كنت قد قررت ألا أرثو أحدا٫ و لكن النبأ الجلل الذي نزل علي اليوم كالصاعقة أخذني على حين غرة! فسقط من يدي٫ و أدلهمت الرؤية! علمت اليوم الأثنين بالنازلة٫ برحيل أخي و صديقي و زميلي قاسم عبد الله الذي تربطني به أقوى الروابط٫ و تأصرني معه أشد الأواصر٫ و أكثر الأواشج لحمة و تماسكا. رحل قاسم قبل أن تمر الأربعين يوما على رحيل صديقه حفظ الله محمد يحيى٫ إنها محنة بعد محنة٫ و ألم بعد ألم٫ انها واحدة من اللحظات التي تجعل الدنيا تمور بك و بما حواليك٫ و تسحقك سحقا لتشعرك بضعفك وضآلتك. أول ما يتبادر الى الأذهان هو قانون مورفي (Murphy) الذي يحتم أنه بعد الأولي و الثانية لابد أن تكون هناك ثالثة! إني أتساءل من يكون؟ أأكون أنا نفسي؟ أم أن الضربة قد تكون أكبر؟ أم أن الخوف تسرب إلى قلبي؟ أم أن التطير مكروه؟ أم أننا نأمل خيرا لنراه؟ بصراحة لا أعرف كيف أفكر! لقد توقفت ملكة التفكير عندي وعيل صبري و هدني المصاب!
لقد كنت على موعد مع قاسم! و تكلمت معه الأسبوع الماضي! لقد كان صوته متعبا و أجش٫ ولكنه كان كذلك طوال المدة الأخيرة. لقد إتفقنا علي خطة و تكلمت مع الممثل في روما حولها ووافق عليها مشكور٫ ثم بعد ذلك غرقت أنا في الفيضانات و في مشاغل العمل التي لاتنتهي٫ و كان القدر يخبئ شيئا آخرا غير الذي نريده! إني لا أشعر بالندم لأنني كذلك أحسست بأن قاسم ربما يحتاج لمزيد من القوة و التعافي ليستطيع السفر٫ ربما ما يقوم بها الدكاترة في بني مسوس و ما يعطوه له من العناية قد لا يتوفر في أي مستشفى آخر. ما لن أنسى أبدا هو كيف واجه قاسم مرضه بقوة و صلابة و رباطة جأش٫ لقد كان قمة في الجلد و التحمل٫ لقد قال لي الأطباء أنهم لم يروا بأعينهم مثيلا لقاسم في قوة المعنويات و صلابة البناء النفسي و شدة الإيمان بالله.
لقد عرفت قاسم منذ سنوات كثيرة و ربطنا العمل معا في الجهاز الدبلوماسي الصحراوي٫ و لقد جذبني إليه أول الأمر تمكنه في التراث الصحراوي و إعتزازه بالهوية الوطنية٫ وشغفه بحفظ الأشعار القديمة و الحكم الثمينة النادرة٫ و إلمامه بالتاريخ و سؤاله الدائم عنه. لقد كان نموذجا للشاب الصحراوي الأصيل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
تربطني بقاسم هواية أخرى و هي إحاطته الواسعة بالتراث العربي الذي يحفظه عن ظهر قلب٫يحفظ المعلقات٫ يعرف الفرزدق والأخطل و جرير٫ و يحفظ ما دار بينهما من معارك طاحنة٫ يعرف الفقه و التراث الإسلامي و يروي الأحاديث النبوية و يفرق بين القدسي منها و غير القدسي٫ بين الصحيح و الضعيف و الموضوع. لقد كان راوية و محدثا يحلو معه الحديث و لا تخرج من اللقاء به إلا وأنت قد أضفت الجديد لعلمك و معارفك.
أعجبت بقاسم لأسباب كثيرة و متعددة لن يمكنني حصرها هاهنا و لكن أهمها على الإطلاق شجاعته دون أن يكون متهورا٫ وإعتداده بنفسه دون أن يكون متكبرا٫ و إطلاعه الواسع دون أن يكون مدعيا٫ و تدينه العميق دون أن يكون متزمتا. لقد كان رحمه الله يجيد التوفيق و التوازن بين الأضداد و يسلك طريقا وسطا بين كل ذلك لا يتأتى إلا للعقلاء الذين أكرمهم الله بسلطان العقل. لقد كان قاسم متطرفا في شيئ واحد وحيد وهو حبه للوطن و إخلاصه للقضية. لقد عشت معه كيف حول بيته الصغير في مدريد الى غرفة عمليات٫ و حول حاسوبه الشخصي الى محطة بث و تأثير و نضال٫ يكتب لهذا و يرد على ذلك و ينشر هنا و يدافع هناك. حتى عندما زرته في مستشفى بني مسوس آخر مرة فاجأني بالسؤال عن القضية و عن موقف أمريكا و عن الكثير من التفاصيل التي نجهلها نحن الأصحاء و يطلع عليها هو٫ و هو على سرير المرض.
