لم تكتفي الدولة المغربية بغزو واحتلال  الصحراء الغربية وما ترتب  عن ذلك من تبعات خطيرة جرد فيها الشعب الصحراوي من انسانيته بسب القتل و التشريد و اللجوء والحرمان والاعتقال والاختطاف وطمر الناس احياء في مقابر جماعية ونهب خيراتهم، يجرى كل ذلك الى جانب بناء جدار عزل تتناثر حوله ملايين الالغام التي لوثت البيئة وحصدت ارواح الكثير من المدنيين الصحراويين على ضفتي،و مازلت مستمرة في إنتهاكات حقوق الانسان الصحراوي  وعلى رأسها حق تقرير المصير.

و و يعتبر الجدار الذي شيده المغرب من شمال الصحراء الغربية الى جنوبها في ثمانينات القرن الماضي، جريمة ضد الانسانية لاخلاف عليها تدينها كافة المواثيق والعهود الدولية ومن جرائم الحرب ضد الانسانية بموجب القانون والمعاهدات، لعل أهمها إتفاقية جنيف لعام 1949، وخاصة البروتوكول الاول منها. ورغم ذلك بات الجدار يسبب إحراجا و “عقدة” كبيرة للنظام المغربي امام المجتمع الدولي ، فلا هو له الادلة المقنعة لتبرير بقائه، و لا هو صغير الحجم لإخفاءه وحجبه عن العالم خاصة بعد موجة الإدانات التي عقبت سقوط جدار برلين.

وإن كنا لا نريد جدلا و لانقاشا فيما لاخلاف عليه، إلا أنه إستوقفني مقال  نشر في مجلة هسبرس المغربية بعنوان ”  لهذه الأسباب يُعتبر جدار الصحراء أمنياً وليس عازلا”  لمحامي بمكناس وخبير في القانون الدولي، حسب ما افادت به تلك المجلة الرقمية.

كان هذا المقال السالف الذكر عبارة عن رد واهن على قصاصة نشرتها وكالة الانباء الفرنسية يوم 21 اغسطس الماضي، حيث ان الوكالة نشرت مقالا مطولا عنوانه أهم جدران الفصل في العالم، وكان جدار الذل المغربي  العنوان العريض لتلك الاخبار والجذران العازلة الشيء الذي استفز واغضب سلطات الاحتلال المغربية ما دفعها الى تسخير مثقفيها و بعض الاقلام للرد على تلك الحقيقة التي يحاول المغرب حجبها بغربال.

وللعلم فإنها ليست المرة  الاولي ولا الثانية التي يحاول فيها المغرب مغالطة و مخادعة الرأي العام، بما فيه الشعب المغربي نفسه. فالحديث عن “المزايا الايجابية” للجدار من المنظور المغربي، كان قد تناوله محامون و دكاترة في منتديات مختلفة، لعل أهمها أكاديميا هي تلك الندوات التي تعقد سنويا في جامعة مونتريال الكندية، بالتعاون مع منظمة Association for borderlands studies

و كان الاستاذ بجامعة محمد السادس ” اګدال، بلرباط عبد الرحيم المصلوحي ،قدم محاضرة يوم 18 ماي 2011 تحت عنوان    Séparer pour pacifier ? « Mur des sables » et constructions sécuritaires au Sahara

بينما قدم الاستاذ صديقي سعيد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة فاس، محاضرة أخرى تحت عنوان  “جدار الصحراء: وضعه  “The Sahara Wall: Status and prospects “   و التي نشرتهما مجلة  (Journal of Borderlands Studies) بالشراكة مع الجامعة المذكورة.

و الجدير هنا هو تذكير هؤلاء “الخبراء و القانونين” الذين قدموا تلك البحوث، أن  هذا الجدار العسكري لايمكن معالجته بتاتا بمعزل عن السياقات العام للمشكلة وهي أن قضية الصحراء الغربية مسجلة في وثائق الامم المتحدة كقضية تصفية إستعمار.

و عليه فإن الجدار هو من مخلفات  ذلك الغزو و الاحتلال لغالبية الاراضي الصحراوية حيث  طرد الشعب الصحراوي من ارضه بالقوة و وقسمت العائلات و الافراد لمدة تفوق الثلاثون سنة بفعل هذا الحاجز الغريب علي تضاريس الصحراء الغربية .

ولاشك ان مجرد التفكير في بنائه هو اكبر دليل على عقامة فكر مخططيه وجشعهم من اجل السيطرة على الارض ونهب خيراتها ومحاولة  الدوس على كرامة شعبها بإرتكاب اجسم فظاعات حقوق الانسان في حقه، ولكن ورغم  المجهود الذي سخر لبنائه و الهالة الإعلامية التي صاحبته، لم تمر سوى سبع سنوات من تشيده حتى تأكد الحسن الثاني قبل أي أحد أن الجدار ما هو إلا مسكّن ظرفي ليس إلا.

