سيمُرُّ اليوم (5 مارس 2016) بان كي كون, بشكل يثير الإنتباه والحفاوة والقلق, مثله مثل أي أمين عام للأمم المتحدة, ومثل أي رئيس دولة, وأي ملك, وأي سحابة.. وأية زوبعة. لكن الذي لا نعرفه حتى الآن هو إن كان لون وعمق الأثر الذي سيخلفه الرجل سيختلف عن سابقيه الذين مروا على رمال الصحراء, أم أنه “يقع الشاعر على الشاعر كما يقع الحافر على الحافر”.
كل أسلاف بان كي مون في المنصب منذ أربعين عاما كانوا يمرُّون على أرضنا المحتلة مرور “الحبر على الورق”!, من كورت فالد هايم, إلى خابيير بيريز دي كوييار, إلى بطرس بطرس غالي, إلى كوفي عنان, وإلى السيد بان كي مون في هذا الوقت, وما جاء أحد منهم إلينا بـقطرة من دموع الفرح. نحن مشغولون بالنصر وهم مشغولون بـ”حل”!.
نعلم بأن همومهم شتى, ومشاغلهم كثيرة, ورزنامات عملهم تملأ وقتهم حتى الثواني, وتنغص أحلامهم أحيانا عندما ينامون, وربما مرِّرت كؤوس قهوتهم كثيرا في الصباح وفي المساء, لأنهم يُقلبون الأوراق والأفكار ويركزون الجهد حتى الإرهاق والتوتر والتململ, لكنهم ذَوُو صلاحيات مجردة عن التنفيذ, جنود سلاحهم لا يَقتل “الأهداف العدوة” وإنما يحاصرها أحيانا ريثما تتدخل القوة العظمى, لذلك كانوا يمرُّون فوق رؤوسنا, نحن الصحراويين المقسمين المحتلة أرضنا, مرور السحابة, التي بها رعد وبرق وليس فيها ماء, على الأرض الجدباء التي تنتظر طويلا غيثا من السماء.
هم “جنود” الأمم المتحدة, وهي غير متحدة, ومن كانت قيادته غير متحدة فأفكاره كذلك شتى و لا يدري ما يقول, والذي يحكم المنظمة هو مجلسها للأمن وهو الهيئة الوحيدة التي تأمر بالحرية والديمقراطية وهي مثل “الكتاب الذي يأمر بالطهارة ولا يمس الماء”!, الجهة الوحيدة العجيبة في هذا العالم الذي يتحكم خمسة من أعضائها في عشرة, و كلمة واحدة فقط لواحد من الخمسة, هي السيد “الفيتو”, تسكت باقي الأصوات وتقطع السنة الكل, وهذه هي “الديمقراطية”!.
نطلب من الأمم المتحدة أن تساعدنا لنأخذ حقنا في تقرير المصير وهي الأحوج منا إلى تقرير المصير. نطلب منها أن ترفع عنّا الظلم والإحتلال, ونسأل في نفس الوقت هل كانت لدفع غوائل البشر والطبيعة وتحقيق العدالة وحقوق الإنسان على الأرض, أم أنها فقط “شركة كبيرة” تخدم مصالحها ولا يهمها إن تضرر الآخرون من أدخنة ونفايات مصانعها, أو ماتوا من مرض أو حر وبرد وجوع وعطش؟!.
وضَعنا الثقة الكبيرة وأحسنّا الظن في هذه الهيئة الدولية المحترمة, وكذَبْنا على أولادنا لكي نكون معها صادقين لكنها خانت الثقة وأخلفت الوعد وخيبت الظن وأهدرت كثيرا من الوقت والإمكانيات:
ـ لم تطبق قرار مجلس أمنها 690 (1991) القاضي بتنظيم إستفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية في ظرف سنة, فقد إنتظرناه ربع قرن من الزمن وظل حبرا على ورق.
ـ لم تحْمِ المنظمة “الأم” حقوق الإنسان الصحراوي داخل مدنه ودُورِه المحتلة من بطش الإحتلال المغربي, ولم تحقق في الإغتيالات المشبوهة البشعة التي طالت شبَّانا ورجالا صحراويين مدنيين عزل داخل سجون هذا الإحتلال, وبين أسنان جدار العار.
ـ لم تـُـخلص ولا سجين سياسي أو حقوقي مدني صحراوي واحد, من بين عدد, من براثين الأحكام العسكرية المغربية الجائرة, التي تجرِّم ـ وتحكم بالمؤبد ـ من يقول نعم للحرية والكرامة والحق في تقرير المصير!
ـ لم تكلف الأمم المتحدة “نابشا” في مخابئ الأرض, في المغرب أو في الصحراء الغربية المحتلة, علها تعثر على رفاة واحد أو إثنين أو عشرة من المفقودين الصحراويين البالغ عدد المدنيين منهم أكثر من 500 ولو أنها فعلت لشكرناها كثيرا, وكثيرا جدا.
والأمم المتحدة تعلم بأن صحراويا واحدا إذا فـُـقِدَ قتيلا أو سجينا يساوي عددا كبيرا من أفراد شعب المغرب نظرا لقلتنا عدديا, وهذه القلة الملعونة, زيادة على القرب الجغرافي, والثروات الطبيعية الهائلة (الملعونة هي أيضا) لأرضنا, هي ما شجَّع الإحتلال وجعلنا ضحايا اللجوء والقمع والتعذيب والقتل الممنهج والطمر الجماعي تحت الأرض.
ـ لم توقف الأمم المتحدة عمليات نهب واستنزاف ثروات الصحراء الغربية التي باتت عائداتها الضخمة يوظفها نظام المغرب لشراء ذمم وضمائر أشخاص ومؤسسات بكاملها في أماكن مختلفة من العالم, لتوريطهم إلى جانبه في الإجرام, مُشَكّلا منهم “حزاما أمنيا” آخر لا يختلف من حيث المعنى عن حزامه العسكري الذي يُقسِّم الصحراء الغربية ويشكل استمرارا للحرب من جانب واحد.
بان كي مون, ثامن أمين عام للأمم المتحدة, رجل مثقف وحكيم وناضج دبلوماسيا وزمنيّاً, فهو و المنظمة دَشّنا عقدهما الثامن من العمر, لكن السيدة الأمم المتحدة, التي تكبر السيد الأمين العام بعام, أكبر منها في الواقع ومجلس الأمن الدولي, ومصالح هذا الأخير هي “المخلوق” الوحيد القوي الذي يستطيع أن يرفع الحق والعدالة وجميع القوانين والنظم, والهيئات الأخرى جميعها في العالم, إلى السماء ويطرحها أرضا!, فهل مع ذلك الواقع المزري يستطيع السيد بان كي مون بـ”عضلات الحكمة” أن يدحرج مشكلة الصحراء الغربية العجوز إلى مثاها الأخير؟.