تنزيلهل انتهى الربيع العربي؟وهل كان ربيعا فعلا؟ النظرة العجلى على الاوضاع في المنطقة تفيد بان الجواب على كلا السؤالين  نعم، غير ان القضية اعمق من جواب متسرع من ثلاثة أحرف، ذلك ان العالم العربي رزح سنينا بل قرونا تحت وطأة الاستبداد،ما افرز فقها تبريريا للعجز الذي ساد هذا الجزء من العالم،ففي الوقت الذي انتفض فيه الأوروبيون على حكامهم، وبرز بينهم دعاة ينادون بضرورة الاصلاح السياسي وحتى الديني، وبان الشعب هو مصدر السلطات ومنبع الشرعية، ونشطت حركة التأليف في السياسة حتى غدت علما قائم الأركان، كان يقابل هذا في عالمنا، فهما وفقها يحث على السمع والطاعة للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وبغض النظر عن ضعف  الحديث الواضح قياسا على شواهد التاريخ الذي يحدثنا عن الخلاف السياسي الشهير بين الصحابة، يهمل هذا الفقه عن عمد نصوصا قرآنية صريحة تأمر بالشورى “وشاورهم في الأمر  و “وأمرهم شورى بينهم”  ووجد السلاطين على الدوام فتاوى تقر فسادهم ومباذلهم وحتى خياناتهم، وتوريث الحكم وشؤون الامة من الاب الى الابن، بل شهد التاريخ في فترات عديدة تولي الاطفال مقاليد القيادة، و تم تحقير الامة ووصف الشعب على الدوام بأوصاف تحط من قدره وقيمته، كالعامة والدهماء والسواد وغيرها. جو كهذا اشاع الاستسلام والخنوع والتواكل، في فهم مشوه لمعنى التوكل، على اساس انه قدر الله الذي لا مفر منه، وتعمى الابصار والبصائر عن الاية التي تقول”ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” لقد وسم جبن الفقهاء وفقه الجبناء مراحل طويلة من تاريخ العالم العربي، الذي لم يوقظه من سباته إلا طلائع الاستعمار الغربي تهدم الاسوار والقلاع التي انزوى خلفها حينا من الدهر.

اردت من هذه الخلفية التاريخية الشديدة الاختصار، التأكيد على أن التاريخ لازال يحكمنا  ولم نتخلص من سطوته بعد، فحتى عندما ظهرت الدولة القومية على أيدي الاستعمار الغربي،  وتشكلت الخرائط التي نعرفها الآن ،كانت الأولوية لتحرير الأوطان من قبضة المحتل الأجنبي، والتي أنجبت شرعية حكم جديدة ورغم انها حاولت تقليد الغرب في كتابة الدساتير وسن القوانين و نقلت عنه مؤسسات الدولة  التشريعية والقضائية……الخ ،غير إنها منحت الحاكم صلاحيات الخليفة ما افرغ المؤسسات من محتواها وتركها ديكورا وواجهة  للعالم الخارجي ، واستبدل الدعاء للخليفة القديم في المساجد بطول العمر وصلاح الدين والدنيا، بنظم الأشعار في مديح الحاكم الجديد تمجد حكمته ودوره في تحرير الوطن أو في التصحيح الثوري، وصدحت الحناجر تغني له وللوطن الذي تماهى مع شخص الحاكم حتى صار انتقاده خيانة للوطن كما كان انتقاد الخليفة كفر مخرج من الملة، ونهضت مع الحاكم الجديد والذي يأتي غالبا من خلفية عسكرية كتيبة تسمى المثقفين أو النخبة تتولى شرح أفكاره وتبشر بالمستقبل الزاهر على يديه وتبرر هزائمه أو فشل مشاريعه، كما كان يفعل فقهاء الخليفة، اكتظت السجون باسم الوطنية وعلقت المشانق للمعارضين باسم الوطن، وصودرت الحريات، وامتهنت الكرامة، تراجعت الأحلام وتراكمت الديون باسم الوطن وتضخمت وتناسلت الأجهزة الأمنية .