وما قد يستغرب المرء هو وجود اساتذة و مثقفون مغاربة يبيعون هوى اقلامهم لمحاولة تبرير جرائم تستنكرها كل الديانات السماوية ،و بدلا من التنديد بهذه الجريمة النكراء ، يقومون بمحاضرات ليس فقط لتبرير إستمرار الجدار ، فحسب بل لتحريف وتزوير الحقائق التاريخية التي ساهمت في تشييد هذا الجدار و محاولة التخفيف من حدة تأثيرات جريمة ضد الانسانية لاتتقادم.

و من عنوان المحاضرات و حتى طريقة تدوال الصحافة المغربية لموضوع الجدار،يستشف المتتبع  حجم المغالطات و الاستدلالات التي لا تحتوى على أبسط الحجج، ومن ثم يجد المرء نفسه مظطرا إلى مساءلة  المحاضرين والناطق بإسم الحكومة المغربية معا:

۔ إذ كان كما يزعم  المحاضرون مبدأ الفصل “Separer  يتيح أو يقيم السلام” “Pacifier ففي هذه الحالة من هم المفصولون أو المبعدون إذن ؟ أليسوا هم الصحراويون اصحاب الارض؟ وإذ كان هناك سلام “مزعوم” من يجني تلك الفائدة ؟  وهل بالفعل هنالك إستقرار حقيقي ؟ اليس الجيش المغربي هو الذي يستغل الحالة لترهيب السكان ا الصحراويين  و نهب ثرواتهم ارضهم الطبيعية ؟

ـ هل الجدار المغربي ،أقيم بين المغرب و الصحراء الغربية ،حتي يحترز من عن من؟ ، ام أنه اقيم به و بالقوة ليقسم الشعب الصحرواي و أرضه ؟ و هل في المقابل  عرف الصحراويون قط بالإرهاب ، وإذ كان الجواب كما هو الحال بالنفي ،فلماذا يبعدون ؟ ولماذا الإبقاء علي هذا الجدار حتى اليوم؟ و ماهي اسباب و جود هذا الجدار إذن ؟ الا يعتبر من مخالفات الغزو المغربي للصحراء الغربية ؟ .

هل يعلم المحاضرون ان هناك بعثة اممية لحل مشكلة الصحراء الغربية طبقا للمشروعية الدولية وقرارات مجلس الامن ؟ ألا تعلمون أن حكومتكم تتفاوض مرغمة على ذلك مع جبهة البوليساريو ، ليس فقط على الجدار الذي تبررون إستمراره فحسب، بل على كامل الاراضي التي  تبلغ مساحتها 266.000 كلم مربع، و هل ترضون لمقامكم العلمي و الاخلاقي و حتى الديني ان تكونوا مدافعين عن جرائم و  مناهضين للعدالة و الشرعية الدولية ، ولحقوق الانسان و القانون الدولي الانساني ؟

و تستمر المغالطات، بحيث أنه و خلافا لما قاله الباحث المغربي صبري الحو،أن القرار 658  والمندرج ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، “يجعل ذلك الاتفاق من المنطقة شرق الجدار من مسؤوليات الأمم المتحدة وحيدة” فهذا القول تنقصه الدقة و المصداقية، حيث أن الاتفاق رقم 1 يحدد بما لا يدع مجالا للشك من هو الطرف المسيطر على الجانب الشرقي للجدار،حيث  ما يجب ان يعلمه الشعب المغربي أن الجزء الشرقي من الجدار يعتبر أراضي محررة و تمارس عليه الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية سيادتها، و تشيّد المشاريع وتبني المؤسسات وبنى تحتية مثل المدارس و المستشفيات و قرى سكنية الخ و هناك جيش مرابط على مرأ و مسمع من الامم المتحد، وهو السيد في الميدان، فهل لا علم لكم بذلك؟ ألم تكتب مجلتكم” هسبرس” في يوم 22 سبتمبر 2014 هذا العنوان: “تعرضت دورية عسكرية تابعة للبوليساريو تضم سيارتين لانفجار لغم أرضي تسبب في مصرع شخصين وجرح خمسة آخرين ثلاثة منهم إصاباتهم بليغة”.

كان من الاحرى بالمثقف المغربي و الحقوقيين المغاربة أن يجمعوا على موقف مشرف حول قضية الجدار الذي يقسم الشعب الصحراوي ارضا و شعبا، بمعزل عن إملاءات المخزن.

