بسم  الله الرحمن  الرحيم

salekكان لي الشرف الكبير أن حضرت كغيري من المشاركين في أشغال الجامعة الصيفية للأطر الصحراوية بمدينة بومرداس الجزائرية يوم الاثنين 15/8/2016 ميلادية محاضرة دينية بعنوان الوسطية وأهميتها  ضمن مجموعة من المحاضرات المختلفة في جميع التخصصات السياسية والقانونية والدينية وغيرها                                                                                                                                                  هذه المحاضرة التي ألقاها كل من : الأستاذ : احمد مراني وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري الأسبق . والأستاذ : يوسف مشرية رئيس رابطة علماء الساحل والصحراء وقد حظيت هذه المحاضرة بتجاوب عميق ونقاش كبير من مجموعة من المتدخلين إثراء وثناء وطرحا لبعض الأسئلة  مما يدل على أهمية الموضوع وما يتبوؤه من مكانة في واقع اليوم                                                                                                    لهذا أحببت أشير في عجالة لأتحدث عن تجليات الوسطية وأهميتها مشيرا إلى بعض المفاهيم الخاطئة في موضوع الوسطية مع اعترافي بالعجز والتقصير فالموضوع يحتاج الى بحث وتأصيل وما أنا إلا كما قال القائل : وقدرتي غير خافية والنمل يعذر في القدر الذي قد حملا سائلا الله عز وجل الله التوفيق والسداد

ما أحوجنا اليوم إلى نشر ثقافة الوسطية في عصرنا الحاضر هذا العصر الذي يشهد متغيرات كثيرة وتقلبات كبيرة وصراعات شرقا وغربا وتكالب من أعداء الأمة فدابوا على اتهام ديننا بأخطر التهم وأبشعها بالتطرف حينا وبالتزمت أحيانا وبالإرهاب دائما وأبدا لا لشي وإنما لتنفير الناس من إتباعه قد يكون هذا بسبب تصرفات بعض المنتمين لهذا الدين وقد تكون ثمة أسباب اكبر من هذا .                                                      وديننا الإسلامي كان منذ القدم وسيبقى الى ان يرث الله الأرض ومن عليها هو دين الاعتدال والرحمة والوسطية في جميع مناحي الحياة  الدينية والدنيوية لأنه دين مكتمل متوازن صالح لكل زمان ومكان وبيئة ، يجمع بين الدين والدنيا بين حظ النفس وحق الرب وبين متعة البدن ونعيم الروح فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا جفاء وهذا موجود في كثير من النصوص القرآنية والنبوية منها على سبيل المثال قوله تعالى : «وكذالك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا » وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى هذه الوسطية الجامعة  فعن عون ابن ابي جحيفة عن ابيه قَالَ: آخى النَّبِي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان ابا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ماشانك؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فَقَال: كل؟ قَال: فاني صائم قَال: ما انا بآكل حتى تأكل قَال: فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قَال: نم فنام ثم ذهب يقول فقالَ: نم  فلما كان من آخر الليل قَال: سلمان قم الآن  فَصليا فَقَال له سلمان : إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فأتى النيئ صلى الله عليه وسلم فذكر ذالك له فَقَالَ النيئ صلى الله عليه وسلم : «صَدَقَ سَلْمَانُ» رواه البخاري في صحيحه  إلى غير ذالك من الآيات والأحاديث المبينة لمعالم طريق الاعتدال والوسط

الكل اليوم يتحدث عن الوسطية بغض النظر عن الأهداف والغايات من وراء ذالك فتجد السياسي يتحدث عن الوسطية والإعلامي والداعي والإمام وغيرهم سواء من أصحاب اليمين او أصحاب الشمال حتى غير المسلمين يتحدون عن الوسطية ولكل فهمه ومرامه  من ذالك لان مصطلحالوسطية من المصطلحات الأخاذة يهواها كل احد ويكفيك في إيضاح ذالك انك إذا أردت أن تثني على احد ما ان تصفه بالوسطية والاعتدال وان كنت ذاما له سلبت منه هذا الوصف واتهمته بالتشدد والتزمت والغلو فأضحت ثوبا فضفاضا يقبل التغيير عند بعض الناس ان شاءوا وسعوه وان شاءوا ضيقوه يلبسونه من شاءوا ومتى شاءوا وكيف شاءوا وجميعهم يدعى انه فهم المعنى الصحيح وعلى ذالك يترجم الوسطية بما يراه مناسبا لتصوره  دون الرجوع غالبا إلى حقيقة المعنى الصحيح للوسطية التي جاء بها الشرع .                                                                               والعلماء رحمهم الله تعالى بينوا في تعارفهم المعنى الصحيح للوسطية ولعل من أحسن الاصطلاحات أن : الوسطية هي سلوك محمود مادي  أو معنوي يعصم صاحبه من الانزلاق إلى طرفين متفاوتين تتجاذبهما رذيلتا الإفراط والتفريط سواء في ميدان ديني اودنيوي                         فالمعنى يدور على الاعتدال وتجنب الغلو والتقصير ولهذا يقول ابن القيم : ما أمر الله به من امر الا وللشيطان فيه نزغتان : إما تقصير وتفريط وإما إفراط وغلو فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين . والمستقرئ للنصوص القرءان والسنة سيتضح له ان الوسطية هي الدين كله شكلا ومضموما معنى ومبنى .

مفاهيم خاطئة في مفهوم الوسطية

1/حقيقة التشدد والتنطع : بعض الناس يرى ان التمسك بالدين والمحافظة على أوامر الله وترك ما حرمه الله  نوع من التشدد في الدين وربما جهلا منه يستدل بالحديث الشريف في غير محله «هلك المتنطعون» وقد يكون ذالك سببا مباشرا في تنفير العامة عن سلوك طريق الحق وهذا الحديث بين معناه شيخ الإسلام ابن تيمية وموضحا مفهوم التنطع بقوله الغلو : مجاورة الحد بان يزاد في الشئ في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذالك                       فالغلو والتشدد هو مجاوزة الحد بالزيادة فيه كمن يصوم النهار ولايفطر اومن يمتنع عن الزواج  ……,

2/هناك تصور آخر يتوهمه البعض: أن التفريط في الطاعة والاستقامة  هو نوع من التوسط في الدين وهذا كسابقه تصور فاسد ولقد قرر العلماء بان مفهوم الوسطية والاعتدال هو أن تلتزم بالأوامر وتترك النواهي وتجتنب المحرمات فلا يصح أن يكون إهمال  العبادات  وتضييعها وسطية في الدين وإنما هو كيد من مكائد الشيطان لبني ادم وتفريط في حق الله الذي خلقه لعبادته قال الله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون .