في حديث مع احد الدبلوماسيين قال لي بان استمرار وساطة روس لم تعد في صالح القضية الصحراوية، بسبب الاحراج المغربي واتهامه بالانحياز، وهو ما جعل تقاريره الاخيرة تلعب وترا مغايرا يعزف ارضاء الطرفين، وفي حديث مع اخر قال لي بان رجل فضل مصالح بلده الاقتصادية على ارواح البشر في افغانستان ليس جديرا بخلافة روس في وساطة السلام بين جلاد يدفع المال لشراء الذمم وضحية يدفع ثمن ازدواجية المعايير التي تتحكم في السياسة الدولية.

وإذا كان الوافد الجديد غير مرحب به شعبيا بسبب تاريخه غير المشرف ورحلاته السياحية الى مراكش والرباط، فإن الدبلوماسي الأمريكي السيد كريستوفر روس سيظل الشعب الصحراوي يذكره بخير بسبب مواقفه التي اغضبت الرباط، ومحاولاته الجدية في إعادة قطار الاستفتاء الى سكته، قبل ان يودع ملف النزاع في الصحراء الغربية برفع الراية البيضاء، واعلان العجز عن احراز تقدم يذكر بسبب تؤاطو مجلس الامن الدولي مع الرفض المغربي لجهوده، ووقوف فرنسا بالمرصاد لكبح اي توجه جديد يدين الاحتلال او يحقق خطوة الى الامام في مسار مسلسل التسوية الاممي.

الدبلوماسي روس تولى مهمة المبعوث الاممي الى الصحراء الغربية منذ بداية 2009 وحاول ابتكار اساليب جديدة لتحريك المياه الراكدة في نزاع الصحراء الغربية، بالتركيز على اليات تنظيم الاستفتاء واحترام حق تقرير المصير الذي وضعته الامم المتحدة الحل البديل للحرب التي دارت بين طرفي النزاع طيلة 16 سنة، قبل التوقيع على اتفاق وقف اطلاق النار الذي اشرفت عليه الامم المتحدة سنة 1991، والذي بموجبه ارسلت بعثتها لتنظيم استفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية الى المنطقة لتباشر عملها الذي تعثر على مدار فترة السلام الراهنة بسبب العراقيل المغربية.

ولتجاوز الانسداد الحاصل اتخذ روس اسلوب المشاورات الواسعة على الصعيد الدولي و الإقليمي وتكثيف المحادثات مع جميع الاطراف المعنية بنزاع الصحراء الغربية مع تقارب الجولات المكوكية الى المنطقة ودول اصدقاء الصحراء الغربية والاطراف المراقبة، في مسعى يروم تقارب وجهات النظر في ايجاد حل توافقي للنزاع، غير ان الخلاصات التي استنتجها المبعوث الاممي تمثلت في الفرق الشاسع في تعاطي طرفي النزاع معه، ففي الوقت الذي يجد كل الترحيب وتوفر له كافة التسهيلات لدى جبهة البوليساريو، ويلتقى كل المسؤولين بما فيهم الرئيس الصحراوي، يجد العكس لدى الطرف الثاني، حيث يتزامن دخوله للمغرب مع خروج الملك محمد السادس، ويستقبل من قبل موظف مغمور بوزارة الخارجية.وبالرغم من كل هذه العقبات المغربية المتتالية، استمر روس في جهوده ساعيا الى تسهيل شروع طرفي النزاع (المغرب و جبهة البوليساريو) في مفاوضات مباشرة، وبدون شروط مسبقة للوصول إلى حل سياسي يقبله الطرفان و يكفل للشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير، لكنه وقف على خلاصات قدمها امام مجلس الامن الدولي وتقول بانه بالرغم من أن جبهة البوليساريو أبدت موافقتها على استئناف المفاوضات المباشرة حتى في غياب تصورات جديدة فقد ظل المغرب متمسكا بموقفه من خلال رفضه الشروع في مفاوضات جديدة.