ليس من فارق كبير بين العهدين عهد الخليفة الحاكم بأمر الله الواثق والمعتصم و عهد الرئيس و القائد و الزعيم سوى ما فرضه الزمن من تغيير في الآلة، فيما ظلت الشعوب العربية بعيدة كل البعد عن الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان،عن حرية الرأي وحرية المعتقد، ترزح تحت قوانين الطوارئ والإحكام العرفية ، تصادر الكتب وتمنع الأفلام التي تمس من معاليه، ظلت هذه الشعوب بعيدة عن التطور التقني والعلمي، ليس لها من عصرها سوى الاسم ووسائل إعلام تنقل انجازات الرئيس الضرورة  وخطبه العصماء وسط تصفيقات الحشود، وقد احتلت تماثيله وصوره جميع ساحات وجدران الوطن  الذي غدا سجنا كبيرا .

تسرب الزمن من تحت يد الحاكم الذي شاخ في منصبه،وتبلد إحساسه  وترك العائلة، زوجته وأولاده وشلته يديرون شؤون البلد، ثم جاد الزمن بأدوات واختراعات تلقفها الشباب الذي شب عن الطوق و لم يعد الزعيم يلهمه ولا حتى يخيفه، تحدت وسائل الاتصال الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية أجهزة الحاكم الأمنية وعبثت بها.

كان الاحتقان قد بلغ مداه، حتى أصبح العالم العربي على اتساعه وغنى معظم بلدانه بالثروات الطبيعية خاصة البترول، عالما تعيسا كسيحا فشل في كل المشاريع التنموية التي توجهها ، وخسر جميع حروبه مع أعدائه، حتى غدت الهجرة منه هي الحل لمشاكل مواطنيه، لم ينجح فيه شي مثل الاستبداد والفساد، ومع الصفعة التي تعرض لها البوعزيزي الشاب التونسي وحولت جسده إلى شعلة أطلقت الغضب الكامن والمتراكم في نفس المواطن العربي فسالت الميادين والشوارع بالملايين تهتف بشعار الشعب يريد إسقاط النظام، فر زين العابدين، عزل مبارك، سجن هو ورموز نظامه، انتهى القذافي نهاية غريبة تنسجم مع غرابة حياته وأطواره، تنازل علي صالح مرغما في صفقة مشبوهة عن الحكم، فيما يصارع الأسد من اجل بقائه محولا سوريا إلى ارض خراب، وتظل البحرين مكتومة الثورة لأسباب مذهبية، فيما سارع المغرب والأردن إلى  إصلاحات شكلية لامتصاص نقمة الشباب وخوف العدوى، ولجأت ممالك وإمارات الخليج إلى شراء السلم الاجتماعي بضخ مليارات الدولارات في موازناتها العامة، زلزال سياسي فاق التوقعات والخيال.

اتهمت الأنظمة المتساقطة والتي لازالت قائمة الغرب بالوقوف وراء الزلزال، وقالت بأنها تتعرض لمؤامرة، وهي أنظمة عاش حكامها دمى في يد الغرب تتآمر على شعوبها، لكنها لم تستوعب ما حصل لهول المفاجأة فقد خدعها السطح الهادئ لدرجة أنها كانت تتهيأ لتوريث الأبناء عرش الجمهوريات على غرار الممالك.

