يعتبر 26 من ماي 2001 يوما فاصلا في تاريخ إفريقيا ،وذلك بولادة الإتحاد الإفريقي وريثا لمنظمة الوحدة الإفريقية ،التي كان إنشاؤها أمرا حيويا ومرغوبا فيه خاصة في قارة تعرضت لظلم الإستعمار وقسوة الجهل والفقر والمرض، إذ نهبت ثرواتها وإستعبدت شعوبها بلا رحمة ولا هوادة ،لهذا كان إنشاء المنظمة بمثابة إعادة الأمل إلى تلك الشعوب والحكومات المغلوبة على أمرها بإنشاء نظام تعاوني يبنى على التضامن والتعاون والمشاركة بالقدر الذي تسمح به ظروف تلك الدول.
إن الإتحاد الإفريقي الذي أصدر الرؤساء الأفارقة في قمة لومي ماي 2000، قانونه التأسيسي يشكل دفعة قوية لإمكانية إحلال السلام والأمن في إفريقيا ،حيث يعكس القانون التأسيسي للإتحاد إدراكا متزايدا لأهمية تعزيز الأمن في القارة السمراء ،وذلك مسلم به فبدون السلام والأمن يصبح الحديث عن التنمية الإقتصادية أو الوحدة والتكامل حديثا لا معنى له.
وإنسجاما مع ماهو مطروح في العنوان سأعتمد على الخطة التالية قصد معالجة الكيفية التي تتم بها تسوية المنازعات بالطرق السلمية في ميثاق الإتحاد الإفريقي ، وهذا لن يتأتى إلا إذا قمنا  ببسط سياق قواعد التسوية السلمية على ضوء مقتضيات الوحدة الإفريقية ،على ان نفرد فقرة لقواعد فض المنازعات في الميثاق الجديد لمنظمة الإتحاد الافريقي ، لنختم بنموذج يتعلق بتدخلات منظمة الوحدة الإفريقة الاتحاد الإفريقي ألا وهو قضية الصحراء الغربية .
1- تسوية المنازعات بالطرق السلمية في ميثاق الإتحاد الإفريقي :
إن الحديث عن أحكام وقواعد التسوية السلمية في منظمة الإتحاد الافريقي ،أمر يطرحنا من أجل الفهم الجيد للمسألة في بعدها القانوني سياق هذه القواعد على مستوى منظمة الوحدة الإفريقية.
أ- سياق قواعد التسوية السلمية على ضوء مقتضيات منظمة الوحدة الافريقية :
هكذا يستهل ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية في الفقرة 5 من ديباجته الحديث بالقول ” وإقتناعا منا بأنه لترجمة هذا العزم إلى قوة دافعة تعمل على تحقيق التقدم الإنساني ، يتعين توفير الظروف المواتية للسلام والأمن والمحافظة عليه”.
لعل هذه المقدمة في ميثاق الوحدة لم تكن لتترك هكذا بدون ترسيخ لمعالمها في المقتضيات الأخرى، فهكذا تذهب المادة 3 الخاصة بالمبادئ إلى إقرار أنه “تحقيقا لأهداف المبينة في المادة 2 يؤكد أعضاء المنظمة إرتباطهم بالمبادئ الآتية :التسوية السلمية للمنازعات عن طريق التفاوض أو الوساطة أو التوفيق أو التحكيم.” غير ان هذه المادة إن أعدنا قرائتها بطريقة البرهان بالخلف فإن معناها سيدل على أنه ليس من مبادئ المنظمة تسوية المنازعات سلميا عن طريق المشاورات والتحقيق والمساعي الحميدة والقضاء…
وإذا ما أخذنا بهذا الطرح ثم ربطناه بمقتضيات المادة 26 من نفس الميثاق ” يسجل هذا الميثاق بعد التصديق عليه لدى سكرتارية الأمم المتحدة عن طريق إثيوبيا طبقا لأحكام المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة ” والتي تحيل بدورها إلى المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة والتي تقول في فقرتها الثانية ” ليس لأي طرف في معاهدة او إتفاق دولي لم يسجل وفقا للفقرة الأولى من هذه المادة أن يتمسك بتلك المعاهدة او ذلك الإتفاق أمام اي فرع من فروع الأمم المتحدة.” ومحكمة العدل الدولية فرع من الفروع، فهذا دليل واضح على أن لهذه المحكمة كامل الصلاحية في البث في النزاعات الإفريقية عكس ما تقتضيه عبارات المادة 3 في فقرتها الرابعة.