وقد حذر روس من ان الاستمرار في التغاضي عن الوضع في الصحراء الغربية والذي يستدعي حلا عاجلا بمثابة “قنبلة موقوتة” لن يتمكن أي فاعل التحكم في آثارها لوحده.

كما ابدى روس تأسفه لكون “المغرب يرفض الحديث عن مفاوضات بشان الوضع القانوني للصحراء الغربية بالرغم من أن الأمم المتحدة اقتضت ذلك و يحاول اختصار المباحثات حول تفاصيل مبادرته الخاصة بالحكم الذاتي”.

وأكد ان “المغرب الطرف المحتل للصحراء الغربية يتحمل مسؤولية مباشرة في عرقلة كل المساعي المبذولة، منذ إتفاق وقف اطلاق النار سنة 1991، لمنع تقرير مصير الشعب الصحراوي” .

ونبه الدبلوماسي الامريكي اكثر من مرة الى أن “الوضع في الصحراء الغربية يبقى جد مقلق كما يجب أن يبقى هذا الوضع ضمن انشغالات المجموعة الدولية” مضيفا أنه “إذا كان اعتقاد البعض بأن الوضع الراهن مقبول فإن ذلك يعد “خطأ فادحا في الحسابات”.

كل هذه الجهود من جانب روس كانت في صالح الصحراويين وقد اغضبت المغرب الذي اتهم روس بالانحياز لجبهة البوليساريو ورفض استمرار وساطته واعلن رفض استقبال روس وهو ادخل المغرب في صراع مع الامم المتحدة التي اصرت على تمسكها بمبعوثها الى الصحراء الغربية كريستوفروس وضغطت بعض الدول الغربية على المغرب للاستجابة للامم المتحدة ومجلس الامن الدولي وتسهيل مامورية المبعوث الاممي الى الصحراء الغربية، وقد لوحت الولايات المتحدة الامريكية بورقة حقوق الانسان وإدراج مراقبتها ضمن صلاحيات المينورسو، وعلى وقع الضغط الدولي تراجعت الحكومة المغربية عن موقفها من سحب الثقة من كريستوفر روس، وقال مصطفى الخلفي وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية انذاك، إن المغرب يأمل بأن يتحلى المبعوث الأممي بصفات الحياد وعدم الانحياز.

وبالرغم من الرفض المغربي لوساطة روس إلا ان الامم المتحدة ظلت متمسكة وتعلن تأييدها للجهود التي يقوم بها، ورفضها إقالته وتعويضه بمبعوث آخر كما يطالب المغرب بذلك.

ويبرر بعض المحللين ضغط الولايات المتحدة الامريكية على المغرب كون الاخير يعترض للمرة الثانية على مبعوث للأمم المتحدة من أصل أمريكي، وكان الاعتراض الأول غير مباشر بل تحفظا ويتعلق الأمر بوزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر الذي قدم استقالته كمبعوث في الصحراء الغربية سنة 2004 والاعتراض الثاني يشمل كريستوفر روس وهو دبلوماسي أمريكي.

كما أن واشنطن لا ترى بعين الارتياح اعتراض المغرب على مبعوث أمريكي في وقت يعتبر روس هو المبعوث الأممي الوحيد من أصل أمريكي في ملف أممي وأن الاعتراض صادر عن حليف تاريخي للولايات المتحدة.

ويعود التحفظ المغربي على مبعوثين أمميين من جنسية أمريكية تخوفا من الدعم الذي سيحظى به من طرف السفير الأمريكي في مجلس الأمن الدولي, وسبق وأن عانى المغرب كثيرا مع جيمس بيكر.

يغادر روس إذن على خطى من سبقوه من المبعوثين الامميين الى الصحراء الغربية وهو يسجل اسمه كواحد من الذين تعاقبوا على ملف لاتزال الامم المتحدة عاجزة عن احقاق العدالة فيه، بسبب المظلة الفرنسية التي تحمي احتلال المغرب غير الشرعي في الصحراء الغربية.

بقلم: حمة المهدي