أيام قليلة تفصلنا عن موعد إنعقاد المؤتمر الشعبي العام، أعلى هيئة سياسية في الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، أو بكلمات واضحة مصدر قرارت الشعب ومنبع سياساته وخططه. ولاوجود للخلاف أبدا على أهمية الحدث وخصوصيته الظرفية في الأحوال العادية فما بالك والحركة لاتزال حركة تحرير تتحكم في لجام أمة لا زالت تبحث عن الوجود والإعتراف، وتتولى الدفاع عن وطن لا يزال منقوص السيادة.

قبل قرابة ثمان سنوات من الآن وعشية إقتراب عقد المؤتمر الشعبي العام 12 للجبهة، إحتدم نقاش ملتهب (كالعادة مع إقتراب كل موعد مماثل)، وكنت ساهمت فيه بالقول أن السفينة (الحركة) تتقاذفها الأمواج العاتية وتبحث بمشقة عن بر الأمان، قبطانها والركاب ينظرون إلى اليابسة ولا يمكنهم بلوغها، يدركون أن العائمة تتحرك ولكنها لاتتقدم، تارة تراوح مكانها وأخرى تتماوج مع الريح والموج، ويدركون أيضا أن العلة موجودة على ظهر البارجة وأنه عليهم معالجتها. وكان التساؤل في نهاية كل النقاشات هل سيفضي المؤتمر 12 إلى ما يجعل السفينة تتحرك إلى الأمام، وتبلغ مرادها وغاية الركاب؟ وانتهت أشغال المؤتمر 12 ولا شئ تغير؟ وها نحن بعد قرابة عقد من ذلك التاريخ، وعقود اخرى من أول مؤتمر للجبهة والمركب لا يزال عائما، تائها، تتقاذفه العواتي، قبطانه والركاب يوقنون جميعا أن المسار لم ينته بعد، وأن العلة تكمن في حمولة الماخرة، وأنه من الواجب مراجعة محتويات الخريطة، وحالة الطقس، وإعادة النظر في كفاءة المحرك.

درب التسيير: في المؤتمر 12 و 13 إنبرى كالعادة أحد القادة البارزين وقال ـ ولا أحد يختلف معه ـ أن مقررات المؤتمرات وأدبيات المنظمة لم تشك يوما من عيب، وأن محتوياتها كفيلة بتحقيق المطلوب، وأنه لا ينقصها إلا التنفيذ، والتنفيذ لا ينقصه إلا أداة مؤهلة. وموضوع التسيير لم يكن يوما إشكالا كبيرا لأسباب عديدة منها لاللحصر التعداد القليل للصحراويين، “كثرة وتنوع الإمكانيات” من مساعدات وغيرها مع عدم ملائمتها للحاجة، الفطرة الطيبة السمحة ونوعية الإنسان الصحراوي. ولكن كانت المشكلة ولاتزال في الكوادر والإطارات التي حرفت مسار التسيير من دولة حلم للجميع إلى حصص وممالك وكومونات وتفاهات إن إستمرت ستنسف المشروع الوطني، والنتيجة الآن وللأسف أنها أرجعت الدولة الحلم التي أردناها ونريدها خمسين عاما إلى الوراء.

ومع ذلك فمن واجب المؤتمر 14 أن يضع حدا لهذه المشكلة بإضافة بعض الرتوش إلى بعض الوثائق التي تعتبر الجوهر الصلب في عملية التسيير مثل القانون الاساسي للجبهة ودستور الدولة، ومن خلال ـ وهذا هو الأهم ـ وقفة مع الذات ومواجهة الأدوات النتنة الصدئة وإزاحتها كليا من المناصب التنفيذية، وليكتفوا، في ماتبقى من أعمارهم، بصفة مواطن صحراوي وإطار سابق على علاته. والتخلي عن الضلال الأعمى، والتضليل المكشوف الذي إن لم تتم القطيعة معه ستدفع الاجيال القادمة ثمنا لاذنب لها فيه وليس لها به طاقة.

عقبة التحرير: جبهة البوليساريو هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، وتأسست لتحقيق غاية واحدة ووحيدة حتى الان وهي تمكين الشعب الصحراوي من حقه في تقرير المصير وبسط سيادته على أرضه. ولايمكننا أن ننفخ كثيرا في ما صنعته من أمجاد لتحقيق الغاية التي أعلنت من أجلها، فالجنرالات لا ينفذون المعارك إلا بدماء الجنود، ولأنها تتطابق (الجبهة) بشكل كلي وتام مع الشعب الصحراوي، فهي ليست حزبا تقليديا كما في العالم الآخر ينتمي إليه البعض والبعض لا، بل هي الشعب الصحراوي والشعب الصحراوي هو الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وبالتالي فالمجد واحد والنصر واحد والإخفاقات والمعضلات والمطبات واحدة مع مراعاة الأسباب ومكمن القرارات التي توصف بالخطأ، وضرورة أن يتحلى المسؤول عنها بالشجاعة الكافية للإعتراف.