وعلى ما يظهر فإن توجه المادة 3 المنتقد، إن كان كذلك فقد تأسس في إختيار وسائل التسوية المشار إليها اعلاه بناء على ما تقتضيه المادة 19 الخاصة بلجمة الوساطة والتوفيق والتحكيم، وهي ذلك الجهاز شبه القضائي الذي أنشئ ضمن الهيئات العاملة لمنظمة الوحدة الإفريقية لغاية تسوية المنازعات بطريقة سلمية وهو ما نصت عليه المادة السالفة الذكر.
وعلى العموم فقد أقر المؤتمر الذي عقد بالقاهرة في شهر يوليوز 1964 بروتوكول الذي وافق عليه مؤتمر رؤساء الدول والحكومات وهذا البروتوكول تضمن القواعد الخاصة بتشكيل هذه اللجنة ونشاطها وهي تتكون من 21 عضوا ينتخبهم مجلس رؤساء الدول والحكومات ،وقد تم إنتخاب هؤلاء الأعضاء أثناء إجتماع أكرا في أكتوبر 1965.
وتختص هذه اللجنة بالمنازعات التي تقع بين الدول الإفريقية على أن إختصاصها إختياري محض ،وليس لها ان تمارس النظر في أي نزاع الإ بموافقة الدول الأطراف في هذا النزاع، غير انه وإن كانت المادة 19 قد حسمت بمعية المادة 3 في جهة التسوية وطريقة التسوية إلا أن الإشكالية تظهر من جديد مع وجود إستثناء صريح على مستوى الميثاق وهو يظهر بجلاء على مستوى مقتضى المادة 27 من نفس الميثاق حيث تقول : ” يفصل في أي مسألة تثار بشأن تفسير هذا الميثاق بأغلبية ثلثي أعضاء مؤتمر رؤساء الدول والحكومات.”
ب – قواعد وأحكام فض المنازعات في الميثاق الجديد لمنظمة الإتحاد الإفريقي :
من خلال تصفح الميثاق الجديد للمنظمة يظهر لنا مدى الإهتمام الكبير الذي يكنه لمسألة تسوية المنازعات ،فهي ظاهريا خصت 4 مواد أساسية وأحد بنود الديباجة للحديث عن هذا الموضوع وهكذا فإن البند 8 من الديباجة يأسس مبدئيا لضرورة النهج السلمي في فض المنازعات فيقول : “وإذ ندرك ان ويلات النزاعات في إفريقيا تشكل عائقا رئيسيا امام التنمية الإجتماعية والإقتصادية لقارتنا ،وان هناك حاجة إلى تعزيز السلام والأمن والإستقرار كشرط أساسي لتنفيذ برنامجنا الخاص بالتنمية والتكامل.” وتأسيسا على هذا أقرت المادة 4 من الميثاق الجديد على أن : ” يعمل الإتحاد وفقا للمبادئ التالية: تسوية الخلافات بين الدول الأعضاء في الإتحاد بوسائل مناسبة يقررها المؤتمر .
إن الملاحظة المباشرة لمقتضيات المادة توحي للقارئ بأنه قد حدث تغيير على مستوى صياغة هذه الفقرة مقارنة مع نظيرتها في الميثاق الأول التي دعت للتقيد بوسيلة التفاوض والتوفيق والتحكيم ، وهو أمر أظهرنا الخلل فيه كما سبق.
