يتمدد الصراع مع العدو الان الى مستويات و آفاق رحبة لعل اصعبها “الصراع الفكري” , و لم تعد القضية الصحراوية حبيسة الحقوق و العدالة التاريخية و الاحقية القانونية في المواثيق الدولية و القرارات الأممية بل تعدت ذلك الى احقية و كفاءة الانسان الصحراوي و قدرته على إضافة انسان جديد او بالأحرى التعرف عليه كشخصية متميزة عن غيرها و إضافة فكر جديد يقدم للعالم الحلول لمآسيه و مشاكله و مشاغله و ما اكثرها .

و لعل المتتبع للتغييرات العميقة في منظومة العلاقات الدولية التي تشهد نسيجا معقدا من مد الحبال و ربط العلاقات في محاولة كل دولة على حجز اكبر عدد من الكراسي في التجمعات و الندوات و المنتديات و التظاهرات الدولية كي تبقى في دائرة الضوء و كي تستطيع ان تربط علاقات مع العالم لتحل مشاكلها السياسية و الاقتصادية و تجلب الى شعوبها مزيدا من المعونات المادية منها و المعنوية.

و الأدلة كثيرة للبرهان على ان شخصية الانسان او الشعب يجب ان يفرضها بإيمانه أولا بقدراته و اقتناعه بثقته في نفسه و نسوق لا الحصر احقية الشخصية الكوبية رغم الحصار العالمي و تخلى اكبر سند لها الاتحاد السوفيتي و استفراد الغرب الامبريالي بها و حملات التضليل و التشويه للنظام الكوبي الا ان الانسان الكوبي استطاع اقناع العالم بانه إضافة لا غنى عنها , و لم يكن ذلك حديث صدفة بل كانت سياسة ثابتة اعتمدت على الاستثمار في الانسان.

و لعل اهم استثمار هو في الانسان حيث انعدمت الثروات الطبيعية و طال الحصار الجائر , فكان لزاما على القيادة الكوبية البحث عن سبل و طرق للخروج من المأزق و كان صنع و انتاج جيل من أبناء الوطن يستطيعون مقارعة العالم .

و ظل و لا يزال التعليم و التربية هو اول خيار من اجل تكوين الشخصية المتعلمة و التي تحمل سلاح المستقبل الذي بغيره لا يمكن التواصل مع العالم , و هو الثروة التي لا يمكن حصارها و لا الضغط عليها .

و رغم سياسة التشكيك في النهج الكوبي الا ان اليونسكو اقرت أخيرا على اعلى مستوى ان التعليم الكوبي كان الاحسن على مستوى العالم من حيث ان الدولة الكوبية ساهمت في صنع الحضارة الإنسانية من خلال انسانها حيث قايضت مع فنزويلا البترول مقابل الأطباء و كان مهندسوها و اطباؤها و اطرها هم المعدن و الخام النادر الذي اعان و لا يزال الانسان في كل مكان على تجاوز المحن و كان إضافة حقيقية للبشرية جمعاء . و لعل أولى نتائج ذلك هو التقارب الكوبي الأمريكي الذي صرح الزعيم الكوبي ان الدولة المجهرية ركعت امامها أخيرا العملاقة قائدة العالم الولايات المتحدة الامريكية.

و هو ما نجحت فيه دول كاليابان و غيرها , و الهدف هذا هو ما قتل جرائه و يقتل الان علماء بغداد و مهندسوها و خبراؤها…

ان الشخصية المتميزة المثقفة المتعلمة التي تعصي على الذوبان و التماهي هي التي تصلب فيها روح المقاومة , فالدول تماما كالاشخاص كل له تأثيره و رؤيته و تصوره , و منهم من يتبع شخصية أخرى و يبقى مستسلما لتأثيرها و لا يثق في نفسه و قدراته كالطالب الذي يغش من زميله في الامتحان رغم ان إمكانية النجاح و التعلم متوفرة للجميع…

ان الابتعاد عن رؤية واضحة لما ستكون عليه الدول يعتمد أساسا على ترتيب الأولويات , الانية و المستقبلية و من يفكر في حل مشاكل انية , ليس كمن يفكر في شعب كيف يكون بعد 50 او 100 سنة , و ذلك هو الاختلاف بين القائد المفكر في المستقبل و الذي لديه تصور واضح عن المستقبل و الذي لا يمكن ان تعصف به المتغيرات الآنية و القائد الذي يفكر بتفكير اللحظة و ليست له الا خطة آنية و تفكير سطحي او قل موسمي.

ان الدولة الصحراوية و الشعب الصحراوي استطاع انتاج تجربة فريدة في الخروج من مأزق العدمية السياسة كتعبير للولي مصطفى السيد الى دولة رغم ضعف الإمكانيات .

