جاء تقرير الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريز كالعادة ممسكا للعصا من الوسط و محاولا إرضاء كل من المغرب و جبهة البوليساريو كما دأب على ذلك كل الأمناء السابقون، فقد دعا غوتيريز الطرفين إلى تقديم تنازلات أكثر و الإنخراط في مفاوضات دون شروط، و لعل التيرموميتر الذي أعتمده الأمين العام هو دعوة المغرب إلى تقديم مزيد من التنازلات دون ذكرها أو تحديدها شكلا أو مضمونا في المقابل دعا جبهة البوليساريو إلى الإنسحاب من منطقة “الكركرات”.
لست هنا بصدد تحليل تقرير الأمين العام و لا تصنيفه وفق مزاج تشاؤمي أو تفاؤلي و لا حتى تحليل مضمونه و تبعاته المرجوة و المأمولة، بل لمحاولة التأكيد على ضرورة تدقيق الحسابات الإستراتيجية قبل كل خطوة سنقدم عليها بعيدا عن الآساليب التقليدية التي كنا نعتمدها و التي ثبت التاريخ فشلها نسبيا منذ وقف إطلاق النار إلى تسليم الأسرى إلى تفكيك مخيم لقديم،،،،،الخ.
جل التنازلات السابقة التي قدمناها لم تأت وفق دراسة دقيقة وكانت ناجمة عن حسن النية و الطيبة الساذجة التي لا محل لها من الإعراب داخل لعبة السياسة، لنجني جراء تلك التنازلات صفة المفعول به المجرورقسرا.
بعدما تبينت لنا أهمية “الكركرات” إستراتيجيا وفق المنظور الجيوبوليتيكي للمنطقة كونها تعد ممرا وحيدا للإحتلال المغربي نحو إفريقيا، و متنفسا إقتصاديا لجل الشركات المغربية، و نقطة عبور مهمة بين موريتانيا و الجزء المحتل من الصحراء الغربية. بعد إدراك كل تلك العوامل المهمة يجب أن نحافظ عليها كورقة جوكر لا تقبل المساومة إلا بجلاء أخر جندي مغربي من تراب الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية حينها سيكون لنا فيها القول الفصل.
قد يكون من الطبيعي جدا أن يدعو غوتيريزجبهة البوليساريو للإنسحاب من منطقة “الكركرات” فهو بذلك يسعى لتسجيل إرتياح في تقرير قادم أو تسجيل نقطة إجابية في مسيرته المهنية، لكن سيكون من غير اللائق و لا المقبول عندنا أن ننسحب من المنطقة المذكورة كما أصبحت تهيئنا لذلك بعض الوسائط الإعلامية التي طالما بررت للخيبات المتوالية.
حتى و لو أقتنعنا بحسن نية الأمم المتحدة دفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات و شرعت في الترتيب للقاءات الثنائية و بدأت في تنفيذ إجراءات حسن النية إلا أن موضوع الإنسحاب سيظل رأيا غير سديد، بحكم أن المفاوضات نفسها تحتاج إلى أوراق ضغط و أحجار سطرنج للتباري بها على الطاولة، فعلى طول تاريخ الثورات المعاصرة لم يثبت الحال أن حصلت أي دولة على إستقلالها عن طريق المفاوضات و هي في حالة ركود عسكري إذ كما يقال “المفاوض الناجح هو من يمتلك خلفه دبابة” و “مدى نجاحك في المفاوضات مرهون بمدى وصول فوهة مدفعك”، فعليه نقول أن أي تحرك في هذا الإتجاه من لدن قيادتنا <الرشيدة> يجب أن لا يجري وفق ما جرت عليه العادة في تقديم التنازلات بدون مقابل و أن ما يردده البعض من كون أن مسألة الإنسحاب ستكون مبررة إذما تم فرضها من قبل مجلس الأمن في قراره القادم بذريعة التقدم في ملف المفاوضات هو بمثابة إنتحار سياسي و كمثل القول الشعبي المأثور ” جات اتخاصم و انسات لسانها”