ولان الحياة السياسية في العالم العربي كانت معدومة فلم تكن توجد معارضة منظمة  باستثناء جماعات الإسلام السياسي، فكان أن قطفت الثمرة في غفلة من الزمن وسرقت الثورة من صناعها الشباب والذين على خلاف الثورات التقليدية لم يبرز في ثورتهم قادة أو زعامات، الغباء السياسي وانعدام الخبرة في التسيير لدى الإسلاميين وتصيد خصومهم لأخطائهم أوقعهم في دوامة الثورة  المستمرة التي لم تنتهي كما كانوا يعتقدون والحق أنهم لم يقدموا نموذجا يدعوا إلى الاطمئنان لهم فقد كانوا نسخة كاربونية عن الأنظمة التي تساقطت تزيد عليها بأنها ترتدي الحجاب والعمامة وتطلق اللحية وتكفر المخالف لرأيها وتوجهها وهي تهمة تعني هدر دم المتهم، وبان للجميع حجم التضليل الذي كانت تمارسه والمزايدة على النظام القائم بتخوينه وتسفيه اتفاقاته الدولية ومعاهدات السلام وغيرها ولما تولت الأمر حافظت عليها بأكثر مما يفعل النظام السابق.

استفز سقوط رأس النظام السابق وليس النظام وصعود الإسلاميين، الدولة العميقة والعسكر والأجهزة الأمنية العديدة وبقايا النظام وكل من تضرر من سقوطه وخاف ضياع امتيازاته، فبدأت الثورة المضادة وان بحمل شعارات تزايد في الحرية والحقوق على ما توفر في ظل مكتسبات ثورة الشباب.

كثرت أخطاء الإسلاميين عامة  والإخوان المسلمين في مصر خاصة ما افقدهم تعاطف الكثير ممن صوتوا لهم في الانتخابات، فقد ابدوا رغبة جامحة في التمسك بالسلطة من خلال إقصاء باقي الطيف السياسي وخلطوا بين الجماعة والحزب، بين الرئيس والمرشد  فإذا بالمصريين الذين حلموا بالتغيير يكتشفون في الإخوان امتدادا فكريا وعمليا للحزب الوطني الديمقراطي الذي أسقطوه وحاكموا رموزه وحرقوا مقاره .

استغل الجيش المصري ممثلا في وزير الدفاع الفريق اول عبد الفتاح السيسي  وعدد من التيارات السياسية المعارضة لحكم الأخوان النقمة المتصاعدة ضد الأخيرين، وغير بعيد ان تكون المخابرات دخلت على الخط وساهمت في صناعة حركة تمرد او وجهت نشاطها، فكان الانقلاب الذي زج بالرئيس المصري المنتخب في السجن، ثم كان ما نعرفه جميعا من عنف متبادل بين الاخوان  وقائد الانقلاب الجنرال السيسي .

وبغض النظر عن الادعاءات التي اطلقها السيسي وابواقه الاعلامية  بان ما تم هو استجابة للشعب المصري وليس انقلاب يدعي استناده الى الملايين التي خرجت الى ميدان التحرير،غير ان وقائع  الاحداث تشير بوضوح الى ان السعودية غير بعيدة عن الانقلاب العسكري ، فالدعم السعودي المقدم لحكومة ما بعد الانقلاب و المرافعة عن الانقلابيين امام العالم الغربي ثم اطلاق سراح مبارك وتحويله الى الاقامة الجبرية ادلة يكفي الواحد منها لإدانة  السعودية بالضلوع والتورط في الانقلاب والسعي لإفشال ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي، وهي ايضا غير بعيدة عن سحب الامريكيين لاقتراحهم توسيع مهام المينورسو لتشمل مراقبة الحقوق الانسان في الصحراء الغربية والتقرير عنها، لظنها ان ذلك من شانه تقويض الاستقرار في  المغرب- حديقتهم الخلفية ومتنفس رغباتهم بعيدا عن الكبت الوهابي- كما انها تقف وراء سرقة ثورة اليمنيين وافراغها،فالسعي السعودي هدفه ايقاف التغيير  في المنطقة لأنه سيطالها عاجلا ام اجلا خاصة ان شواهد المطالبة بالتغيير في المملكة في تزايد مضطرد.

