حين اعتقدت السلطات المغربية ذات يوم من سنة 1972 ان أفراد القوات المساعدة ذوو الأصول الصحراوية يتعاطفون مع الشعارات التي رفعها الشبان الصحراويون في مظاهراتهم ” بالكفاح والسلاح نفدي الصحراء بالأرواح ” ” بالثورة المشددة اسبانيا تخرج غدا “حل ببلدة الطنطان جنوب المغرب قوات من “كرد موبيل” قادمة من بويزكارن لقمع تلك المظاهرات ، وقد أسفر ذلك التدخل العنيف لتلك الوحوش الآدمية عن اصابات واعتقالات في صفوف المتظاهرين السلميين، الذين كانوا  يتجنبون ما أمكن أثناء ملاحقتهم ولوج منازل المناضلين و المتعاطفين مع الارهاصات الأولى للثورة التي سوف تشعل في نفوس الناس الشوق للحرية واستقلال الساقية الحمراء ووادي الذهب..

كانت شمس ذلك اليوم تتوارى خلف ” كدية الحميدية ” حين تقدمت وانا بعمر دون ال 10 سنوات أجمع اللافتات، وباغتني أحد الجنود  يتوعدني بكلام نابي ، وقدعرف مني بعض التفاصيل عن أمر ومكان اعداد اللافتات، ثم اقتادني الى سجن الدرك الملكي أين وجدت عددا من الشبان بينهم: الشهيد الولي ، سيدأحمد البطل ، محمد الشيخ بيدالله وآخرون..  

كان الولي كعادته جالسا بين رفاقه يشد من أزرهم ، وحين علموا بانهم سيحاكمون في مدينة اكادير المغربية ، طلب مني سيدأحمد البطل ان أحضر له بعض أغراضه الشخصية من دار عائلة كان يقيم معها بالعمالة {حي سكني في الطنطان}.. تسلقت جدار السجن القصير نسبيا، على أمل عبور الواد نحو الجهة الغربية، لكن بسبب الظلام الدامس كان أن وقعتُ في الواد .. لا أذكر كم طال الوقت قبل أن أصحو من سقطتي؟ كنت أحاول رفع رأسي لأعي أين أنا، يدي اليمنى رخوة وساخنة… وجدت نفسي من جديد داخل أصوار السجن ، وكان طالب الطب البشري حينها محمد الشيخ بيدالله يقدم لي الاسعافات الاولية لليد التي انتفخت بكسرها وآلامها ونزفها لتغدو بضعفَي حجمها الطبيعيّ..

في هذا الحديث يعنينا فقط السيد محمد الشيخ بيدلله الشاب المثقف الواعي الذي انقلب على ماضيه بمقدار 180 درجة.. والذي خرج علينا هذه الأيام عبر صحافة العدو ببالون اختبارغامض يدعوفيه “رفاق الأمس الى “التصالح “بعزيمة الشجعان”  .. وهو الذي كانت قد خانته تلك الشجاعة حين جد الجد ..دعونا نتساءل أولا هل الصلح الذي ينشده السيد محمد الشيخ يتعلق بخلافات شخصية مع من يعنيهم ؟ ان كان كذلك فالصلح جائز، الا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما؟ أما ان كان الأمر يتعلق بمسار الصحراويين عامة فان الامم المتحدة تقوم “بمساعي صلح حميدة” بين جبهة البوايساريو والمملكة المغربية .. السيد الدكتور هل هذه الخرجة من من عندك أم من عند المخزن ؟ هل استفتيت قلبك بعدما رفض النظام المغربي تنظيم الاستفتاء؟  ألا تعتقد يا محمد الشيخ ان التصالح مع أبناء جلدتك دون إدانة من تسبب في تشريدهم موقف غير سليم؟ وربما تنقصه الجرأة !  ألا ترى ان الوقوف جانبا وترك الاستعمار والرجعية  تفعلان فعلهما بشعبك موقف كان ولايزال ينقصه الشعور بالواجب والمسؤولية الوطنية.. لقد جافى محمد الشيخ رفاق كانت لهم فيه آمال كبيرة ؟؟ كان محمد الشيخ ـ ب اخوتو في السيك ـ يقف موقفا سلبيا من حرب الشعب الطويلة الأمد،  ويعتبر الكفاح المسلح  نوعا من المغامرة الغير محسوبة العواقب؟ بحجة  ان الظروف لم تنضج بعد.. والشعب متخلف وغير موهل.. الخ ..مما جعل بعضهم يردد بان الطلبة اصابعهم ” ادوحسوهم البلومات ”  فكيف لهم بالكفاح المسلح ؟ لا بأس.. فلنتابع

بكثير من التبسيط تقوم الثورات غالبا استجابة لداعي الحرية والاستقلال والكرامة، والثورة في الساقية الحمراء ووادي الذهب لا تخرج عن هذا الخط .. مفجر الثورة بعدما تأكد له أن العمل السياسي وحده لا يكفي ، خصوصا بعد قمع انتفاضة الزملة 1970 ، كان رأيه واضحا وقراره حاسما : الثورة اليوم وليس غدا.. الشهادات والدبلومات في قمم الجبال ..قضي الأمر من أراد حقه يجب أن يسخى بدمه ..لا خيار الا للبنادق.. صعد الجبال وسكن القمم و تقدم الصفوف من تقدمها.. وتقاعس من تقاعس .. تابع بعضهم دراسته داخل المغرب وفي فرنسا.. والتحق آخرون بصفوف الجبهة ولو بعد حين ” منين فتحت الجزائر ابوابها وأعتمدت سفارة للج الع الص الد بالعاصمة “..