ولعل الصياغة الحالية للميثاق تعد أحسن بكثير من نظيرتها الأولى ، رغم أنها لا تزال في تحفظ على مستوى الإختيار من خلتل وضع قيد كامن في أن مؤتمر رؤساء الدول والحكومات هو من يتكفل بإختيار الوسائل المناسبة، وما يتضح كذلك في القراءة لنصوص الميثاق هو توسيعه لنطاق إختصاص مؤتمر رؤساء الدول والحكومات الذي كان يختص في منازعات التفسير فقط، فاصبح يشمل ما تحدثنا عنه في المادة 4 كذلك ما تقتضيه المادة 9 في إطار حديثها عن سلطات ومهام المؤتمر حيث تقر بانه “تكون للمؤتمر المهام التالية: إصدار توجيهات إلى المجلس التنفيذي حول إدارة النزاعات والحروب والحالات الطارئة الاخرى وإستعادة السلام ” وهذا يعني من جهة أخرى أن المجلس التنفيذي أصبحت له صلاحيات غير مباشرة لتسوية المنازعات.
وتجدر الإشارة إلى أن التعديل الذي طرأ على ميثاق منظمة الوحدة ،قد أحدث تغييرا جدريا على مستوى أجهزة المنظمة وهذا ما يشمله صراحة إلغائه لجنة الوساطة والتوفيق والتحكيم لتحل محلها محكمة العدل للإتحاد وفق ما أكدته مقتضيات المادة 18 ” يتم إنشاء محكمة عدل تابعة للاتحاد ،يتم تحديد النظام الأساسي لمحكمة العدل وتشكيلها ومهامها في بروتوكول خاص بها” وإذا ما أردنا أن ندقق فيما اتت به المحكمة فإننا نرى أن التعديل الجديد كان واعيا بخطورة ما كان قائما في ظل ميثاق الوحدة ،بتخويل مؤتمر المنظمة لألية تسوية المنازعات التي تنشب حول تفسير مقتضيات الميثاق ،فقام الميثاق الجديد بتحويل الإختصاص إلى محكمة العدل الإفريقية فالمادة 26 نصت على أن ” تنظر المحكمة في المسائل المتعلقة بتفسير هذا القانون والتي تبرز عند تطبيقها أو تنفيذه وريثما يتم إنشاء المحكمة فإن مثل هذه المسائل تحال إلى مؤتمر الاتحاد الذي يبث فيها بأغلبية الثلثين” وليتجنب في ذلك ما كان خطأ جسيما في ميثاق المنظمة الأولى كما تم إضاحه سلفا.
2 – تدخلات منظمة الوحدة الإفريقية الاتحاد الافريقي في قضية الصحراء الغربية وفقا لمقتضيات التسوية السلمية:
يمكن تحديد البديات الأولى لملامح قضية الصحراء الغربية مع إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 1514 بتاريخ 14 من دجنبر 1960 المتعلق بمنح الإستقلال للبلدان المستعمرة ، وقد اصدرت الجمعية العامة توصية تحت رقم 2072 بتاريخ 16 دجمبر 1965 دعت فيها المحتل الإسباني إلى إتخاذ تدابير مستعجلة لتحرير الصحراء الغربية من الإحتلال الإسباني ،ليلي ذلك القرار رقم 2354 الصادر عن الدورة 22 بتاريخ 19 دجنبر1967 والذي طالب بإجراء إستفتاء وتمتيع الصحراويين من حقهم في تقرير المصير ، ومع حلول 23 دجنبر 1974 قامت الجمعية العامة في دورتها 29 بإصدار قرار رقم 3292 الذي يعلن عن نقل الموضوع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي والتي لم يثبت لديها وجود روابط قانونية، من شأنها أن تؤثر على تطبيق القرار 1514 المتعلق بتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، و على الخصوص تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر و الحقيقي عن إرادة سكان المنطقة، ليخرج المستعمر الإسباني من الأراضي الصحراوية عقب إتفاقية مدريد المشؤومة  لتنشب حرب التحرير بين الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواذي الذهب والمحتل المغربي.
هذا ما مان السبب الرئيسي في عقد مؤتمر نيروبي في سنة 1981 والذي إنتهى بإعتراف 26 دولة إفريقية بالجبهة الشعبية وهو ما كان سببا مباشر في إنسحاب المحتل المغربي من منظمة الوحدة الإفريقية.
لتتنامى وتيرة الدعم الإفريقي بعد ذلك لتتوج بإنضمام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية للمنظمة القارية في عام 1984 وذلك إعترافا من القارة السمراء بمشروعية كفاح الشعب الصحراوي وحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والإستقلال، وردا قويا على سياسة المغرب التوسعية وخرقه السافر لمقتصيات ميثاق الأمم المتحدة.
