وضع سيجارته في فمه . طلب من أحد سجناء الحق العام المغاربة أن يمده ب “ولاعة” . جلس ووضع رأسه على حائط زنزانته بسجن طاطا . طاطا في الجنوب المغربي لا تنافق فصول السنة ولا تتقلب على عكس البشر, فهي باردة بجدية وقت البرد , وحارة بجدية أكبر وقت الصيف . يتأمل حال سجناء الحق العام. بتأمل حائط السجن المطلي بصباغة حمراء . اشتاق للمسكنات النضالية يوم كان أعوان السلطة لا يمر عليهم أسبوع دون أن يحملوا سطل الصباغة ذاهبين لمكان عمليته ليحذفوا شعاراته الوطنية التي خطها على حائط أحمر كحائط السجن . كيف كان يركب سيارة أجرة من بيته بشارع الحزام لمكان الوقفة بشارع التحرير , ويعترض طريقة الجلاد بحقد دفين . لم يكن كسولا في العمل الميداني , كل حراك اجتماعي أو سياسي تجده حاضرا بشارة النصر , لم يخن السياسي ولم يخن الاجتماعي كان حاضرا مع كليهما على تناقضهما أحيانا كثيرا , ولكنه تجاوز التناقضات . كل هذا يتذكره وسيجارته على حافة الإنتهاء . بخطواته الواثقة يسر لمكان الإغتسال ليتوضأ ويصلي صلاة لا تفوته في حريته كما في سجنه .

بكيلومترات كثيرة يجلس رفيق دربه في سجن اخر لا يقل رعبا عن الأول في فصل الشتاء ولا الصيف . يبحث بين زنازن السجن عن شيء لكي يكونه ويصنعه .يحاول أن يخلق جوا خاصا به داخل ضجة السجناء . يحب الصنع والإنهماك بين تعقيدات الامور الميكانيكية , يعشق الهواتف العادية , الهاتف الذكي لا يعمر عنده طويلا . يحب أن ينصب فخاً طريفا مضكحا لصديق له , ولا يطول حتى يعتذر له. اقترب من ركن فارغ داخل إحدى زنازن السجن , وجلس جلسة تأمل كحال رفيقه ولكنه لا يدخن , يتسائل :
ــ شيعدل ضريك عالي ؟
يستغرب سجناء الحق العام منه عندما يضحك وهو يجلس وحده , يجهلون أنه يتذكر بعض الوقائع الطريفة في حريته . يتذكر جنون الجلاد أثناء الاحداث النضالية . يتذكر عندما يترافق الرفاق في اتجاه مكان الوقفة وينادي ضباط الشرطة لأتباعهم قائلين :
ــ هاهو لقرع عاود تاني !!
وبعد القمع و الضرب المبرح , يعود الرفيقين لمكان هادئ ليتناولوا أطراف الحديث مع بقية الرفاق في جو كوميدي عن أحداث اليوم . القمع و التعذيب و الترهيب كل هذا عندهم لا يساوي شيء ويواجهونه بكوميديا وكأنه لم يقع شيئ . الأكيد أن سجنهم والاحكام القاسية سيواجهونها بردة الفعل نفسها . ينهض مرة أخرى يبحث عن شيء يخلق به جوه لأنه ببساطة ليس كسولا .

بمسافات أبعد . يضع معتقل خمسيني السن كأس شاي قربه , ويتناول سيجارته المهربة , لا يعير محيطه أي اهتمام , يتميز بهدوئه وصمته الدائم . هو الهدوء نفسه الذي استقبل به نطق القاضي بالحكم في حقه , لو يبدي أي حركة وكأنه لم يقع شيء . وكأنه يقول ” ماذا بعد ؟؟ ولو حكمت بالمؤبد لن أرضى أن يهان صحراوي أمامي ” .

الإحتلال غبي وأكبر مشجع .
هكذا يقولها وهو يتناول قهوته السوداء بالمقهى الذي اعتقل داخله .
الحرية لعالي السعدوني و نور الدين العركوبي و خليهن الفك .