حين نتصفح اوراق التاريخ ، نجد دائما من ينبري ليجند نفسه عرابا للمحتل من أجل جاه زائل يرافقه ذل دائم يرثه من بعده اولاده واحفاده ، وواهم تمامًا من يتصور عكس ذلك .. لكن دعونا نسأل ماذا كان مصير الذين تولوا الأدبار ؟ هل مجد التاريخ أحدهم ؟ هل سمت الدول الاستعمارية شارعا او حتى مرحاضا عاما باسم أحدهم؟ والله وحده اعلم باي احتقار يعاملونهم خلف الابواب المغلقة ؟

المرتهن للأجندات الخارجية ، في العادة، وعلى ما نسمع، يعمل تحت الطاولة وفي الخفاء، ويخشى على ما تبقى من حرمته وكرامته إلا عندنا فهو خطيب المنابر .. دعوة الدكتور محمد الشيخ بيدالله لرفاقه ممن أسماهم ب”مجموعة الرباط” عبر منابر دولة الاحتلال استفزت مشاعر الكثيرين لأنها في النهاية دعوة للذل والمهانة والتبعية والاستسلام والعبودية وهذا بالضبط ما كانت ولازالت تطرحه الأجهزة الأمنية المغربية عبر نداء ” الوطن غفور رحيم “..

السيد الدكتور،هل تتذكر خطاب الحسن الثاني الموجه لعساكر الاجتياح المغربية لوطننا يأمرهم فيه باقتسام المؤن مع الاسبان وسحق الصحراويين؟ انسيت أم تريدنا أن ننسى ما تعرض له شيوخنا وأمهاتنا وشبابنا في آكدز و قلعة مكونة من أساليب القهر والتشفي في “أخوت جمالهم” كما يحلو للشلوحة وصفنا ؟ أتعتقد ان ذاكرتنا خالية من الدم والثأر من النظام المغربي.. الثأر الذي سينتقل بالعدوى الذاتية الكريهة من جيل إلى جيل؟ أتناسيت كيف كان الطيران الحربي المغربي يصب النابالم والفوسفور على أبناء جلدتك من الأطفال والنساء والشيوخ في مخيم أم ادريكة وغيرها؟ أتعتقد ان الجماهير الصحراوية ستنسى نواح البواكي ولوعة وأسى وآهات وأنين الثكالى ؟ أنسيت ايها الدكتور أم تناسيت كيف كانت طائرات الهيلوكوبتر ترمي من الجو بالصحراويين وهم احياء يرزقون في نواحي السمارة التي كنت تمثلها في البرلمان المغربي حينها؟ أتعلم ان هناك اكثر من 500 صحراوي بين معتقل ومفقود في سجون المملكة التي تدعي اليوم ان مساحات الحرية فيها قد اتَّسَعت أكثر ؟ وتستدل على ذلك بان الاستماع لاذاعة البوليساريو مُتاحاً اليوم ولا يجلب متاعبا ؟؟ أو لم تصدق بعد يادكتوران ذلك ليس منة ولا هو مكرمة من الملك .. بل هي التكنولوجيا التي جعلت العالم ينكمش ويختزل في صندوق صغير.. حيث أصبحت علبة صغيرة بحجم كف اليد يامكانها ارسال واستقبال احداث الدنيا الى كل البقاع في ذات التوقيت وفي ذات اللحظة..!!   أعتقد انك لازلت تعاني من أعراض البصري وزمراك؟؟ أين ادعاءاتك هذه من القتل والترهيب الذي يتصيد الجماهير الصحراوية بشكل شبه يومي في المدن المحتلة؟ هذه هي الحقيقة التي يشهد عليها المجتمع الدولى ومنظماته قاطبة.. وما يثير الدهشة والاستغراب السيد الدكتور ان مزاعمك تلك يفندها واقع الحال جملة وتفصيلا.

بالمختصر المفيد نرفض وقوف أي صحراوي على الحياد تجاه قضية استقلال الشعب الصحراوي وحريته ومصيره المشترك ، يجب ان نسمي الأشياء بمسمياتها ، من يسوق للاحتلال فهو مع العدو وضدنا، من والاهم فهو منهم، من هو في صفهم فهو خائن لوطنه لمصلحة بلد آخر ، خائن للداخل لمصلحة الخارج، هو اذا ضــــدنا ومعهم ، ضـــــدنا “كلنا ” ومع الآخــــر “كله”. وهذا على الاقل ما تقوله القواميس اللغوية عن العملاء، وحسب التعابير الدينية عن المرتدين..

في المقابل سيظل هذا الشعب ، يحتفظ في ذاكرته الصاحية برمزية كل الوطنيين المتعففين عن مواسم التساقط، وسيظل أيضا يتذكر بعنفوان كوكبة قادته الذين أخلصوا لشعبهم وما بدلوا تبديلا أمثال : بصيري، و الولي، و محمد عبد العزيز، و المحفوظ ، و بيكا ، وبلة أحمد زين ، والخليل , وسيدي حيذوك ، و سعيد الصغير ، وحمادة  ..وكل أبطال وبطلات شعبنا الحر الأبي