شاءت أقدارنا أن نشارك نصف عراة وفي العراء في فعاليات الإحتفالات المخلدة لنصف عقد منذ إعلان الدولة الصحراوية في مطلع 1981 والتي أُسست لتستر الصحراويين من إهانات الزمن، وكان المشرفين والمسؤولين على تلك الفعاليات يصرخون بملء الاشداق بشعارات رنانة وناعمة تسحر القلوب قبل الآذان ليتبين بعد ذلك أنها كانت مجرد شعارات.

ونظرا للعديد من العوامل الموضوعية والنفسية لدى الإنسان الصحراوي البسيط أي لدى الجماهير الصحراوية لم نهتم كثيرا بشعارات القوم ولا بكلماتهم فقد كنا نذوب في مطاردة الأمل بالعودة القريبة الى ارض الوطن والتي تبين ايضا أنها كانت أماني بعيدة المنال أو حال دون قربها سوء التدبير.

ودار الزمن وطوتنا الأيام وعصرتنا البرامج والاحتفالات والفعاليات وتنوعاتها وكثرة تلاوينها مع عصف الأمواج التي تعصف بواقعنا السياسي المرير، وكنا جميعا جزءا أساسيا من تنفيذ وتجسيد المراد من برامج وخطط سواء منها السياسي المتعلق بيوميات الحركة السياسية جبهة البوليساريو (10 / 20 ماي) أو المتعلق بمحاولة تجسيد وترسيخ كيان الدولة الصحراوية الفتية (27 فبرائر/05 مارس/ ذكريات: تأسيس المجلس الوطني، الراديو الوطني، الوكالة الإخبارية، التلفزة….إلخ)، وفي الواقع فالتماهي بين تنظيمنا الوطني الثوري ودولتنا كان ولا يزال يسير بتخبط وسكر وتمايل لن يستقيم مادام العود أعوج.

وفي الزمن القريب اصابتنا التخمة من كثرة الإحتفالات التي تتم كلها في العراء وفائدتها أقل بكثير من متاعبها وتكاليفها، فهذه ذكرى إعلان، وتلك لتاسيس، وهذا مهرجان سنوي للثقافة، وذاك آخر للسينما، وحضرت الخيمة بدورها التي ربما سيسهم الرفع من شأنها في دق الوتد للمنفى الأبدي وبقاء أذهان الصحراويين كالأنعام يدورون في فلك الغيم والخيم والماعز وتفويت فرصة كانت ـ وربما مازالت ـ سانحة بتحويلهم إلى مجتمع متمدن بعيد عن زرائب القبيلة.

الشاهد على زمن البدايات ذاك إبان حرب التحرير، ومن عايشه سيلاحظ بدون عناء روعة الأجواء وعذوبة الخطابات وراحة النفس والبال في أوساط البسطاء، وسيكتشف وهو الأهم كيف يمكن تحريك أمواج البشر عندما يوجد الإنسجام بين القول والفعل أو على الأقل ترهن أذهان الجماهير بذلك.  ولكن رحى الزمن التي لا تتوقف عن الدوران لها تأثيرها على كل شئ ومن تفطن ولم يناور لتفادي التأثير سيدفع الثمن، ومن لم يتفطن كان الوقع عليه أشد. ومن الصعب الجزم أو التدقيق في موقف تنظيمنا من ذلك أي هل تفطن وأغمض العين أم سها ونحن ندفع الثمن.

هل نتساءل ماالذي جرى لنا؟ لماذا ماضينا ذهبي وحاضرنا بلا لون واضح؟ لماذا لسنا نتغير مع الطبيعة كغيرنا؟ ستتخمنا الاسئلة كما أتخمنا الغدو والرواح في العراء في اشباه كرنفالات لملء الفراغ وملء افواه الأطفال والنساء من تراب المنفى البائس، وملء قلوبهم من القنوط واليأس، لأنهم يقضون أسابيعا في التدريب والتحضير لأداء عروض غير متقنة لأنها بلا ثمار ولأنها مستمرة لعشرات السنين على أرض الآخرين. ولأنه في الزمن القريب اصبح من كانوا يديرون شؤوننا (هم أنفسهم منذ أربعين عاما) غريبون عنا ولا يسكنون معنا في منفانا الذي يصفونه بالوردي، بل يتجرأون على المبيت والسكن في بلد مستقل بجوارنا، يأتوننا صباحا ليعلمونا دروس الصمود ويعودون في المساء إلى مدينتهم، يخرجون من البلد المجاور ويجدوا في أنفسهم الجرأة ليجلسوا على منصة الإشراف على إحتفالات لا تعنيهم في شئ سوى الفرجة.

هكذا هو مآل من يلوك علكة لزمن أكثر من اللازم، حين تفقد الأشياء الرائحة والطعم والنكهة، حين يبلى الجوهر في حين يقوم المسؤول برش الالوان البراقة وتعليق الشرائط الملونة على أرض جرداء فارغة، ويدعي بعناد بأنها تنبض بالحياة في حين يحترق الزمن بين يديه ويحرق معه الاجيال في ما يشبه عرض السيرك الداعي إلى الشفقة أكثر منه إلى الزهو والبهجة والإحتفاء.

آن الأوان للتفكير بتمعن في الكثير من الاشياء التي نبرمجها وننفذها في المنفى، حان الوقت لنتحلى بالشجاعة ونراجع حالنا ومآلنا، وندعو الله أن لا يكون الوقت قد فات لنتدارك ما كنا نسعى للحصول عليه ونحلم بتحقيقه ودفعنا في سبيله من الثمين والثمن ما لن يعود بغطرسة التفكير المتعنت والعزة بالإثم وفرعنة المقولة المعروفة أنا ومن بعدي الطوفان.

سرعة الوقت ومروره أبلت وأبهتت الإلهام واصبح محله جرعات من الإيهام، ومع الالهام يستمر الأمل أما مع الإصرار على الإيهام فلن نجني إلا الألم.

حمادي البشير