لطالما رغبت في أن أجعل من قاسم آلاف النمادج٫ أن يتم إستنساخه بالتقنيات الجديدة لنزرع آلاف أشباهه من الشباب الوطني المهذب و المعتد بثقافته و أصالته. لطالما ذكرني قاسم ببيت شعري لأبي الطيب المتنبي:
إذا كانت النفوس عظاما   تعبت في مرادها الأجسام
فالنفوس المفكرة٫ الرهيفة٫ المتسامية التي تمعن النظر في ما حولها و ترنو لما وراء الظاهر و تستبطن الأمور لتجلي كنهها٫ عادة ما تنهك و تضني الأجساد الفانية. لقد كان الجسد النحيف الذي لا لحم و لاشحم فيه منهكا و متهالكا بسبب النفس الطموحة و الجامحة٫ وبسبب العقل الذي لا يكل عن التفكر و التدبر٫و النظر فيما هو آتي. و أكثر ما أنهك القلب هو علو الهمة٫ هو السمو و التسامي نحو الافضل و الأنبل و الأجل٫ فكيف لا يتعب القلب حينئذ؟
اليوم ترحل عنا و تتركنا٫ تترك لنا الفراغ المذهل٫ تترك لنا الوحدة و اليتم٫ تترك لنا هذا الشعور المخيف بان الدور آت علينا٫تختار عنا حفيظ و رفقته٫ و كأنك تقول لنا أنه أفضل منا و أنكما السباقان٫ و الأولان٫ و الأفضلان٫ لا نجادل في ذلك أبدا٫ و لكن كان عليكما أن تخبراننا٫ أن تتفقان معنا جميعا٫ ألا ترحلان عنا دون إذننا٫ و لهذا سوف لن نقول لك وداعا أبدا و لكن سنقول لك الى اللقاء٫ الى اللقاء يا صديقي العزيز في عالم البقاء!
هل تعرف يا قاسم أفضل شئ تركته لي؟ نصيبي من الميراث؟ لقد كان تعرفي على أخيك المميز إبراهيم٫ كنت أرى كيف يعاملك اثناء المرض٫ كيف يحنو عليك٫ كيف يزورك في اليوم ثلاث مرات٫ كيف يجلس قربك و يحدثك٫ كيف يغسل ملابسك و يعد لك الحمام الروسي٫ كيف كان يقف بقربك في كل لحظة باسما غير متبرم لمدة شهور. لقد تمنيت أن يكون كل الأخوة في العالم مثل أخيك إبراهيم٫ و عرفت أن منبتكما نبيل و أصيل و لا ينبت إلا الأصيلين و النبلاء. دعني أبوح لك يا صديقي العزيز أن الشجاعة تخونني في الإتصال بحرمكم أو الإتصال بإبراهيم. ما ذا سأقول لهما؟ أي صوت سأتكلم به؟ أية كلمات ستعبر عما يجيش في خاطري؟ كيف سأقول ما يختلج في حنايا الروح؟ أعرف أنهما يدركان ما يلم بي٫ و ما يتملكني الآن٫ أعول على معرفتهما بما يربطنا٫ و بما نكنه لبعضنا البعض٫ يعلم الله مدى عمقه٫و مدى صدقه٫ و مدي اللوعة في فقدانه.
إنه كذلك من نافلة القول أن أؤكد لك أن فقدانك يقوي فينا الإصرار على الأخذ لك بالثأر٫ الثأر ممن حرمونا من أن نحيي و نموت في بلادنا مثل خلق الله٫ حرمونا من وطن نعيش فيه٫ و تراب ندفن فيها٫ حولونا إلى غجر و نور و بشر بلا وطن! إننا لن نكل و لن نمل٫ سنتقاوم و نقاتل من أجلك و من أجل قوافل الشهداء الأطهار الذين غادرونا ونحن في الدرب سائرين٫ سنصل إلى الهدف أو نموت دونه٫ فنم قرير العين فمن هناك سترانا من علياءك و ستعلم أننا علي العهد باقين ما بقينا.