ان المدارس الوطنية 12 أكتوبر و 9 يونيو و مرافقة ابناءنا في كل مناطق العالم قد أخرجت اشبال و اطر و مناهج وطنية فريدة هي عصارة مجهود وطني بحت . و مهما قيل فان تجاربنا تنتقل اليوم الى دول أخرى استقلت منذ الستينات و لا الحصر حيث قامت الجزائر مؤخرا بفتح مجال لاشبال الجزائر مثل تجربتنا تماما و كذلك فعلت موريتانيا أخيرا , و كانت تجربتنا القتالية و النضالية تدرس من تجارب الشعوب عند ارتيريا و جنوب السودان و غيرها .

ان الانبهار بتلك التجارب اخذنا نحن قبل غيرنا و كنا ننتج المقاتل الصحراوي الذي لا يعرف المستحيل و المرأة الصحراوية التي تقود اليوم واجهة النضال ,,,

ان الطريق التي كنا ننتهج واضحة , كانت الأولوية هي تحرير الوطن و لم يكن يمكن ذلك الا بتحرير الانسان من عبودية الجهل و التخلف و كانت حملات شعواء على فرض التمدرس على كل الشعب و فرض التمدن و نبذ الخرافات و التدجيل و حب الذات على المصلحة العامة .

كان لزاما ليتم كل ذلك بتنظيم العمل , و كان البيت الصحراوي رغم قلة الإمكانيات البشرية و المادية منظما جدا جدا مما اعطى القدرة على التحكم في توجيه القدرات و القوى الى صنع المستحيل و الابهار و كانت اللجان الشعبية من الطرق الناجحة التي و ان استوردت الا ان ذلك لم يمنع من تفعيلها حتى أعطت نتائج لا حصر لها .

ان المشكل اليوم لا يمكن حصره في قلة الإمكانيات لا البشرية و لا المادية ابدا , و لكن في كيفية تنظيم هذه القدرات و تفعيل هذا التنظيم ,

ان من يدلف الى بيت به كل الإمكانيات و هو غير مرتب فانه سيشمئز لا محالة , و لن ير تلك الإمكانيات لا جمالها و لا أهميتها

فترتيب البيت أولوية قصوى , و هو ما عملت عليه الدولة الصحراوية من خلال المؤسسات , غير ان نجاعة تلك المؤسسات و قدرتها على النجاج لا تأتي الا بمتابعتها و مرافقتها يوما بيوم و لن يكون ذلك الا من اجل سندها و دعمها بالافكار و الرؤى و البحث عنى الخلل من اجل القضاء عليه و انتاج بديل لكل المشاكل المتعلقة به …

ان مكاتب الدراسات هي الحل الناجع الذي يعتمده العالم اليوم و كل الدول الناجحة و هو يعبر عن روح الجماعة و تعدد الرؤوس و الأفكار …

و تخسر دول العالم الأموال الطائلة من اجل هكذا دراسات و بحوث و يغلب على تلك الدراسات مطابقتها للواقع و هي عبارة عن جنى لثمار سياسة التعليم و الأموال الطائلة و الوقت و الجهد التي ضحى بها الوطن من اجل الوصول الى من يوصل الدول الى الأهداف التي تحل بها مشاكلها و تبسط بها التحديات الى مفردات يسهل التعامل معها و التي في الأخير تعطى أيضا تصور علمي واضح لصاحب القرار كي يتخذ القرار السليم , البعيد عن الخطأ او الارتجال .

ان الانسان الصحراوي الذي بدأ يتعرف عليه السويدي و الأمريكي و الافريقي اصبح هو الرهان , و ان من اهم المقاييس هي نضج الانسان و تميزه عن غيره في جيرانه , و لن يقبل الانسان الصحراوي كانسان مفيد ان كانت لغته جزائرية و نظامه جزائري و منهجه التعليمي و ثقافته لدولة أخرى مهما كانت , و لن يقبل كذلك ان كان مغربيا او موريتانيا , و لا يحتاج العالم الى نسخ مشوهة لشعوب و دول أخرى لإنباتها في الصحراء الغربية , و انه من الخطأ المميت التشبه بالآخر و ان مسؤولا صحراويا يتلفظ بعيدا عن لغتنا و كلامنا بعيد عن تمثيلنا بل عن غير قصد يردم لغتنا و ثقافتنا بتغليب لغة الاخر , بل يجب نبذ الانسلاخ و الذوبان في الاخر مهما كان الانبهار بقدراته او إنجازاته و تجاربه و حبه و الثقة به و يجب التماهي و الاعجاب و الثقة في النفس و القدرة على إيصال صوت الشعب الصحراوي وفكره و رؤاه بلغته و ثقافته و علمه و قدراته و هي فقط الكفيلة بإقناع العالم و التعرف علينا و تمييزنا و بالتالي الاعتراف بنا اليوم او غدا.