غالبا ما نرى هنا وهناك على كثير من صفحات التواصل الاجتماعية، و المواقع الصحراوية على شبكة الانترنت، مثقفين صحراويين يتمردون على الواقع بكثير من الانتقاد و السخط و بحثا عن الاصلاح والتغيير، هذا ليس عيبا في اي بلد ما، و خصوصا في بلدنا، الذي يمر منذ اربعين سنة ويزيد بمراحل كفاح مستمر من اجل الحرية والاستقلال الذي لم نتمكن من تذوقه بعد رحيل الاسبان لان الاشقاء عكروا نشوة النصر باجتياحهم لارضنا الابية.

هذا التمرد على الواقع يصحبه انتقاد لاذع للقادة و المسؤولين في كثير من الاحيان لانهم هم من يتولى قيادة السفينة و عليهم تحمل الكثير من المسؤوليات من اجل الوصول الى بر الامان هذا من جهة.

ومن جهة أخرى ينبري آخرون باسم الشعب و يفندون كل الانتصارات و ما تحقق من اسس الدولة الصحراوية على مدى اربعة عقود من الزمن رغم انها ليست شيئا يذكر من تاريخ الشعوب والامم، فيضربون بكل هذا عرض الحائط، فقط لانهم غير راضين عن فلان في منصبه او طريقة عمله لانه لم ينزل عند رغبتهم او يلبي مطالبهم، بل يذهب بهم التمادي الى تخوين البعض رغم انه بين النقد و التخوين خيط رفيع لا يدركه الا قليلون، هؤلاء الذين يجيدون النقد البناء دون المساس بخصوصية الفرد و يعرفون كيف ينتقدون، اما الآخرون فلا يرون في النقد الا انه ذكر العيب و العبارات غير الاخلاقية و الغوص في نقد و تشهير الاشخاص دون اعمالهم سواء كانت ايجابية او سلبية، و هذه الفئة الاخيرة غالبا ما تقع في التخوين و الانبطاح و التذلل للعدو وتقديم خدماتها له على طبق من ذهب ويكون هو ايضا سخي لها و يزيد لها في العطايا و الامثلة كثيرة.

والهوة بين التخوين و المطالبة بالاصلاح و التغيير كبيرة جدا لان الاول لا يسعى صاحبه الا لمصالح شخصية لم يتمكن من تحقيقها في محلها او سعى الى منصب لم يتمكن من الوصول اليه، او الى ما الى ذلك، اما الثاني وهو الناقد الحقيقي المتمرد على الواقع وبِنيّة صافية وواضحة لا يسعى من ورائها الى مآرب شخصية بقدر ما يريد الاصلاح و التعبير عن ما يجول في خاطره من افكار اصلاحية و بصوت عال و امام المجتمع، تجده أكثر الناس حرصا وتحملا للمسؤوليات و تراه اكثر من يحمل على عاتقه هموم العامة التي يرى انها من الضروري الاستماع اليها و التفاعل معها.

ولكن بين الوطنية والخيانة خيط رفيع لا يراه الا من كان يدافع عن وطنه باخلاص، و يريد لشعبه الانتصار و الخلاص وليس حبا في راتب يصرف له و يقبض ثمن خيانته المغطات برداء الاصلاح والتغيير.

اذا على الجميع أن يعي أنه ليس هناك منطقة وسطى بين الجنة والنار، على اولائك الذين يريدون الاصلاح و التغيير، و همهم ذلك ان ينتبهوا كثيرا، الى ذلك الخيط الرفيع، الواقع بين النقد و التخوين و العيب و بين المصلحة الفردية و المصلحة العامة. و الكثيرون غالبا ما يكونوا يغردون خارج السرب و يقدمون النقد لمؤسسات وافراد لا يعرفون عنهم سوى انهم يعملون في تلك المؤسسة التي نالها الانتقاد او التشهير، اذا على الناقد ان ينطلق من الواقع و المعطيات و محيط العمل، لان من رئى ليس كمن سمع كما يقال.

هنا ليس همي ان اسجل صوتا لصالح فلان او علان ولا لانتقد اي كان، فقط اريد التنبيه الى ما اراه ضروريا، اقولها صراحة ان الاصلاح والتغيير و السعي الى مستقبل افضل و قيادة حكيمة و رجال يحملون المشعل و يصلون بهذا الشعب الى بر الامان،  وينهون هذا النزاع الذي طال امده، و بموافقة شعبية مبتغاها الانتصار الانتصار، و العودة الى الديار بأقصر الطرق، و انجعها – واضعة نصب اعينها- في اي عمل، الحرية و الاستقلال و حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، اصبحت اهدافا ينشدها الجميع.

لا ضير في ان تسوق وسط فئات من المجتمع لافكار تحمل الكثير من الجرأة و النقد و النقد الذاتي البناء من اجل بناء المجتمع و اصلاحه و الوصول الى الهدف الاسمى الذي تأسست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب من اجله الا وهو الحرية والاستقلال، و واجبنا جميعا أن نساهم في تقويم الاخرين وفق ضوابط قانونية و اجتماعية محددة و مبنية على المصلحة العامة اولا و احترام الشعب و قضيته التي ذهب من اجلها الكثير من ابنائه ثانيا.

بقلم: بلاهي ولد عثمان