أما الحكومة المغربية من جهتها،التي تتفاوض مع البوليساريو علي الصحراء الغربية، تحاول أن تتقمص شخصيتين متناقضتين، وكلاهما لاتقل صعوبة عن الاخرى، الاولى هي محاولة حجب أنظار الشعب المغربي عن الحقيقة الكاملة فيما يتعلق بمشكل الصحراء الغربية، بما فيها جدار الاحتلال،  و الثاني هو التفاوض و لو على مضض مع جبهة البوليساريو الذي يعترف بها ضمنيا في الامم المتحدة و يجالسها ويتفاوض  معها.

وصلة بقصاصة و كالة الانباء الفرنسية ،كان إمتعاض الحكومة المغربية سريعا، حيث أكد وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، في بلاغ يوم 24 اغسطس الماضي، “أن المعطيات المرافقة لقصاصة وكالة الأنباء الفرنسية “فرانس بريس”، والتي تقدم من خلالها الجدار الدفاعي الرملي بالصحراء المغربية ضمن جدران الفصل الرئيسية في العالم، أنها مغلوطة وتجافي الواقع “”

ونشر ذات الوزير المغربي على صفحته على الفيسبوك “أن الجدار “الدفاعي” الرملي تم بناؤه لضمان حق المغرب في المحافظة على أمنه”!!!، فإذا كان الامر كذلك فلماذ يا سيادة الوزير لاتقومون بتشييد جدار علي حدودكم وفوق أرضكم ؟ حين ذلك ستـأتمن المنطقة المغاربية برمتها من شر صادراتكم!، و يستطرد الوزير القول، “أنه لمكافحة استخدام الصحراء كنقطة عبور بالنسبة للشبكات الإرهابية والاتجار بالبشر والمخدرات”!، و هنا نتساءل من أين تأتي تلك المخدرات ياسيادة الوزير؟ أليس من الطرف الخاضع للسيطرة المغربية؟ نعم يعتبر هذا الجدار اليوم هو بوابتكم  للاتجار بالبشر و المخدرات.

وإن كنتم كما قلت تحافظون على أمن المنطقة، فلماذا تقوم إسبانيا ببناء سياج بينها و بينكم في سبتة و أمليلية؟ .

ومهما كثرت البلاغات و القصاصات يبقى الجدار المغربي غير شرعي، لأنه إمتداد وتكريس للإحتلال كذلك. ولان  المقام هنا ليس لمناقشة اهمية الجدار من عدمها، إلا أنه إذ كان أي خبير عسكري يعرف ان الاهمية العسكرية والاستراتيجية للجدار المغربي محدودة جدا،و أثبتت فشلها، فإن أهدافه غير العسكرية هي عيب و وصمة عار على الدولة المغربية .

وهكذا قد اثبتت كل التجارب السابقة فيما لايدع مجالا للشك ان سياسة الجدران هي حلول مؤقتة و هي إقرار صريح بالفشل، لذلك هي غير ناجعة ومدانة دوليا من كل منظمات حقوق الانسان و لن يكون الجدار المغربي استتثناء ، بل أنه يحمل في طياته الإنفراد بالفوز بأكثر الالقاب بشاعة وإجراما….و التي لن تشرف بطبيعة الحال لا تاريخ الجيش المغربي و لا المملكة المغربية نفسها؟  فالدول كما يقال لا تبنى بالمساحة الجغرافية لوحدها، بل بالتاريخ، وبإختيار مصائر شعوبها.

و من الغريب ان تكون كل النخبة المغربية، إن لم أقل جلها و بكل اطيافها ،تدافع عن كل اطروحات نظام  ارتكب ومازال مستمرا في ارتكاب شتى الجرائم ضد الانسانية. و لاعلم لنا في التاريخ الحديث لسياسات عدائية لاي دولة مسلمة كانت،أو غيرها لم يكن لها معارضين من مواطنيها أنفسهم.

فالاحتلال الفرنسي للجزائر ، كان هناك الاف الفرنسين من مختلف شرائح المجتمع الفرنسي ،بمثقفيه و رجالاته وفلاسفته في مقدمتهم جون بول سارتر وفرانز فانون  وغيرهم كانت لهم مواقف تضامن مع الشعب الجزائري لإنهاء الاحتلال، وحتي منظمة “بتسيلم”  الإسرائيلية لحقوق الإنسان ترافع من اجل الحقوق الشرعية للفلسطنين بما في ذلك رفضها القوي للجدار الذي بنته إسرائيل، وقيامها بحملات التحسيس بطرق راقية جدا لتأثيرات الجدار الاسرائيلي على الفلسطنين ، ناهيك عن قصة الاف الامريكين و المنظمات الذين كانوا ضد حرب دولتهم ضد الفيتنام.

ويبقى السؤال المحير، كيف أن  العالم بمشرقه و مغربه  يناهض سياسات الإبعاد و التفرقة و الجدران، في وقت نجد مثقفين عرب و مسلمون يدافعون عنها ويطالبون بإبقائها للتلذذ بمعاناة ومأساة الشعوب المظطهدة    !!!

غيثي  النح البشير