إن منظمة الوحدة الإفريقية بذلت جهودا هائلة لتسهيل وتفعيل مهمة الأمم المتحدة لتصفية الإستعمار من الصحراء الغربية ،وفي الواقع وحسب المعلومات التاريخية فإن الفضل في بدأ عملية السلام الحالية في الصحراء الغربية يرجع الى المساهمة النشطة والكاملة لمظمة الوحدة الافريقية وبوجه خاص ،كانت اللائخة AHG/RES 104  المتبناة في القمة التاسعة عشر لرؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية المنعقدة في أديس أبابا في الفترة الممتدة من 6 الى 12 يونيو سنة 1983 ،قد شكلت حجر الزاوية في جهود الأمم المتحدة اللاحقة لحل نزاع الصحراء الغربية وكما هو معلوم فقد نصت اللائحة المذكورة رسميا على ” حث طرفي النزاع على إجراء مفاوضات مباشرة لتحقيق وقف إطلاق للنار لتهيئة الظروف اللازمة لإجراء إستفتاء سلمي وعادل لتقرير مصير الشعب الصحراوي ، إستفتاء بدون أية قيود إدارية أو عسكرية تحت رعاية منظمة الوحدة الإفريقية والأمم المتحدة.
وهكذا فقد فقد شكلت اللائحة الإفريقية 104 الجوهر السياسي والمرتكز الأساسي للمقترحات المشتركة وخطة التسوية المقترحة من قبل منظمة الوحدة الإفريقية والأمم المتحدة والتي تم قبولها في غشت 1988، وتم التصديق عليها من قبل مجلس الأمن في قراريه 658 سنة 1990 و 690 سنة 1991 ،وكما هو معلوم كان هدف خطة السلام هذه إجراء إستفتاء عادل ونزيه للشعب الصحراوي.
منذ البداية ومنظمة الوحدة الإفريقية ( الإتحاد الإفريقي حاليا) تلعب دور الشريك الكامل للأمم المتحدة في عملية السلام في الصحراء الغربية ، وهي ما تزال ممثلة في بعثة الأمم المتحدة (المينورسو) وفقا لأحكام خطة التسوية الإفريقية الأممية.
وقد إنعكس هذا الموقف في العديد من القرارات التاريخية التي إتخذتها منظمة الوحدة الافريقية والإتحاد الإفريقي فيما بعد بدءا من اللائحة 104 المتبناة مرورا بخطة طرابلس التي إعتمدتها الدورة الخاصة لمؤتمر الإتحاد الافريقي المتعلقة بدراسة وحل الصراعات في إفريقيا ،المنعقدة بطرابلس بالجماهيرية الليبية في 31 من غشت 2009 ، وقد أكد الإتحاد من خلال خطة عمل طرابلس دعمه للتوصل إلى حل يقوم على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ، ودعا إلى تكثيف الجهود الراميية إلى إجراء إستفتاء عادل ونزيه قصد تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة إختياره، ليلي بعد ذلك إصدار قرار شجاع و تاريخي يحسب  للإتحاد الإفريقي تمثل في تعيين مبعوث خاص له مكلف بقضية الصحراء الغربية، هو السيد جواكيم ألبيرتو شيسانو، ويبرر الاتحاد الإفريقي اهتمامه بكفاح الشعب الصحراوي بأنه يجري في القارة الافريقية ويتعلق بمستقبل دولة عضو وبملف من ملفات التصفية الكولونيالية.
لائحة المراجع المعتمدة :
* د.عبد الكريم علوان خضير ، الوسيط في القانون الدولي العام الكتاب الأول، المبادئ العامة، دار الثقافة عمان – الأردن ط1.
* د.محمد الرويفي ، المنظمات الدولية، مكتبة المعارف الرباط، ط1، 1976.
* د.صلاح الدين عامر ،مقدمة لدراسة القانون العام، دار النهضة العربية القاهرة،2007 ، ص 273.
* ميثاق الأمم المتحدة ،الصادر بمدينة سان فرانسيسكو في 26 يونيو 1945.
* ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية.
*ميثاق منظمة الاتحاد الإفريقي.
بقلم : حسن الداه ،