وموضوع التحرير وهو مسؤولية الجبهة الاساسية والوحيدة تأثر بمرحلتين واضحتين: مرحلة الحرب والتي دامت 16 سنة إنتهت بإستحالة أن يحقق العدو الغازي غايته وبسط سيادته الكاملة بالقوة على أرض الصحراء الغربية، ولم تتمكن الجبهة من إستكمال تحرير الأرض بسبب إنخراطها في خطة التسوية الإفريقية الأممية التي بدأت بوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 06 سبتمبر 1991.

في اشغال المؤتمر 12 جرت مناقشة حادة لموضوع التحرير غلب عليها الراي الذي يقول “أن ما أٌخذ بالقوة لايسترد إلا بها” وعليه قرر المؤتمر وبعد ما يقرب عقدين من التعاطي مع الأمم المتحدة أنه على الأمانة الوطنية ـ القيادة السياسية المنبثقة عن المؤتمر آنذاك ـ وفي ظرف عام ونصف أن تراجع سياسة الجبهة وتعاطيها مع المنظمة الدولية وأن تعيد النظر في إتفاقية وقف إطلاق النار في حال لم يستجد جديد. وخرج المشاركين في المؤتمر منتشين بالقرار وأنتعشت أمال الصحراويين جميعا بالأمر ولكن تخطى عام ونصف وعامين ثم أربع، ثم إلتم الشمل مرة أخرى في المؤتمر 13 ولم يظهر للقرار أثر، ولم تراجع الجبهة شيئا يتعلق لا بوقف إطلاق النار ولا بتقرير المصير، بل ومما يحز في النفس أنها دخلت غرفة المفاوضات العبثية بالضبط في الوقت الذي كان الجنود المغاربة يدوسون بأحذيتهم العفنة جثث الصحراويات والصحراويين أثناء تفكيك مخيم الملحمة في أقديم إيزيك.

مرت الآن أربع وعشرين عاما بالتمام والكمال على المرحلة الثانية التي يمر منها مسار التحرير، وهي مرحلة اللاحرب واللاسلم، وخلالها لم تعقد حركة التحرير أي مؤتمر إستثنائي لمناقشة الأمر وهو الغاية التي تأسست من أجلها أصلا، ولم يعلن أي إطار من أي مستوى كان إستقالته أو إنسحب من أحد المؤتمرات إحتجاجا على طريقة التعاطي مع الموضوع لا من الإطارت العسكرية ولا المدنية، ولم يصدر أي بيان بلغة غير (الشجب والتنديد والإستنكار) في ما يتعلق بمسألة التحرير، ولم يسجل على الجبهة أي خرق لإتفاقية وقف إطلاق النار من شأنه دفع العدو والمنظمة الدولية لمراجعة حساباتهما. وحتى المنعطفات التاريخية التي فرضت نفسها وساقها القدر للجبهة لتحريك الموضوع لم يتم إستغلالها بالشكل المطلوب وهي (محاولة مرور سباق باريس داكار عنوة من الاراضي المحررة 2001/ إندلاع إنتفاضة الإستقلال العارمة 2005/ الملحمة التي لن تتكرر: أقديم إيزيك 2010).

خلال هذه المدة، 24 عام، تعاقب على منصب الأمين العام للأمم المتحدة أربعة أمناء عامون، من أربع خلفيات مختلفة (خافيير بيريز دي كويارـ أمريكا اللاتينية/بطرس غالي ـ العرب/ كوفي عنان ـ أفريقيا/ بان كي مون ـ آسيا)، وثلاث مبعوثين شخصيين (جيمس بيكر الولايات المتحدة/ فان والسوم من هولندا/ والحالي كريستوفر روس من الولايات المتحدة)، والعديد من الممثلين الخاصين للأمين العام الأممي ورؤساء للبعثة الأممية (مينورسو)، وإذا كان مجلس الأمن يقرر سنويا فقد صدرت 24 قرار…… وغيرها من إحصائيات الغاية منها تبيان أن الوقت قد فات لمراجعة الموضوع والوقوف عنده لتؤدي الجبهة واجبها وتحفط تعهدها وتحقق وعدها للشعب الذي تمثله.

إذا ماذا ننتظر ليكتمل اليقين لدينا بأن الموضوع يحتاج إلى إعادة حسابات، وإذا كان الأمين العام للجبهة في كل جولاته التفتيشية السنوية على نواحي جيش التحرير الشعبي يقسم بغليظ إيمانه بأن التحرير لن يتم إلا بالبنادق فماذا ننتظر. وإذا كانت القاعدة الشعبية في كل ندواتها التحضيرية للمؤتمر تطالب الجبهة بحسم الموضوع فإنه على المؤتمرين وأداءا منهم لأمانة تمثيل منتخبيهم بأن يرفعوا التحدي ومستوى النقاش لتحقيق ما يأمله كل الصحراويين وينتظرونه من مؤتمرهم.