولي مصابا بالحمى وكان يردد نشيد الثورة والشعارات الثورية التي كانت شكلت مادة تحريضية تؤثر في نفوس الصحراويين وتزرع فيهم قيم الثورة والغيرة على الوطن.

وبينما كان تفكيرهما منشغلا بالطريقة التي سيسلكها الرفاق في تخليصهما من الزنزانة سمعا نباح الكلب الذي تكفل به محمد لمتين وأوقف نباحه، شعر الولي وعبدي بقدوم الرفاق فطلبا من الحارس اغلاق الباب والذهاب للراحة لانهما متعبان ويريدان الخلود للنوم، احكم الحارس اغلاق الباب وذهب الى رفاقه العاكفين على لعبة الدومينو.
وفي ساعة الصفر ومع اول دقائق يوم 20 ماي 1973 طوقت المجموعة مركز الحراسة، وتوزع اعضائها على الادوار المحددة، وبدأ اقتحام الحامية الاسبانية، حيث تمت السيطرة عليه بسهولة، والتحكم في كل الحراس الذين كانوا منشغلين بلعبة الدومينو ، كما تم القبض على اخر كان يتأهب للسفر من اجل إعلام الأسبان بوجود الاسيرين، وتمت مصادرة خمسة اسلحة كانت منصوبة على الجدار، وعندما ضرب الغزواني باب السجن بمؤخرة سلاحه “تساعية”  انطلقت رصاصة عن طريق الخطأ وتفأجا الرفاق فقال لهم فرتت اي خرجت بغير قصد فاطلق عليه هذه اللقب.
تم تحرير الولي وولد بوبوط، واسر خمسة من المجندين الصحراويين في الجيش الاسباني، وغنم أسلحتهم جِمالهم دون اراقة دماء، في عملية شكلت باكورة العمل المسلح ضد المستعمر الاسباني واعطت الاشارة باندلاع الكفاح المسلح الذي خاضه الشعب الصحراوي ببسالة.

اقتاد منفذو عملية الخنكة خمسة من المجندين الاسبان فيما تركوا اثنان لم يجدوا لهما وسيلة نقل حيث وتوجهوا الى منطقة تسميمت التي شكلت لهم الملاذ الامن من ملاحقة الجيش الاسباني الذي استنفر قواته بعد العلم بالعملية، وكثف من دورياته واستخدم الطائرات في البحث عنهم.

كما راجع الاستعمار الاسباني خطة الحراسة الليلية حيث اصبحت تقتصر بعد عملية الخنكة على الاسبان وتستثني المجندين الصحراويين خوفا من التواطؤ مع الثوار.

خير الولي مجموعة المجندين الاسبان الذين وقعوا في الاسر بين الانخراط في الجبهة، او العودة الى اسبانيا، فاختاروا الثانية، بحجة انهم يعيلون عائلات ولهم التزامات مع اسبانيا، فقال لهم بان الثورة تستهدف فقط المستعمر الاسباني، فاطلق سراحهم.

لقد ساهم نجاح عملية الخنكة في رفع معنويات الثوار واصبحت مادة للتعبئة واقناع الصحراويين بحتمية نجاح الثورة ودحر الاستعمار وهو ما شجع الكثير من الصحراويين على الانخراط في صفوف الجبهة الشعبية.

[1] مقابلة مع محمد لمين البوهالي ـ عضو الامانة الوطنية لجبهة البوليساريو

[2]  مقابلة مع عبدي ببوط احد المشاركين في عملية الخنكة