غير ان ما لا تدركه السعودية وكل اعداء انتقال العالم العربي من مرحلة العصور الوسطى الى الدخول الجاد في القرن الواحد والعشرين انهم لن يوقفوا قطار التغيير المنطلق وما يحدث الان لن يدوم الى الابد على رأي الراحل سعد الله ونوس، فالشباب الواعي المتحرر من الخوف والمسلح بتقنيات العصر ومعارفه  لن يتوقف عن الاحتجاج والتظاهر وسوف لن يكتفي بهذا فقط بل سينظم نفسه في احزاب وهيئات سياسية لا تتاجر بالدين ولا تحتكر الوطنية، امر قضي وحسم لن يعود العالم العربي الى حكم العسكر  ولن يخضع لحكم الملالي او الائمة.

ما لم يدركه  آل سعود انهم بالانقلاب الذي وقفوا ورائه انما  اختصروا الطريق  على الربيع العربي – الذي لم يات بعد لكن الشتاء في اخر ايامه وهو على الأبواب- فقد قصروا الحقبة الاخوانية التي كان يمكن ان تمتد خمسين سنة اخرى او اقل قليلا  او قل الغوها  فسنة في عمر التاريخ لا شيء، انتهت بسرعة غير متوقعة تجربة فاشلة بكل تأكيد وكان فشلها سيشمل المنطقة وسيجر عليها كوارث كبيرة ، بحكم التأثير المصري وعالمية التنظيم الاخواني وانتشاره في كامل العالم العربي، ذلك ان الاسلاميين لا يرون في الديمقراطية التي اوصلتهم الى الحكم سوى سلما يصعدون به ثم يسحبونه والأخطر هو استعمالهم للدين “المقدس المطلق” في السياسة التي لا تتردد في استعمال اية وسيلة لبلوغ المصلحة شعارها الغاية تبرر الوسيلة.

مصر الان على شفا حرب أهلية وقد تتجاوزها بتظافر الجهود  الاقليمية والدولية بل يجب ان تتظافر هذه الجهود والا فان زلزالا عنيفا سيهز المنطقة باسرها  وستمس تداعياته بالدرجة الاول السعودية عصب الطاقة في العالم واسرائيل محور الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط،.

لم ينتهي الربيع العربي، ستظل ارتدادات الزلزال الثوري تتلاحق في موجات عنيفة تارة و هادئة اخرى الى ان يستقر العالم العربي على الشكل المنسجم مع قيم العصر ، ومصر بالضبط دون سواها هي من سيقود هذا العالم الى  مدخل العصر، كما قادته ردحا من الزمن في متاهة العسكر والديكتاتورية ،وذلك لاسباب يعرفها الجميع منها الموقع الجغرافي والحجم البشري والاهم قوتها الناعمة وماتمثله من اشعاع ثقافي ووسطية دينية.

العالم العربي الان في فترة مخاض يشبه الفترة التي مرت بها اوروبا وخاصة الثورة الفرنسية، التي يخبرنا التاريخ انها ليس بالشاعرية التي نتخيل بل كانت دموية وفوضوية الى ابعد الحدود، فقد نقل عالم الاجتماع والمؤرخ الفرنسي الشهير غوستاف لوبون في كتابه الرائع “روح الثورات والثورة الفرنسية” ترجمة عادل زعيتر نقل على السنة مؤرخين فرنسيين بانه اقترفت اثناء الثورة مذابح كثيرة، راح ضحيتها قادة الثورة انفسهم،فعاودت الملكية الظهور من جديد  وتخبط الفرنسيون اربعة عقود او خمسة قبل ان يستقر الحال على النظام الجمهوري الفرنسي الحالي .

اما اسم الربيع العربي فلعل الذي اطلقه كان يقصد المآل والخاتمة وليس الحراك في حد ذاته ،الذي هو زلزال بكل المعنى الذي في الكلمة، وعلى كل فختام هذا الزلزال ربيع بحول الله ساعتها ستحمد الاجيال القادمة للجيل الحالي هذه الشجاعة وهذه التضحيات،فبعد تحرير الاوطان في القرن الماضي يتم الان تحرير الانسان.