هل سبق لكم أن طرحتم السؤال : ما هو أكبر خطر يمكن لبلد أن يواجهه ؟ أذكركم به : هو الحرب .

ما هي أكبر محنة دخلتها موريتانيا منذ عام 1960 ؟ يجب التذكير بها : هي حرب الصحراء . مع أن تلك الحرب كانت تعني نهاية موريتانيا ، فقليلون هم الناس الذين عارضوها، . هالة النظام الحاكم وقوة التعبئة وتأطير السكان من طرف الحزب الواحد وميليشياته كانت بدرجة ليس من السهل تحديها ، وتعريض النفس للغوغاء المغرورين، ولغضب سلطة مطلقة . الهيستيريا العارمة التي هللت للحرب أبطلت منذ دجمبر 1975 كل هاجس لمعارضتها . في تلك الظروف القاسية بالضبط قال البعثيون والحركة الوطنية الديمقراطية : لا للحرب ، ولا للنهاية المحققة لموريتانيا .

وتحالفا منذ ذلك الوقت لمدة ست سنوات . أتذكر العبارات الدقيقة التي قلناها للمسؤولين في ذلك الوقت : ” إن تحالفا مع المغرب يعني أننا وضعنا أنشوطة في عنق موريتانيا وأعطينا الطرف الآخر من الحبل لمن هو أسرع منا مرتين” . بعدها مباشرة فقد البعثيون المناصب التي كانت عند بعضهم ، وأعتقد أن الحركة الوطنية الديمقراطية لم يكن لديها ما تفقده . بعد سنة من الحرب ، حصل الشيء الذي لا مفر منه .. تبن بجلاء للسلطات الحاكمة أنه من الضروري ، بل من المستعجل ، إنزال القوات الملكية المغربية في بئر أم اكرين وازورات و أطار واكجوجت وانواذيبو . في آخر سنة 1977 ، وصلت القوات المغربية في موريتانيا إلى اثني عشر ألف جندي ، بسلاح يختلف عن ما عندنا . اقتصاد البلد بات في الحضيض .. المؤسس والمدير العام لشركة “اسنيم” ، إسماعيل ولد أعمر ، صار يصرخ في غير طائل : “أوقفوا الدمار! ” .

الهيستيريا المتفائلة تبددت وحل محلها الإحباط ثم الهرج. انسدت الآفاق بشكل مأساوي . في نفس الفترة ، نهاية سنة 1977 ، رفع الرئيس السنغالي سينكور ، في مقابلة مع مجلة ” جون آفريك” ، الستار عن المساومات الجارية حول تقسيم موريتانيا المحتمل . بين من ؟ هذا ما ليس لغزا ….. أدرك البعثيون ، هشاشة موريتانيا وأنها مقدسة فقط عند أهلها ، وهذا ما يفسر – الوقت لم يحن بعد لتناول تلك الأحداث- رفضهم العنيد المتواصل لأي مغامرة ، مع أن الفرص المغرية (لم تنقصهم) . صوبوا الأنظار على هذا الاكتشاف ، هذا الضعف ، “هشاشة موريتانيا” هذه التي صارت لازمة أحاديثهم إلى درجة الاستغراق. ذلك ما يفسر ، دائما ، صعوبة انفصالهم عن أي نظام قائم ، حتى ولو كان مؤذيا لهم …”.